مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

نقطة التحول إلى اللادينية..... نظرية دارون [17]

7 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

عرضنا في المقال السابق إرهاصات وأحداث الثورة الفرنسية، وماذا كانت نتائجها على الصعيد الداخلي والخارجي، وأشرنا كذلك إلى التدخل اليهودي في تلك الثورة، وكيف ساهم هذا التدخل في تحول مسار الثورة الفرنسية إلى ما يخدم اليهود وتطلعاتهم.

واليوم نعرض أحد أهم النظريات التي كان لها أكبر الأثر في التاريخ الأوروبي جملة، بل لا نبالغ إن قلنا: إن النتائج التي ترتبت على تلك النظرية من ناحية الآثار الفكرية والاجتماعية لا من الناحية العلمية؛ تجعل هذه النظرية من أهم النظريات في التاريخ، لا بسبب ما توصلت إليه، ولكن بسبب ما أثمرته من فكر في المجالات الحياتية الأخرى.

فعلى الرغم من الثورة الفرنسية، ونظرية إسحاق نيوتن التي فسرت كل شيء تفسيرًا ميكانيكيًا، كذا النظريات الفلسفية وانتقادات سبينوزا وفولتير الشديدة.

على الرغم من ذلك كله لم يكن ليسمح لأي مفترض أو متكهن بأن يتنبأ بانهيار كامل للمسيحية قبل قرون عدة، فقد بقيت رغم الطعنات النافذة كيانًا قائمًا تدعمه عواطف الأغلبية من الناس، وتسانده موروثات عميقة الجذور من القيم والمثل والتقاليد، حتى وهم يثورون على الكنيسة ويعانون من طغيانها العام.

ولكن جاءت نظرية دارون لتضرب كل تلك الثوابت التي عاش عليها الأوروبيون قرونًا عدة، وذلك من خلال نظرية التطور.

ففي سنة (1859م) نشر الباحث الإنجليزي تشارلز داروين كتابه (أصل الأنواع)، والغرض الذي يدور حوله الكتاب هو افتراض تطور الحياة في الكائنات العضوية من السهولة وعدم التعقيد إلى الدقة والتعقيد، وتدرجها من الأحط إلى الأرقى، وأن الفروق الخلقية داخل النوع الواحد تنتج أنواعًا جديدة مع مرور الأحقاب الطويلة، ولذلك يفترض داروين أن أصل الكائنات العضوية ذات الملايين من الخلايا كائن حقير ذو خلية واحدة.

وحسب قانون (الانتقاء الطبيعي وبقاء الأنسب) نمت الأنواع التي استطاعت التكيف مع البيئة الطبيعية ومصارعة الكوارث المفاجئة، وتدرجت في سلم الرقي في حين هلكت الأنواع التي لم يحالفها الحظ في ذلك.

وعلة ذلك أن الطبيعة -حسب تعبير دارون- وهبت بعض الكائنات عوامل البقاء ومؤهلات حفظ النوع بإضافة أعضاء أو صفات جديدة تستطيع بواسطتها أن تتواءم مع الظروف الطارئة، وقد أدَّى ذلك إلى تحسن نوعي مستمر نتج عنه الإنسان.

ثم تم تصور أنه من خلال العملية التي سماها عملية (التطور) سارت الحياة في سلسلة طويلة من الرقي التدريجي بدأت بالكائن الوحيد الخلية وانتهت بالإنسان على النحو التالي (باختصار كثير من التفصيلات): كائن وحيد الخلية (كالأميبا)- فطريات متعددة الخلايا -نبات- نبات يشبه الحيوان (كالهيدرا)-حيوان يشبه النبات (كالمرجان)- حيوانات لافقارية- حيوانات فقارية دنيا (كالأسماك والطيور)- حيوانات فقارية أرقى (كالثديات الدنيا)- الثدييات العليا- القردة الدنيا- القردة العليا (الغوريلا والأورانج أوتانج (إنسان الغابة) والشمبانزي والجبيون) – الحلقة المفقودة (القرد الشبيه بالإنسان أو الإنسان الشبيه بالقردة العليا- الإنسان.

