مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

كيف استغل اليهود الثورة الفرنسية....[16]

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

ناقشنا في المقال السابق أحداث الثورة الفرنسية وكيف قامت، وما كان فيها من محاولة لإزالة تراكمات مئات السنين من الطغيان والتسلط الكنسي، إلى جانب الاستعباد الذي قام به الأشراف والإقطاعيين للأفراد.

ولكن على رغم مما كان في الثورة الفرنسية من قتل وإراقة للدماء منقطع النظير، إلا أنها لم تعد أن تكون ردة فعل نفسية لما تكوَّن عند الرجل الغربي من إحساس بالظلم والقهر، خاصة من جانب الكنيسة التي ساندت الإقطاع وجمعت الضرائب والأموال وعذبت وأحرقت العلماء بحجة مخالفة مذهب الكنيسة.

كانت الثورة الفرنسية ردة فعل نفسية على كل هذا، ولم يكن في مخيل الناس التحول إلى اللادينية وإقصاء الدين من الحياة، بل كان همهم الانتقام من رجال الدين والأشراف فقط.

ولكن يد ما تدخلت لاستغلال تلك الفرصة التي ربما قد لا تتكرر، وحوَّلت مسار الثورة لتكون ثورة على الدين وليست على رجال الدين، وهنا كان دور اليهود في إفساد أوروبا.

وقبل أن نستعرض الدور اليهودي في الثورة الفرنسية وأسبابه يجب أن نقرر حقيقة مهمة، وهي أن اليهود لا ينشئون الأحداث كما يزعمون لأنفسهم، وكما يتوهم الذين تبهرهم سيطرة اليهود في الوقت الحاضر فيهولون من مقدرتهم كأمثال (وليم كار)مؤلف الكتاب الشهير "أحجار على رقعة الشطرنج" الذي ينسب فيه كل أحداث التاريخ لفعل اليهود، ولكن لا شك أنهم يجيدون انتهاز الفرص واستغلالها لتنفيذ مخططاتهم.

وعقدتهم الكبرى اعتقادهم أنهم شعب الله المختار، ومن ثم فينبغي أن يكون بقية البشر خدماً وعبيداً لهم، ويكونوا وحدهم هم المسيطرين، يقول التلمود لليهود: "الأمميون (أي كل الأمم غير اليهود) هم الحمير (دواب الحمل) الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار، وكلما نفق منهم حمار ركبنا حماراً أخر!".

وإذ كان مخططهم هو استعباد البشرية، واستحمارها وتسخيرها لمصالحهم، فقد علموا أن أنجح الوسائل لذلك هي نزع عقائد الأممين وإفساد أخلاقهم.

ولذا جاء في بروتوكولات حكماء صهيون: "يجب علينا أن ننزع فكرة الله ذاتها من عقول غير اليهود، وأن نضع مكانها عمليات حسابية وضرورات مادية.

ومن المسيحيين أناس قد أضلتهم الخمر وانقلب شبابهم مجانين بالكلاسيكيات والمجون المبكر الذي أغراهم به وكلاؤنا ومعلمونا وخدمنا ونساءنا في أماكن لهوهم والراغبات من زملائهن في الفساد والترف"([1]).

صحيح أن العقيدة التي قدمتها الكنيسة -أو قدمها بولس اليهودي الأصل- إلى أوروبا كانت فاسدة منذ أول لحظة، وأن الدين الذي نشرته الكنيسة لم يكن هو دين الله المنزل بل كان دينا محرفا يتكون من خليط من الأديان الوثنية إلى جانب مسحة ربانية، ولكن شدة تمسك أوروبا بعقيدتها -رغم فسادها- قد جمد محاولات اليهود لتنفيذ مخططاتهم فترة طويلة، رغم أنهم لم يكفوا عن المحاولة خلال تلك القرون كما يقول -بحق- وليم كار في كتاب على رقعة الشطرنج.

لقد كان أقصى ما يفعل اليهود هو جمع المال، وإقراضه بالربا الفاحش للمحتاجين، وإيقاع أمراء الإقطاع في الدين ليستولوا في النهاية على ثرواتهم.

ولكن تأثيرهم في مجموع الناس كان معدوماً أو ضئيلاً إلى أقصى حد، خاصة واليهود في أوروبا في ذلك الحين محتقرون مهينون، فوق البغضاء الموجهة إليهم والاضطهاد الحائق بهم على أساس أنهم قتلة المسيح كما كان يعتقد المسيحيون.

وحينما قامت الثورة الفرنسية كانت أهداف الثائرين هي القضاء على الحليفين الطاغيين المستبدين: رجال الإقطاع ورجال الدين، وكان الإقطاع شراً خالصاً فكان ينبغي أن يزول، وكان الدين الذي تقدمه الكنيسة وتطغى به على الناس يحوي بعض الحقائق وكثيراً من الأباطيل، فكان يمكن أن تصحح أباطيله، ويستبدل به الدين الحق، الخالي أساساً من الأباطيل.

