مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

الأندلس دمعة لم تجف (3)

8 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

ما بين فتح العرب لشبه الجزيرة الأيبيرية في عام 711 ميلادية ووقوف أبي عبد الله ملك غرناطة أمام قصر الحمراء "يبكي ملكًا ضائعًا" في عام 1492م، شهدت إسبانيا التي اختزلت في الأندلس مع سقوط المدينة تلو الأخرى الكثير من الممالك الإسلامية, وفي هذه الحلقة نستطرد فتح صفحات كتاب التاريخ لنعيش تلك الفترة ونرى رحلة الإسلام التي استمرت قرابة 9 قرون.

تعود فكرة فتح الأندلس إلى أيام الخليفة الراشد عثمان بن عفان، فقد فكر عقبة بن نافع سنة 63هـ في اجتياز المضيق إلى إسبانيا، ولكن التنفيذ الفعلي للفتح كان في زمن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، بعد أن نُوقِشَت خطة الفتح بينه وبين قائده على شمال إفريقية موسى بن نصير, وبعد نقاش فكرة الفتح أرسل موسى بن نصير أحد ضباطه ويدعى طريف بن مالك المعافري على رأس قوة عسكرية إلى ساحل إسبانيا الجنوبي في مهمة استطلاعية وذلك في عام 91هـ- 710م فنزل طريف في جزيرة بالوماس، وأغار على المناطق المجاورة وعاد محملاً بالغنائم، وأقنعته هذه الحملة بضعف وسائل الدفاع الإسباني، بعد ذلك أرسل موسى بن نصير في عام 92هـ- 711م قوة عسكرية قوامها سبعة آلاف مقاتل بقيادة طارق بن زياد نائبه على طنجة.

كان الفتح الإسلامي لشبة الجزيرة الأيبيرية إسبانيا والبرتغال أمرًا طبيعيًّا حسب الخطة التي اتبعها المسلمون أثناء فتوحاتهم وهي تأمين حدودهم ونشر دعوتهم، فبعد أن وصل تيار الفتح إلى شمال إفريقية، وبعد أن أرسى موسى بن نصير ومن معه كلمة الإسلام في الشمال الإفريقي، كانت الخطوة التالية الطبيعية هي فتح الأندلس.

دخل الإسلام بلاد الأندلس من عام 92هـ واستمر حكم المسلمين بها إلى عام 897هـ وهي فترة طويلة شهدت أحيانًا قوة المسلمين وأحيانًا أخرى ضعفًا وتخاذلاً إلى أن سقط الحكم الإسلامي بتلك البلاد، وتعرف الأندلس بهذا الاسم نسبة إلى قبائل الفندال أو الوندال فسميت هذه البلاد بفانداليسيا ومع الأيام حُرِّف إلى أندوليسيا فأندلس.

سقط أغلب شبه الجزيرة في القرن الثامن (711-718) بيد جيوش المسلمين القادمة من شمال أفريقيا. كانت هذه الفتوحات جزءًا من توسع الخلافة الإسلامية الأموية. تمكنت فقط منطقة صغيرة جبلية في الشمال الغربي من شبه جزيرة من مقاومة الغزو الأوَّلي, وبموجب الشريعة الإسلامية، جرت معاملة "المسيحيين" واليهود معاملة أهل الذمة. حيث يسمح هذا الوضع لـ"المسيحيين" واليهود بممارسة دياناتهم كأهل الكتاب وكان عليهم دفع الجزية. تطور اعتناق الإسلام بوتيرة متزايدة باستمرار.

وفي هذه الأسطر نسير مع رحلة الفتح الإسلامي, منذ بدأ طارق بالتجهز للعبور؛ ثم قام ببناء عدد كبير من السفن؛ ليتمكن من عبور المضيق الفاصل بين أفريقية وأوربا. عبر طارق بن زياد المضيق فنزل تجاه الجزيرة الخضراء، وسيطر على الجبل الذي حمل اسمه منذ ذلك الوقت، ثم تقدم حتى بلغ بحيرة خندة - غربي إسبانيا - وعلم بالحشود الضخمة التي حشدها لذريق ملك الأندلس، فطلب النجدة من موسى بن نصير، فأمده بخمسة آلاف جندي، والتقى الجيشان عند وادي لكة 92هـ- 711م وانتهت المعركة بانتصار المسلمين وتم القضاء على الجيش القوطي.

