الأندلس دمعة لم تجف (2)
في الحلقة الماضية استعرضنا معلومات عامة عن إسبانيا حتى نستطيع السير مبصرين في رحلتنا في هذه الحلقة وما بعدها, وعلمنا أن أرض الأندلس (إسبانيا حاليًا) كانت عبر التاريخ مسرحًا للتداخل الثقافي بين مؤثرات الحضارات المختلفة والمعتقدات المختلفة أيضًا قديمًا وحديثًا، والتقاليد الإسبانية والعربية, وبتتبع هذه الحضارات والثقافات الضاربة في أعماق هذا البلد نلمس الكثير من المفاجآت التي تتفتق عنها معالم شاهدة على تلك الحضارات منذ قرون، فهيا بنا نغوص في أعماق التاريخ, ونستعرض ما مرت به هذه البلاد قبل أن تضيء بنور الإسلام.
تشير البحوث الأثرية في أتابويركا إلى أن شبه الجزيرة الأيبيرية كانت مأهولة بأسلاف البشر منذ 1.2 مليون عامًا، وصل البشر الحديثون شبه الجزيرة لأول مرة من الشمال سيرًا على الأقدام منذ 32,000 سنة مضت. أفضل القطع الأثرية المعروفة من هذه المستوطنات البشرية ما قبل التاريخ هي اللوحات الشهيرة في كهف ألتميرا في كنتابريا في شمال أيبيريا والتي تم إنشاؤها حوالي 15,000 ق.م من قبل كرو - ماغنونس.
إن الأدلة الأثرية والجينية توحي بقوة أن شبه الجزيرة الأيبيرية كانت واحدة من الملاجئ الكبرى التي ساهمت في إعادة استيطان شمال أوروبا بعد نهاية العصر الجليدي الأخير. سكن الجزيرة شعبان رئيسان تاريخيًّا هما الأيبيريون والسلتيون، حيث استوطن الشعب الأول جانب البحر الأبيض المتوسط من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، بينما سكن السلتيون جانب الأطلسي في الشمال والجزء الشمالي الغربي من شبه الجزيرة. في الجزء الداخلي من شبه الجزيرة، حيث كان كلا الفريقين على اتصال، نشأت ثقافة مختلطة مميزة تعرف باسم سلتأيبيرية.
استوطن الباسك المنطقة الغربية لسلسلة جبال البيرينية والمناطق المتاخمة. ظهرت جماعات عرقية أخرى على طول المناطق الساحلية لجنوب شبه الجزيرة. برزت في جنوب شبه الجزيرة المدينة شبه الأسطورية تارتيسوس تقريبًا 1100 قبل الميلاد، والتي عرفت بتجارة سلع مصنوعة من الذهب والفضة مع الفينيقيين واليونانيين والتي وثقها كل من سترابون وسفر نشيد الأنشاد. بين حوالي 500-300 قبل الميلاد أسس الفينيقيون والإغريق البحارة مستعمرات تجارية على طول سواحل البحر المتوسط. سيطر القرطاجيون لفترة وجيزة على جزء كبير من الساحل المتوسطي لشبه الجزيرة، حتى هزمهم الرومان في الحروب البونيقية.
خلال الحرب البونيقية الثانية، نجحت الإمبراطورية الرومانية في السيطرة على المستوطنات القرطاجية التجارية على طول ساحل البحر المتوسط ما بين 210-205 قبل الميلاد تقريبًا. استغرق الرومان قرنين لاستكمال الاستيلاء على شبه الجزيرة الإيبيرية، على الرغم من أنهم سيطروا على أغلبها لأكثر من ستة قرون. جلب الحكم الروماني للمنطقة القانون واللغة والطرق.
بدأت الثقافتان السلتية والأيبيرية بالتأثر بالحضارة الرومانية بدرجات مختلفة في مختلف أجزاء هيسبانيا. كما دخل الزعماء المحليون في الطبقة الأرستقراطية الرومانية. خدمت هيسبانيا بمثابة مخزن الحبوب في السوق الرومانية، بينما صدرت موانئها الذهب والصوف وزيت الزيتون والنبيذ. تطور الإنتاج الزراعي مع تقديم مشاريع الري والتي لا يزال بعضها قيد الاستخدام. ولد الأباطرة تراجان وثيودوسيوس الأول والفيلسوف سنكا في هسبانيا. ظهرت "المسيحية" في هيسبانيا في القرن الميلادي الأول وأصبحت ذات شعبية في المدن في القرن الثاني الميلادي. تعود معظم لغات إسبانيا الحالية والدين وأساس القوانين إلى هذه الفترة.