وقال دارون فيما قال وهو يشرح نظريته: إن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق، وقال كذلك: إن الطبيعة تخبط خبط عشواء .

ذلك بإيجاز شديد هو لب النظرية التي طلع بها داروين في ذلك الكتاب، وهي في جوهرها فرضية بيولوجية أبعد شيء عن أن تكون نظرية فلسفية عامة، كما أنها بعيدة عن أن تكون حقيقة علمية ثابتة، ولقد قال عنها اثنان من أساطين علم الأحياء في القرن الماضي، وهما: أوين([1]) في إنجلترا، وأغاسيز([2]) في أمريكا: ( إن الأفكار الداروينية مجرد خرافة علمية وأنها سوف تنسى بسرعة )([3]).

ولكن مكمن خطورة النظرية لا يكمن في كونها مجرد فرض علمي بيولوجي لكن فيما يترتب على هذا الفرض من نتائج.

فالنظرية التي تقرر حيوانية الإنسان وماديته -بمعنى أن الظروف المادية المحيطة به هي التي أثرت في تطوره وإعطائه صورته، والتي تنفي القصد والغاية من خلقه، وتنفي التكريم الرباني له بإفراده بين الكائنات الأخرى بالعقل والقدرة على الاختيار والقدرة على التمييز فضلًا عن المزايا الأخرى الإنسانية.

إن نظريته كهذه يمكن أن تعطي إيحاءات خطيرة في كل اتجاه.

فحين يكون الإنسان حيوانًا أو امتدادًا لسلسلة التطور الحيواني فأين مكان العقيدة في تركيبه، وأين مكان الأخلاق، وأين مكان التقاليد الفكرية والروحية والأخلاقية والاجتماعية... إلخ؟

وحين يكون حيوانًا، أو امتدادًا لسلسلة التطور الحيواني، فما مقياس الخطأ والصواب في أعماله؟ وكيف يقال عن عمل من أعماله إنه حسن أو قبيح، جائز أو غير جائز.. بعبارة أخرى: كيف يمكن إعطاء قيمة أخلاقية لأعماله؟

وحين يكون حيوانًا أو أمتدادًا لسلسلة التطور الحيواني، فما معنى الضوابط المفروضة على سلوكه؟ وما معنى وجود الضوابط؟

وبصرف النظر عن صحة المعلومات الواردة في نظريته وصحة تفسيراته لها أو عدم صحتها، فقد أنشأت رجة كبيرة في المجتمع الغربي، اهتزت لها الكنيسة من جهة، والدوائر العلمية من جهة أخرى والجماهير من جهة ثالثة.

فأما الكنيسة، فقد كفرت دارون ابتداء، وقالت عنه إنه زنديق مهرطق مارق من الدين، لأنه ينفي الخلق المباشر من الله للإنسان، ولأنه يقرر أن الحياة قد وجدت على الأرض بالصدفة في ظروف معينة (لم تتكرر مرة أخرى)، وقد جاوبها دارون من ناحيته باتهامها بالجهل والتخريف ومحاربة العلم بحقائقه ونظرياته.

لكن على الرغم من ذلك فقد انتشرت النظرية الدارونية انتشارًا واسعًا، وكان هذا الانتشار بسبب بعض الأسباب والعوامل التي ساعدت على تبني الكثير من العلماء والجماهير تلك النظرية:

1- الظروف التاريخية السيئة:

فقد ولدت النظرية في عصر كان فيه الصراع بين العلم والدين على أشده، وكانت الثورة الصناعية قد أخذت تطمس ملامح المجتمع الأوروبي، وتصبغه بصبغة جديدة متحللة من الدين والأخلاق، وكان الإنسان الأوروبي في كل مكان يتحفز للأخذ بثأره من رجال الكنيسة الذين أذاقوه ألوان الذل والاستعباد، فكان ظهور النظرية فتحًا جديدًا بالنسبة له، صحيح أن الجماهير وقفت أول الأمر بجانب الكنيسة ضد داروين، ( ولكن موقف الجماهير بعد ذلك تغير، فلئن كانت قد عز عليها أن يسلبها داروين إنسانيتها ويردها إلى أصل حيواني، فقد أخذت تشمت في الكنيسة ورجالها الذين وجدت أن الفرصة سانحة للتخلص من نيرها المرهق وسلطانها البغيض )([4]).