بعد ذلك توغَّل طارق بن زياد في البلاد ففتح قرطبة وطليطلة في أوائل عام 93هـ- 712م، ثم فتح شذونة والبيرة وغيرها من المدن؛ مما شجَّعه إلى أن يكتب إلى موسى بن نصير يخبره بما حقق من انتصارات، فشجع ذلك موسى بن نصير على العبور بنفسه إلى الأندلس في عام 93هـ- 712م، ففتح مدنًا كثيرة مثل قرمونة وإشبيلية ودخل ماردة صلحًا، وامتدت فتوحاته إلى برشلونة شرقًا وأربونا في الجوف وقادش في الجنوب، وجليقية في الشمال الغربي.

ثم اجتمع القائدان المسلمان في مدينة طلبيرة لتقويم ما تم إنجازه من خطة الفتح، وما سيتم فتحه في المستقبل، واشتركا معًا في فتح مدينة سرقسطة في إقليم أرغوان، واخترق موسى جبال البرينييه الفاصلة بين إسبانيا وفرنسا، فغزا ولاية سبتمانيا، وفتح قرقشونة وناربون، كما غزا وادي نهر الرون ووصل إلى مدينة ليون، في حين اجتاز طارق وادي الأبرو وغزا جليقية.

وتلقى في هذه الأثناء كل من موسى بن نصير وطارق بن زياد أمرًا من الخليفة بوقف العمليات العسكرية والعودة فورًا إلى دمشق ربما كان ذلك خوفًا من الخليفة على المسلمين من كثرة التوغل في تلك البلاد - وعين الأول قبل مغادرته ابنه عبد العزيز حاكمًا على الأندلس نيابة عنه.

يتضح من خلال هذا العرض التاريخي لفتح المسلمين لبلاد الأندلس أن المسلمين أتموا فتح بلاد الأندلس ولم يتجاوز عددهم الثلاثين ألفًا، وكان المسلمون يقومون بهذا الفتح ويعرفون أن أعدادهم أقل بكثير من عدوهم، لكنهم كانوا يتفوقون على ذلك بالإيمان القوي المتدفق، وكانوا مستعدين لكل تضحية مهما عزت لنصرة الإسلام.

ومن الأمور المهمة التي يجب الإشارة إليها أيضًا أن مهمة الفتح الإسلامي لا تنتهي أو تتوقف عند النصر الحربي، بل بعده تبدأ؛ وذلك ببيان الإسلام والدعوة إليه، وهي مهمة ما بعد الفتح على لسان الفاتحين وفي سلوكهم وتصرفهم. وقد عاش الأندلس في ظل الحكم الإسلامي فترات من القوة، وفترات أخرى من الضعف. استطاع عبد الرحمن الغافقي القضاء على النزاعات القبلية وتوحيد الجميع تحت رايته، فكان تجرده القبلي أحد أسباب النجاح الذي حققه فاحترمه الجميع واستطاع أن يجتاح بجيوشه وادي الرون إلى عمق فرنسا حتى نهر اللوار، إلا أن هُزِمَ وسقط شهيدًا في معركة بلاط الشهداء أمام شارل مارتل في 114هـ- 732م.

ويعتقد بأن المولدين (المسلمون من أصول عرقية أيبيرية) قد شكلوا غالبية سكان الأندلس في نهاية القرن العاشر. هذا وقد كان المجتمع الإسلامي ذاته في شبه الجزيرة الايبيرية متنوعًا وعانى من بعض التوترات الاجتماعية. اصطدم الأمازير من شمال أفريقيا والذين شكلوا الجزء الأكبر من الجيوش الغازية بالقيادات العربية القادمة من عاصمة الخلافة. ومع مرور الوقت ترسخت المجتمعات المغاربية في أيبيريا ولاسيما في وادي نهر الوادي الكبير والسهل الساحلي لفالنسيا ووادي نهر أبرة وفي المنطقة الجبلية من غرناطة بعد سقوط الإمارات الأخرى. وقد كانت قرطبة عاصمة الخلافة والأكبر والأغنى والأكثر تطورًا في أوروبا الغربية.