بدأ الضعف يدب في حكم الامبراطورية الرومانية الغربية في هسبانيا في 409م، عندما عبر السويبيون والفاندال الجرمان والألان السرماتيون نهر الراين ونهبوا بلاد الغال، حتى بدأ نفوذ القوط الغربيين بدفعهم نحو أيبيريا في نفس العام. أنشأ السويبيون مملكة في ما هو اليوم غاليسيا الحديثة وشمال البرتغال. ومع تفكك الإمبراطورية الغربية أصبحت القاعدة الاجتماعية والاقتصادية مبسطة بشكل كبير ولكن حتى في صيغتها المعدلة، حافظت الأنظمة التي خلفت الرومان على العديد من المؤسسات والقوانين التي ورثتها منهم بما فيها "المسيحية."
أنشأ فاندال هاسدينغي حلفاء الألان مملكة في غالايسيا أيضًا، والتي ضمت المنطقة ذاتها ولكنها تمتد جنوبًا إلى نهر دويرو. بينما احتل فاندال سيلينغي المنطقة التي لا تزال تسمى نوعًا ما باسمهم فاندالوسيا وهي أندلوسيا الحديثة في إسبانيا. بينما أنشأ البيزنطيون مكتنف سبانيا في الجنوب بقصد إحياء الإمبراطورية الرومانية في جميع أنحاء ايبيريا. في نهاية المطاف وحدت هسبانيا تحت حكم القوط الغربيين.
وهكذا بدأت فكرة إسپانيا كبلد موحد على يد ملوك القوط الغربيين اللذين تطلعوا لوحدة أراضي إسبانيا وقد تحقق لهم ذلك مع الهزائم المتتالية السويبيون والفاندال الجرمان والألان السرماتيون. هذا وقد بدأت الوحدة الدينية بعد الصلح بين الكاثوليك والأريوسيين ومجالس القوط الغربيين, وبدأت الكنسية في جمع الملك والأساقفة في المملكة للنظر في المشاكل ذات الطابع السياسي الديني حتى يضعوا قوانين موجهة للبلد كلها. وقد كان سوينتيلا أول ملك لمملكة إسبانيا وكل أيبيريا من سنة 621 م لسنة 631م .
وفي عام 689 م غزا العرب معظم شمال غرب إفريقيا. وبعد انتصار العرب ضد الجرمانيين في معركة جواداليتي في يوليو 711 م بدأ المسلمون غزو شبه الجزيرة الايبيرية وأقاموا إمارة أو مقاطعة من الإمبراطورية العربية أطلقوا عليها اسم الأندلس وعاصمتها كانت في كوردوبا.
وبسبب التقدم السريع للمسلمين سيطرو على توليدو أول عاصمة للقوط الغربيين في 712م. وبعد ذلك تقدم المسلمون لشمال أيبيريا واستطاعوا السيطرة على غالب المدن إما غزوًا أو استسلامًا.
فى 716 م سيطر المسلمون على شبه الجزيرة, لكن سيطرتهم على الشمال كانت اسمية وليست عسكرية, وذلك لأن عدد من المناطق في شمال شبه الجزيرة الإيبيرية بقيادة بلايو نجح في مقاومة الغزو الأول. وقاوم بعض القوط سنين حتى عام 719م، وبعد ذلك كثفوا جهودهم للجانب الغربي من جبال البيرينية أراضي المملكه الكارولينجية, وقد حدثت عدة انتفاضات في المنطقة الخاضعة لسيطرة قليلة في الشمال الغربي من شبه الجزيرة.
بعد سقوط مملكة القوط الغربيين, استطاعوا السيطرة على سلسلة جبال سانتاندير وأستورياس وكانتابريا والباسك, ولأن مساحة تلك المناطق كانت صغيرة لم تكن تخضع للسلطة الإسلامية التي حلت محل سلطة المملكة القوطية في أيبيريا. وبعد ذلك دخل كثير من القوط وأمراء الإسبان في الإسلام ليحافظوا على مناصبهم وسلطتهم.
وهكذا وصل الإسلام إلى إسبانيا مبكرًا، وذلك عندما غزا المسلمون جزيرة إيبريا في سنة (39هـ - 711 م) واكتسح المد الإسلامي أكبر مساحة من شبه جزيرة إيبريا في سرعة مذهلة وأتى الغزو بنتائج رائعة، ومن العوامل التي ساعدت على الانتشار التشابه الطبيعي في بعض ملامح شبه الجزيرة العربية وشبه جزيرة إيبريا فلم يمض على دخول العرب ثلاثون عامًا إلا وكانت إيبريا بكاملها في حوزة الإسلام، وتحول الفاتحون إلى مهاجرين واستوطنوا البلاد، بل تجاوزها نفوذهم إلى جنوب فرنسا، وأدخل العرب في إيبريا زراعة المدرجات الجبلية، ومدوا شبكات الري المعقدة، وأدخلوا محاصيل جديدة، وتحولت البلاد إلى مشعل حضارة, وذلك ما سوف نتحدث عنه مفصلاً في الحلقة القادمة إن شاء الله.
نتوقف اليوم مع وعد بمواصلة المسير إن أحيانا الله,فإلى اللقاء.