الأندلس دمعة لم تجف (4)

إخوتي أخواتي علمنا في الحلقة الماضية أن الموجة الأولى لفتح الأندلس كانت من المؤلفة قلوبهم من العرب والبربر الذين آخى بينهم الإسلام فاندفعوا يفتحون قرى ومدن أيبريا، وبهذا الفتح تحول الأندلس إلى مشعل الحضارة الوسيطة، وامتد تأثير الحضارة الإسلامية إلى الممالك الأوروبية، وتلقى طلاب العلم من "المسيحيين" من العلوم العربية مما أثار فيهم النشاط فاجتمعت فيهم ركيزة الحضارة فيما بعد وأسس العرب الهيكل الحضاري الذي ما زال يميز إسبانيا، ويضم القاموس الأسباني مفردات من العربية، وتدر الآثار الإسلامية في أسبانيا بأكثر من مليارين من الدورلات.
انتهى حكم العرب في إسبانيا بسقوط غرناطة في سنة (898 هـ- 1492 م) بعد عقد معاهدة بين فردناند وايزابلا يلتزمان بها باحترام الدين ولكنهما نقضا المعاهدة وحاكما المسلمين أمام محاكم التفتيش التي أصدرت أحكامها بالإعدام حرقًا على أعداد كبيرة من المسلمين واستمرت هذه المحاكم تمارس سلطانها أكثر من ثلاثة قرون ولم تلغ إلا في القرن التاسع عشر.
هاجرت أعداد كبيرة من المسلمين إلى بلاد المغرب، واضطر من بقي أن يخفي عقيدته سرًّا وهم (الموريسكيون) والذين تمردوا في سنة (976 هـ - 1568 م)، ولما يأس الأسبان من إجبارهم على ترك دينهم أمروا بطردهم من إسبانيا سنة (1019 هـ - 1610 م)، هذا مقابل ما كان يقدمه الإسلام من سماحة، فلم يرغم المسلمون طيلة ثمانية قرون أحدًا على اعتناق الإسلام وتركوا لـ"المسيحيين" حرية ممارسة عقيدتهم.
ظلَّ الأندلس بعد ذلك شبه خالٍ من المسلمين، إلا من الآثار الإسلامية، والعمران غير المسبوق الذي تركه المسلمون ما يزال شاهدًا على التقدم الذي شهده الأندلس خلال الحكم الإسلامي، وما زالت إسبانيا "المسيحية" حاليًا تقتات على الدخل السياحي الكبير الذي تدرُّه تلك الآثار الإسلامية التي امتهن النصارى بعضها؛ فحوَّلوه إلى كنيسة، أو متحف.
لقد شُغِف العالم بما شيده المسلمون كمدينة الزهراء التي لم يُبْنَ مثلُها، وقصر الحمراء بغرناطة، والمسجد الكبير بقرطبة الذي شوهه ألفونسو عند دخوله قرطبة؛ فقد جعل في أحد مداخل المسجد كاتدرائية، وأمر بتعليق أجراس الكنائس على المآذن، والآن يُمنَع أن تقام فيه الصلاة ويصعب دخوله إلا بتذكرة مدفوعة الثمن!
هذا وتشير الإحصائيات الدقيقة إلى أن تعداد المسلمين تبلغ فيها بنحو 1,2مليون نسمة بنسبة 3% معظمهم من طلاب العلم والعمال والأسبان الذين اعتنقوا الإسلام طوعًا والمهاجرين وغيرهم.
وبحسب آخر دراسة قام بها اتحاد الجمعيات الإسلامية بإسبانيا، فإن ما يعادل %2.5 من السكان بالجارة الشمالية هم مسلمون، أغلبهم ينحدرون من دول المغرب العربي" 565.000 من أصل مغربي" ودول إفريقيا جنوب الصحراء وباكستان.