ولكن اليهود حين دخلوا في الأمر لم يدعوا الفرصة لتصحيح الدين، وإنما استغلوها فرصة سانحة لتحطيم الدين، وهذا هو الدور الحقيقي الذي لعبوه في الثورة الفرنسية.

والحقيقة إن المحافل الماسونية([2]) المنتشرة في فرنسا في ذلك الوقت ساهمت في التحضير للثورة، وهي التي رفعت شعاراتها الخاصة -الحرية والإخاء والمساواة- شعارات للثورة الفرنسية، على غير وعي من (الأمميين) الذين قاموا بها، واشترك بعض الخطباء من اليهود في إلهاب حماسة الجماهير وتفجير الغضب المكبوت.

أما عن أسباب دخول اليهود في الثورة فقد كان لتحقيق هدفين كبيرين من أهدافهم الخاصة، أحدهما كانت الثورة تتجه إليه من تلقاء ذاتها، والثاني كانت وجهة الثورة فيه تيسِّر لهم الوصول إلى هدفهم الخاص إذا استغلوا الأحداث.

فأما الهدف الأول: فقد كان تحطيم الإقطاع، وهذا كان يوافق هدفاً مرحلياً خاصاً لليهود.

فقد كان لليهود أكثر من مصلحة في تحطيم الإقطاع، فلا عجب أن يدخلوا في الثورة التي رأوها متجهة- من تلقاء نفسها- إلى تحطيمه.

كانت الثورة الصناعية تدق الأبواب، وكان اليهود يقدِّرون لأنفسهم فيها أرباحاً طائلة عن طريق الإقراض بالربا، فمنذ مولدها واحتياجها إلى المال لتمويل الصناعة الناشئة سقطت فريسة في يد اليهود، وما تزال حتى هذه اللحظة في أيديهم.

لقد كان المال الوفير الذي يصلح لتمويل الثورة الصناعية في يد طائفتين اثنتين في ذلك الحين: طائفة أمراء الإقطاع وطائفة المرابين من اليهود.

فأما أمراء الإقطاع فقد رفضوا تمويل الصناعة الناشئة وأبوا أن ينقلوا أموالهم من دورتها الزراعية المألوفة لديهم والمضمونة الربح لهم، إلى عملية جديدة لا يعرفونها، ولا يطمئنون إليها لعدم تمرسهم بها، خاصة وأن كثيراً من العلميات الصناعية كان يفلس في مبدأ الأمر بسبب نقص الخبرة، أو عدم توفر الأسواق، أو عدم وجود المواصلات الميسرة، أو عدم إقبال الناس على الأشياء المصنوعة الآلة، وتفضيل المصنوعات اليدوية عليها بحكم الألفة الطويلة.

عندئذ تقدَّم اليهود لتمويل تلك الصناعات مرحبين، لأنهم -على طريقتهم- لا يخسرون شيئاً سواء ربحت الصناعة أو خسرت أو أفلست إفلاساً كاملاً، ذلك أنهم لا يشتركون اشتراكاً مباشراً برؤوس أموالهم، وإنما يقرضون أصحاب الصناعات بالربا الفاحش مقابل ضمانات تضمن لهم رجوع أموالهم إليهم مع الفوائد المضاعفة دون أن يتعرضوا للخسائر التي كانت تتعرض لها الصناعة الناشئة في ذلك الوقت في كثير من الأحيان.

ولكن العقبة أمام الصناعة الناشئة لم تكن عقبة التمويل فحسب، وهي بالنسبة لهم لم تكن عقبة بل كانت مصدر ربح وفير، إنما كانت العقبة الكبرى هي توفير العمال اللازمين للصناعة، فقد كان العمال في الريف يحتجزهم الأحرار، وهم قلة قليلة إلى جوار العبيد والأقنان، وكلهم لا يملكون الانتقال إلى حيث تقوم الصناعات بالمدينة، حيث توجد الأسواق المعقولة لتصريف المنتجات الصناعية، ومن ثم كان لا بد من تحطيم الإقطاع لتحرير وقود الصناعة الجديدة، وتقرير (حق الانتقال) لكل من يريد، وهو حق لم يكن قائماً في ظل الإقطاع.

وهذا الهدف- وهو تحرير العبيد لتوفير العمال اللازمين للصناعة في المدن- لم يكن في حساب الثائرين ولا شك يوم قاموا بثورتهم العنيفة ضد مظالم الإقطاع، ولكنه كان هدفاً واعياً لليهود منذ أول لحظة.

وأما الهدف الثاني: فقد كان تحطيم نفوذ الكنيسة ورجال الدين، وهذا الذي حوله اليهود لحسابهم الخاص إلى تحطيم لذات الدين.