هذا وقد ازدهرت التجارة المتوسطية والتبادل الثقافي, وجلب المسلمون التقاليد الفكرية العريقة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. بينما لعب العلماء المسلمون واليهود دورًا هامًّا في إحياء وتوسيع تعلم اليونانية الكلاسيكية في أوروبا الغربية. تفاعلت الثقافة اللاتينية لشبه الجزيرة مع الثقافة الإسلامية بطرق معقدة، مما منح المنطقة ثقافة مميزة. خارج المدن، حيث عاش أغلب السكان، ظل نظام ملكية الأرض كما هو منذ العصر الروماني دون تغيير حيث إن القادة المسلمين نادرًا ما استبدلوا ملاك الأراضي. أدخلت محاصيل وتقنيات زراعية جديدة أدت إلى تطور الزراعة في المنطقة. في القرن الحادي عشر، دخل الحكم الإسلامي حقبة ملوك الطوائف المتناحرة مما سمح للدول "المسيحية" الصغيرة بالتوسع.

وبعد ذلك استعاد المرابطون ومن بعدهم الموحدون وحدة الأراضي الإسلامية، مع تطبيق أكثر صرامة وأقل تسامحًا للإسلام، تزامن ذلك مع نهضة في ثروات المسلمين. شهدت هذه الفترة عودة سلطة الدولة الإسلامية والتي شهدت أكثر من قرن من النجاحات وعكست المكاسب الجزئية التي حققتها الممالك "المسيحية".

فترة الاسترداد أو سقوط الأندلس هي حقبة دامت عدة قرون من توسع الممالك "المسيحية" في أيبيريا. تعتبر معركة كوفادونجا بداية هذا العهد في عام 722 وتزامنت مع فترة الحكم الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية. أدى انتصار الجيوش "المسيحية" على المسلمين في تلك المعركة لتشكيل مملكة أستورياس على طول الجبال الساحلية شمال غرب البلاد. انتقلت جيوش المسلمين إلى الشمال من جبال البرانس، ولكنهم هزموا على يد قوات الفرنجة في معركة بلاط الشهداء.

بعد ذلك، تراجعت جيوش المسلمين إلى مواقع أكثر أمنًا جنوب جبال البرانس حيث اتخذت من واديي نهري أبرة ودويرو حدودًا. سيطرت القوات "المسيحية" على غاليسيا في 739م والتي استضافت أحد أقدس المواقع في أوروبا في العصور الوسطى، سانتياغو دي كومبوستيلا. بعد ذلك بفترة وجيزة، أنشئت قوات الفرنجة مقاطعات "مسيحية" على الجانب الجنوبي من جبال البرانس، نمت هذه المقاطعات لتصبح ممالك. شملت هذه الأراضي نافار وأراغون وكاتالونيا.

ساعد دخول الأندلس في فترة ملوك الطوائف المتنافسة الممالك "المسيحية". مثل الاستيلاء على مدينة طليطلة الاستراتيجية في 1085 تحولاً كبيرًا في ميزان القوى لصالح الممالك "المسيحية" في أيبيريا. بعد العودة القوية للحكم الإسلامي في القرن الثاني عشر، سقطت المعاقل الإسلامية الرئيسية في الجنوب بيد الممالك "المسيحية" في القرن الثالث عشر - قرطبة 1236 وإشبيلية 1248 - ولم يتبق سوى إمارة مسلمة في غرناطة في الجنوب. في القرنين الثالث عشر والرابع عشر قامت الدولة المرينية التي كان مقرها شمال أفريقيا بغزو شبه الجزيرة وأنشأت بعض الجيوب على الساحل الجنوبي لكنها فشلت في إعادة تأسيس الحكم الإسلامي في أيبيريا ولم تستمر لفترة طويلة.

شهد القرن الثالث عشر أيضًا توسع تاج أراغون المتمركز في شمال شرق إسبانيا إلى جزر البحر الأبيض المتوسط إلى صقلية وصولاً إلى أثينا. في هذه الفترة تقريبًا تأسست جامعات بلنسية 1212/1263 وسالامانكا 1218/1254. دمر الموت الأسود البلاد بين عامي 1348 م و1349م.

توحد تاجا مملكتي قشتالة وأراغون في عام 1469 م بزواج إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة بملك أراغون فرديناند الثاني. شهد عام 1478 السيطرة التامة على جزر الكناري وفي عام 1492 قامت القوات المشتركة من قشتالة وأراغون بالاستيلاء على إمارة غرناطة، وإنهاء 781 عامًا من الحكم الإسلامي في أيبيريا. ضمنت معاهدة غرناطة التسامح الديني تجاه المسلمين.