أكدت الدراسة والتي نشرت نتائجها مؤخرًا أن من بين كل 10000 مواطن إسباني هناك 250 مسلم، وأن نسبة 70% من المسلمين متمركزون في أربع جهات، تأتي في المقدمة جهة كتالونيا 279237 مسلمًا، جهة مدريد 196689 مسلمًا، جهة الأندلس 184430 مسلمًا، وفالنسيا 130471 مسلمًا، جهة مورسيا 63.040 مسلمًا, كاستيا لامانشا 32.960 مسلمًا، أرغون 30.982 مسلمًا، كانارياس 54.636 مسلمًا, أما سبتة المحتلة 30.537 مسلمًا ومليلية السليبة 34.397 مسلمًا.
كما ذكرت الدراسة أن عدد الإسبان الذين اعتنقوا الإسلام وصل إلى 33.750، أي ما يفوق عدد المسلمين بمدينة سبتة المحتلة. وأشارت الدراسة إلى أن 150 ألف مسلم من أصل العدد الإجمالي لمسلمي إسبانيا يعدون من الجيل الرابع للمهاجرين، أغلبهم تابع دراسته العليا والتقنية، واندمج بشكل كلي في المجتمع الإسباني، ولا يعاني من أية مشكلة اندماج أو إيجاد فرص العمل على العكس في بعض الدول الأوربية.
وقد أشارت الدراسة أيضًا إلى أن عدد التلاميذ بإقليم كاتالونيا وصل إلى 30 ألف تلميذ مسلم، وبمدريد25 ألف تلميذ وإقليم الأندلس 19 ألف تلميذ وبفالنسيا 11 ألف تلميذ وبسبتة 5 آلاف تلميذ ونفس العدد بمدينة مليلية، بينما تشهد باقي الجهات حضورًا بدرجة أقل.
وخلصت الدراسة إلى اعتبار الديانة الإسلامية كثالث ديانة سماوية بالجزيرة الإيبيرية، وأن المذهب السني هو المهيمن في إسبانيا.
ولعل لهذا الوجود أثرًا واضحًا داخل المجتمع الإسباني في جميع مناحي الحياة. فقد أصبح نقل مراسيم العيدين - مثلاً - شيئًا اعتياديًّا بالقناة العمومية الكتالونية، وأضحى- انتشار المحلات المختصة بالأكل الحلال والمجازر الإسلامية – مشهدًا مألوفًا، سيما في الجهات التي تعرف تمركزًا كبيرًا للمهاجرين.
ولعل هذا التغيير الذي طرأ على الخريطة الدينية بإسبانيا مرده إلى الهجرة التي عرفتها البلاد أواخر القرن الماضي وبداية هذا القرن، حيث توافدت أعداد كبيرة من المهاجرين بحثًا عن آفاق جديدة ومستقبل أفضل.
وهكذا مع تزايد أعداد المسلمين في إسبانيا في السنوات الأخيرة حتى أصبحوا جالية كبيرة لها مكانتها، خاصة بعد أن نشطت الهجرة من شمال أفريقيا لتعبر إلى أوروبا من خلال مضيق جبل طارق، ونظرًا لهذه الزيادة المطردة لأعداد المسلمين بدأ الاهتمام بإقامة المساجد وأماكن الصلاة سواء في المدن الكبرى أو في العديد من القرى الصغيرة الجاذبة للعمالة المهاجرة, وانتشرت المساجد وأصبحت تربو على 300 مسجد، بعضها يمتد نشاطه إلى أبعد من مجرد إقامة الصلاة وإقامة الاحتفالات الدينية الموسمية، وتحولت إلى مراكز ثقافية إسلامية حقيقية، وبدأت هذه المساجد تلفت الأنظار إليها وتتحول إلى أماكن للقاء وتضيء أبوابها ومآذنها احتفالاً بشهر رمضان المبارك، وفي أماكن وجود تلك المساجد بدأت تنتشر عادات جديدة لم تكن معروفة من قبل مثل "موائد الإفطار، ومدارس تعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم لأبناء المسلمين حتى لا تضيع لغتهم مع مرور الأجيال".