2- الاستغلال البشع للنظرية من قبل اليهود.

تقول البروتوكولات: لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء، ولاحظوا هنا أن نجاح داروين وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل، والأثر غير الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكر الأممي سيكون واضحًا لنا على التأكيد([5]).

لذا فقد وجد اليهود في النظرية الدارونية فرصة سانحة لتقويض عقائد الأممين، وإزالة ما بقى من أثر للدين في حياة الناس، وينبغي لكي ندرك دور اليهود في إفساد أوروبا دون تهويل في تقدير مقدرتهم الشريرة -كما فعل وليم كار- أن نقول إن عالمًا سابقًا هو لامارك([6]) كان قد قال شيئًا قريبًا مما قاله دارون، ولكن اليهود لم يستطيعوا استغلال نظريته لتقويض عقائد الأمميين كما فعلوا بنظرية دارون، لأن الحدث العظيم الذي رج المجتمع الأوربي كله وهو الثورة الفرنسية لم يكن قد وقع بعد، وكان المجتمع على كل ما كان يحمل من الفساد والظلم ما يزال متماسكًا بالصورة التي لا تدع لليهود فرصة الدخول، فعجزوا يومئذ عن الدخول.

ولكن الرجة التي أحدثتها الثورة الفرنسية التي اشتركوا هم في توجيهها وجهة معينة هي التي قربت الهدف، وأحدثت الثغرات التي يمكن أن ينفذوا منها، فلما قام دارون تلقفوه وأمسكوا به معولًا هائلًا لتحطيم كل القيم في حياة البشرية.

لذا كان من أهم أسباب انتشار الدارونية الحملة الصحفية المكثفة التي أطلقت للتشهير بأعداء النظرية، وتحيُّز الصحف شبه الكامل لداروين على الكنيسة، إذ كانت الصحافة قد وقعت في قبضة المرابين اليهود، بفضل المركز المالي الذي هيأته لهم الثورة الصناعية.

موقف العلماء والجماهير من النظرية

وبالنسبة للعلماء، فالعلماء هم الذين بدأوا باعتناق نظرية دارون ثم تبعتهم الجماهير، التي وقفت في مبدأ الأمر موقفًا حاسمًا مع الكنسية ضد دارون، فقد عز عليها يكون أصلها حيوانيًا، ولكنها رويدًا رويدًا بدأت تغير موقفها وتعتنق أفكار دارون، وتتغاضى عن مسبة الحيوانية التي ألحقها بها في نظريته، بل بدأت تهاجم الكنيسة لموقفها من دارون، وترى في نظريته معولًا هدامًا يهدم ما بقى لها عليهم من سلطان، فكان عندها أن ترضى بأن يكون حيوان الأصل على أن تبقى الكنيسة هي المتحكمة المسيطرة على حياته.

والحقيقة أن النظرية -بصرف النظر عن صحتها أو عدم صحتها من الوجهة العلمية البحتة- لم يكن من الحتم أن تصاغ بالطريقة التي تصادم العقيدة لولا ذلك الصراع القديم الذي قام بين الكنيسة والعلماء، واستمر إلى وقت دارون وما بعده، وجعل (العلماء) يتعمدون تجريح الدين ورجاله انتقامًا مما فعلته الكنيسة من قبل، كما جعل أوروبا تهرب من إله الكنيسة وتضع الطبيعة إلهًا بدلًا منه.

لكن تلك النظرية كانت لها أبعاد مهمة ومحورية في التاريخ الأوروبي الحديث عامة، حيث كانت بمثابة شرارة البدء في التحول إلى اللادينية "العلمانية".

وهذا ما سنتناوله بإذن الله في المقالة القادمة.