شهد عام 1492 أيضًا وصول كريستوفر كولومبس إلى العالم الجديد في الرحلة التي مولتها إيزابيلا. كانت تلك السنة نفسها التي أمر فيها اليهود في إسبانيا بالتحول إلى الكاثوليكية أو مواجهة الطرد من الأراضي الإسبانية خلال فترة محاكم التفتيش. بعد سنوات قليلة وفي أعقاب الاضطرابات الاجتماعية واجه المسلمون الطرد أيضًا في ظل الظروف ذاتها. قام فرديناند وإيزابيلا بمركزة السلطة الحاكمة على حساب النبلاء المحليين، وأصبحت كلمة إسبانيا تستخدم للدلالة على كامل المملكتين. بعد التعديلات الواسعة التي قاما بها من النواحي السياسية والقانونية والدينية والعسكرية، برزت إسبانيا باعتبارها القوة العالمية الأولى.

إلى هنا نتوقف مع وعد بمواصلة المسير في الحلقة القادمة إن شاء الله.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 13 مايو 2012
  1. رفض مواعدتهن.. 5 فتيات أمريكيات يتحرشن بشاب يمني مسلمفي حادثة نادرة الحدوث، حاولت 5 طالبات أمريكيات اغتصاب شاب يمني مسلم بعد أن رفض ممارسة الجنس معهن لالتزامه بتعاليم دينه. فقد تعرض طالب يمني بولاية أريزونا الأمريكية لعملية تحرش من قبل خمس طالبات أمريكيات في سكنه الخاص بالقرب من الجامعة التي الأمريكتان · 2 د قراءة
  2. افتتاح حسينية في مصر ودلالة توقيتهبقلم: مجدي داود Mdaoud_88@hotmail.com مفكرة الإسلام : في وقت تعيش فيه مصر أجواء غاية في التوتر وعدم الاستقرار، والفوضى الأمنية والسياسية، وضبابية المشهد السياسي، ومآل العملية السياسية، وقرب انتخابات الرئاسة، والأزمة بين البرلمان والمجلس العمقالات وتحليلات · 6 د قراءة
  3. ذو السويقتين الأمريكيكتبه للمفكرة/ شريف عبد العزيز [email protected] الخبر: تم الكشف عن مخطط تدريبي لتدمير مكة والمدينة والبقاع المقدسة للمسلمين ضمن الحصص التدريبية لضباط الجيش الأمريكي. التعليق: للكعبة بيت الله الحرام خصوصية كبرى عند المسلمين ، فهي قبلتهم ومسقحدث وتعليق · 7 د قراءة
  4. وفاة العلامة الألباني22 جمادى الآخرة 1420هـ ـ 2 أكتوبر 1999م مفكرة الإسلام : الشيخ العلامة، محدث الديار الشامية، ومجدد علم الحديث في المائة الخامسة عشرة، أحد كبار منظري العقيدة السلفية، ناصر السنة وقامع البدعة، والسيف المسلول على القبوريين والمبتدعين، الشيخ محمحدث في مثل هذا اليوم · 3 د قراءة
  5. مؤشرات بتقدم مرسي وأبوالفتوح في تصويت المصريين بالخارجكشفت حكومة ظل شباب الثورة عن بعض المؤشرات حول نتيجة تصويت المصريين بالخارج، مشيرة إلى تقدم محمد مرسي عن أبي الفتوح بفارق بسيط، فيما تراجع مرشحو الفلول. وأكدت حكومة ظل الثورة أنها أجرت استفتاءً بالخارج من خلال أعضائها في الكثير من الدول خلالالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  6. الأندلس دمعة لم تجف (5)إخوتي أخواتي ذكرنا في الحلقة السابقة بعض ما حققه المسلمون في إسبانيا من بعض الإنجازات, إلا إنه لا تزال هناك مشاكل عالقة خاصة بممارسة المسلمين لحياتهم كمواطنين إسبان يؤدون ما عليهم من واجبات ولهم حقوق المواطنة على الدولة, وكذلك هناك عقبات وتنحن والغرب · 7 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: الأندلس دمعة لم تجف (3)