كما ظهرت أيضًا مجموعة من الهيئات والمؤسسات الإسلامية في غرناطة ثم انتشرت خصوصًا بعد صدور حرية الأديان ويبلغ عددها 49 "منها المركز الإسلامي الأسباني، جمعية المسلمين الإسبان في غرناطة، الجمعية الإسلامية في إسبانيا، الجمعية الإسلامية في قرطبة، الجمعية الإسلامية في أشبيلية، المفوضية الإسلامية في إسبانيا. كما يوجد المركز الإسلامي الثقافي في مدريد - الذي افتتح عام 1413هـ - 1992م في حفل اعتبرته الجالية الإسلامية في إسبانيا بداية لنشاط إسلامي حقيقي ودعمًا لوجودهم في هذه البلاد - ويضم مسجدًا ومدرسة تقوم بتعليم العلوم الإسلامية واللغة العربية واللغة الأسبانية، والقرآن الكريم، ومعمل لتعليم اللغات, ويوجد المعهد العربي للدراسات الأكاديمية، والمعهد الأسباني العربي للثقافة في مدريد، والمدرسة العربية في مدريد.
هذا ومنذ اعتماد المركز الثقافي الإسلامي بمدريد من جانب الحكومة الإسبانية كواحد من الجهات التي يمكن للمسلمين أن يلجأوا إليها لطلب ضم أبنائهم لفصول دراسة الدين الإسلامي بالمدارس الحكومية فإنه لا يزال يتولى دعم تلك المدارس بمدرسي اللغة العربية والدين مجانًا، أو تطوع بعض آباء التلاميذ بتدريس هذه المادة، على رغم توقيع اتفاق بين الإدارة واتحاد المسلمين على تسهيل هذه المهمة من خلال مدرسين تدفع الحكومة رواتبهم.
أيضًا يقوم المركز الثقافي الإسلامي بتوفير من يشرف على عمليات «الذبح الحلال» حيث لا توجد مذابح لإجراء عملية الذبح الحلال على الطريقة الإسلامية سوى في العاصمة مدريد، التي يخصص مذبحها يومين في الأسبوع للذبح بحضور مندوب عن المركز الثقافي الإسلامي.
ومن أنشطة المركز الثقافي الإسلامي بمدريد المساهمة والإشراف على عمليات دفن الموتى طبقًا للشريعة الإسلامية والتي كانت تعتبر بالنسبة للكثير من المسلمين مشكلة كبرى، حيث لا توجد مدافن إسلامية سوى في مدينتي سبتة ومليلة لوجود أغلبية مسلمة فيهما، وتلك القريبة من العاصمة مدريد.
وللمسلمين في إسبانيا أيضًا محلاتهم خاصةً محلات بيع المواد الغذائية وبالتحديد محلات بيع اللحم المذبوح على الطريقة الإسلامية، التي انتشرت انتشارًا كبيرًا حتى أن عددها في مقاطعة كاتالونيا، شمال شرقي إسبانيا فقط بلغ 70 محلاًّ.
لكن على الرغم من العدد الكبير نسبيًّا للمسلمين في إسبانيا، حيث يحتلون اليوم المرتبة الثانية في تعدادهم بعد الكاثوليك، وقبل البروتستانت واليهود، فإن الشعب الإسباني لا يزال يجهل الكثير من الحقائق حول الإسلام، كما أن معلوماته حول هذا الدين في كثير من الأحيان مغلوطة أو مشوَّهة, ولا تزال هناك مشاكل عالقة خاصة بممارسة المسلمين لحياتهم كمواطنين أسبان يؤدون ما عليهم من واجبات ولهم حقوق المواطنة على الدولة, وذلك ما سنتعرض له في حلقتنا القادمة والأخيرة إن شاء الله فإلى اللقاء.