([1])روبرت أوين (1771-1858م) مفكر اشتراكي بريطاني وصناعي ثري، أنشأ أولى التعاونيات الاستهلاكية، وعالم أحياء إنجليزي، من أساطين علم الأحياء في القرن التاسع عشر.

([2]).صاحب نظرية (التولد الذاتي) التي اشتهرت في القرن التاسع عشر في أوروبا، وهو عالم أحياء أمريكي من أساطين علم الأحياء.

([3]) سلسلة تراث الإنسانية، (9/125).

([4]) معركة التقاليد، ص(12).

([5]) الخطر اليهودى: 106 (البروتوكول الثانى).

([6])جان باتيست (1744-1829م) من علماء الطبيعة الفرنسيين، ألف دائرة المعارف النباتية وغيره، صاحب نظرية في التطور معروفة باسمه

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 7 أكتوبر 2006
  1. بلير يدعم مطالبة سترو للمسلمات البريطانيات بخلع النقابمفكرة الاسلام: حصل وزير الخارجية البريطاني جاك سترو على دعم على مستوى القمة فيما يتعلق باعتراضه على زي النقاب للنساء المسلمات في بريطانيا. وأشارت صحيفة 'ذس إذ لندن' إلى أن سترو الذي يشغل حاليًا منصب زعيم مجلس العموم البريطاني قد حصل على الع1 د قراءة
  2. مسلمون بنجال يهاجمون بالعصي مقرًا للطائفة الأحمديةمفكرة الاسلام: كثفت حركة 'خاتم الأنبياء' السنية في بنجلاديش جهودها من أجل أن يصادق برلمان البلاد على قرار بإعلان الطائفة 'الأحمدية' التي تزعم أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ليس هو آخر الأنبياء طائفة مرتدة عن دين الإسلام. وذكرت شبكة 'ويستحدث الساعة · 1 د قراءة
  3. 50 جريحا في اشتباكات بين مسلمين وهندوس جنوب الهندمفكرة الاسلام: أصيب نحو 50 شخصاً بجروح في الاشتباكات التي وقعت في مدينة مانجالور بجنوب الهند بين مسلمين وهندوس بشأن ذبح ماشية بينها الأبقار التي يقدسها الهندوس. وحسب 'رويترز' ، قام مئات من أفراد الشرطة بدوريات حراسة في الشوارع لمنع اندلاع أ1 د قراءة
  4. معارضون ومسلمون بريطانيون ينتقدون تصريحات سترو بشأن النقابأثارت تصريحات لوزير الخارجية البريطاني السابق ورئيس مجلس العموم البريطاني جاك سترو - قال فيها: إن النقاب يجعل من توطيد العلاقات بين المجتمعات أكثر صعوبة - ردود فعل قوية بين أحزاب المعارضة والمسلمين في بريطانيا. وتناول المحافظون ومعارضو ستروحدث الساعة · 1 د قراءة
  5. هجوم للمقاومة يسفر عن إصابة أربعة جنود عراقيين بالإسحاقيمفكرة الإسلام [خاص]: شنّت المقاومة العراقية هجومًا مسلحًا على نقطة تفتيش تابعة لقوات الجيش العراقي الموالية للاحتلال جنوب مدينة الإسحاقي. وذكر مراسل 'مفكرة الإسلام' - عن مصدر في الشرطة - أن مسلحين هاجموا ليلة أمس نقطة تفتيش تابعة لقوات الجيحدث الساعة · 1 د قراءة
  6. اجتماع سري بين الحكومة الإسبانية ومنظمة 'إيتا' بأوسلوأفادت معلومات نرويجية أن الحكومة الإسبانية قد عقدت اجتماعًا سريًا مع منظمة 'إيتا' الانفصالية في العاصمة النرويجية أوسلو, وذلك من أجل إيجاد طريقة مناسبة للخروج من الأزمة الراهنة بين الحكومة و'إيتا'. وأشارت المعلومات أن 'خسيس إيجيجرين' رئيس احدث الساعة · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: نقطة التحول إلى اللادينية..... نظرية دارون [17]