لذلك سعوا بجمعياتهم الماسونية المنبثة في أنحاء فرنسا، وبخطبائهم وكتابهم إلى توجيه غضب الجماهير المجنونة نحو الدين ذاته لا نحو رجاله فحسب، وكان أن أعلنت في فرنسا الثورة، أول حكومة لا دينية في العالم المسيحي لا تجعل الدين أساساً لأي شيء في حياة الناس.

ثم أعقب ذلك ظهور نظرية علمية خطيرة استغلها اليهود أنجح استغلال لتحويل أوروبا إلى اللادينية

تلك النظرية كانت نظرية دارون([3]).

يقول كتاب بروتوكولات حكماء صهيون في ذلك: ( إن دارون ليس يهودياً، ولكنا عرفنا كيف ننشر آراءه على نطاق واسع، ونستغلها في تحطيم الدين ).

وسيكون هذا بإذن الله تعالى هو موضوع مقالنا القادم.


([1])بروتوكولات حكماء صهيون، البروتوكول الأول.

([2]) الجمعيات الماسونية من أقدم الجمعيات السرية التي لا تزال قائمة، تهدف إلى القضاء على الأديان والأخلاق الفاضلة وإحلال القوانين الوضعية والنظم غير الدينية محلها، ولا يعرف بالضبط متى نشأت تلك الجمعيات.

([3]) تشارلز داروين (1809-1882)م باحث إنجليزي، صاحب نظرية التطور في الأجناس الحية، أحدث كتابه (أصل الأنواع) الذي تضمن نظريته في التطور ضجة لم يحدثها أي مؤلف آخر في التاريخ الأوروبي قاطبة، وكانت له آثار بعيدة في كل المجالات.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 27 سبتمبر 2006
  1. وجوب توحيد الصيام ولا حقيقة لاختلاف المطالعالشيخ / عدنان بن محمد العرعور السعودية [email protected] بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع: أحكام رؤية الهلال من عدنان العرعور إلى جميع الأخوة الذين سألوا عن مسألة أحكام هلال الصيام والإفطار في بلدان كثيرة، وبخاصة في الدول الغربية السلام عليكم8 د قراءة
  2. القمر الشرعي … والقمر السياسي !!الشيخ /عدنان العرعور الخبر : مفكرة الإسلام : ثبتت رؤية هلال شهر رمضان الكريم في معظم الدول الإسلامية والعربية باستثناء مصر والأردن وتونس ! التعليق : لو سئل المرء عن أذكى الحيوانات لما كان ذلك لغزاً ، ولكن لو سئل عن أذكى الجمادات لكان الجواب3 د قراءة
  3. هل تصمد السودان أمام الضغط الأمريكيالخبر مفكرة الإسلام : اقترح مجلس الشيوخ الأمريكي تعليق عضوية السودان في الأمم المتحدة وفرض عقوبات مالية واقتصادية عليها للضغط عليها للقبول بدخول قوات دولية إلى دارفور . التعليق عندما تمسكت الحكومة السودانية بعدم قبول دخول قوات دولية إلى دار2 د قراءة
  4. ساسة ألمان ينتقدون إلغاء عرض أوبرالي مسيء للنبي الكريمتواصلت ردود الفعل الغاضبة من قبل الساسة الألمان بعد قيام دار الأوبرا بإلغاء إحدى الحفلات المقررة للموسيقار 'موتسارت' والتي تحتوي على مشاهد مستفزة للمسلمين ومثيرة لمشاعرهم. وحسبما نقلته صحيفة 'برلين تسايتونج' لم يتوقف حد الرفض لإلغاء الحفل احدث الساعة · 1 د قراءة
  5. فرنسا تبدي ارتياحها الشديد إزاء التقرير الجديد لبرامرتسمفكرة الاسلام: أبدت فرنسا الثلاثاء ارتياحها الشديد إزاء التقرير المرحلي الذي نُشر الاثنين حول التحقيق الدولي في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. ونقلت وكالة فرانس برس عن الناطق باسم الخارجية الفرنسية جان باتيست ماتيي قوله إ1 د قراءة
  6. مصادر صحفية: إيران قد تقبل بتعليق مؤقت لتخصيب اليورانيومقالت صحيفة 'واشنطن تايمز' يوم الثلاثاء نقلاً عن مسئولين أمريكيين إن إيران قد تكون مستعدةً للقبول بتعليق مؤقت لأنشطة تخصيب اليورانيوم لمدة 90 يومًا غير أنها لا ترغب في إعلان ذلك. وذكرت الصحيفة التي لم تكشف مصادرها بشكل دقيق أن قرار تعليق أنشحدث الساعة · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: كيف استغل اليهود الثورة الفرنسية....[16]