مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

الإسلاميون بين "التنظيم" و "المجتمع"

5 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

بقلم: عبد الله النفيسي

التربية الحزبية مقابل التربية الاجتماعية

من الملاحظ أن مناهج التكوين الأيديولوجي والتربوي في معظم "تنظيمات" الحركة الإسلامية لا تعني بالتربية الاجتماعية قدر عنايتها بالتربيةالحزبية. نقصد أن المناهج التربوية في معظم "تنظيمات" الحركة الإسلاميةترتكز على تربية وتنشئة "العنصر الحزبي" المنتمي والمطيع والمنفذ والمواليولاءً مطلقاً لقيادته الحزبيةوالحركية، ولا تهتم في مقابل ذلك بتنشئة ذات “العنصر” على التواصلالاجتماعي والفكري والنفسي والثقافي مع المحيط الحركي الذي يمثله المجتمعالأوسع. لذا نجد أن مخرجات العمليات التربوية الحاصلة في "تنظيمات" الحركةغير متوازنة.

فمن جانب نجد تطوراً إيجابياً في "العنصر" من حيث تكوينه الحزبي وقدرتهعلى التنفيذ والوفاء بالتكاليف الحركية، ومن جهة أخرى يلاحظ عليه زمرة منالتطورات السلبية التي تحتاج بدورها لمعالجة عبر مناهج جديدة.

من أهم تلك التطورات السلبية في "المنتمي الإسلامي" الجديد أنه يتحول إلىحالة من "الانتظار الدائم" للأوامر والتعليمات ويفقد كل قدرة على المبادأةوالمبادرة على أي مستوى من المستويات حتى على مستوى تكوين رأيه في القضاياالتي يشاهد ظواهرها يومياً.

هذه الثغرة في المنهاج التربوي يتضرر منها "التنظيم" الإسلامي كما يتضررمنها الإسلام من حيث هو دعوة ودين وحركة اجتماعية، أما الضرر الذي يظهر "تنظيمياً" فيتلخص ـ مع استمرار تلك السياسة التربوية ـ بتكاثر "المنفذينواللائحيين" وضمور في عدد "المبدعين والخلاقين" ومع الوقت يتحول "التنظيم" إلى آلة صماء كبيرة ضخمة متفرعة ثقيلة ذات أطراف قوية "الكاتربيلر" منالممكن أن يتحكم في توجيهها إنسان متواضع الأهلية والثقافة، إنسان بلامبادأة ولا كاريزما ولا خيال.

ولأن العملية التربوية داخل "التنظيم" تركز على "قيم التنظيم" من طاعةوولاء والتزام وفدائية ونكران للذات، وليس على "قيم المجتمع الأوسع" منحقوق وواجبات وأدوار ومصالح ومطالب، نقول لأن ذلك حاصل ويتحول "التنظيم" إلى غاية في حد ذاته ويصبح التمسك فيه وبه يعاد "المشروع الإسلامي" الذييبشر به بمعنى يتولد شعور خفي لدى "المنتمي الإسلامي" إن الإسلام لن يعودلسابق مجده إلا من خلال "التنظيم". من هنا يتم التركيز على نقطة "التنظيم" ومجاله، ومن هنا يصبح ازدهاره وانتشاره وبروزه "القضية الأوجب" بالتقديمعلى "القضية الاجتماعية العامة".

ومن هنا نجد أن "المنتمي الإسلامي" يتقن موجبات الانتماء التنظيمي وتواءممعها، لكنه من جهة أخرى يتراخى في موجبات انتمائه الاجتماعي الأوسع ويفرطفي "دوره العام" غير المرتبط بالتكاليف التنظيمية برغم أن هذا "الدورالعام" أكثر أهمية من "الدور الخاص" المربوط بهيئات "التنظيم". وينشأ عنهذه الثغرة "التربوية" ثغرة أخرى تتعلق بمنظور "المنتمي الإسلامي" للقضاياالعامة وحتى على درجة تفاعله معها.

فعلى صعيد "المنظور" نلاحظ العمومية والانطباعية وكسلاً في التتبع الثقافيللقضية العامة وشيئاً من الرومانسية الحالمة المنفكة والمعبأة بالخطابالتاريخي والماضويات المكرورة والمبثوثة بين عموم الناس. وأما "درجةالتفاعل" مع القضية العامة فيقررها له "التنظيم": فالأخير هو الذي يقرر "العام" من "الخاص" و"المهم" و"الأهم" وغير ذلك أيضاً.

وينشأ عن هذا "الفصام" في العملية التربوية، شيء مشابه له على صعيدالتعامل مع المحيط الحركي الذي يشكله المجتمع الأوسع. فـ "المنتميالإسلامي" يتعامل مع المجتمع الأوسع بمنطق "التنظيم": مزيج من التوظيفالسياسي للعلاقة وشيء من الاستعلاء الشعوري والنفسي "لقد مارس المرحوم سيدقطب في المعالم تنظيراً لهذه النقطة". لذا نجد المنتمي "الإسلامي" يأخذ منالمحيط ما يفيد "التنظيم" ويدفع عن "التنظيم" ما يتفاعل في المحيط مننزوعات و"شرور".

في إطار هذا "الحدب" على "التنظيم" تصبح كل قضية أخرى "ثانوية". ذلك هوجذر المشكلة في موقف "التنظيم" من العلاقات السياسية المتوازنة مع القوىالاجتماعية والسياسية المتباينة.

طبعاً عندما نتحدث عن "المنهاج التربوي" في تنظيمات الحركة الإسلاميةوننتقده أو نبين أوجه القصور فيه، لا نقصد بمصطلح "المنهاج التربوي" التعاليم الأخلاقية والمناقب الإسلامية التي أحيتها الحركة الإسلامية فيمجتمعنا المعاصر، إطلاقاً لا نقصد ذلك، بل نحن نحيي الدور الريادي الذيقامت به الحركة في هذا المجال. ما نقصده بـ "المنهاج التربوي" هو ما يصب فيالنهاية في مجال "التكوين الأيديولوجي" وتشكيل المنظورات الاجتماعيةوالسياسية للأفراد، أكثر من المناقبيات الفردية والأخلاقيات الخاصة بهم. ومن تفريعات هذا التكوين الأيديولوجي القاصر نلاحظ أنه يفرز لدى "المنتميالإسلامي" العقلية المباشرة، فهو لا يهتم ولا يدرك إلا "المباشر" ولذا نجدهلا يتفاعل مع القضية العامة إلا ما كان له صلة "لصيقة و مباشرة" بفضاءاتالمناشط التي يمارسها "التنظيم".

ومن هنا نلاحظ أيضاً ضعف التمييز ـ لدى التنظيمات الإسلامية ـ في فرزالمباشر من غير المباشر، القصد بين ما يؤثر عليها مباشرة وما قد يؤثر عليهاأكثر ولكن بطريق غير مباشر. وتوظيفاً لهذا الثغرة نشط خصوم الحركةالفعليون في توفير "الإشباع المباشر" لها، والتركيز في محاربتها وتطويقهاعلى الدروب والآليات "غير المباشرة" فـ "الإشباع المباشر" للحركة يتحقق منخلال توفير فرص "التعبير الديني" الصاخب والمكثف في الصحف والإذاعات ومحطاتالتلفاز والمناسبات الدينية والوطنية، وفي الوقت نفسه ويتوازى مع هذا جهودمكثفة "في الظل" للحؤول دون تمكين "منهج الدين" من اتخاذ القرار وتنظيمالمؤسسات والوزارات والهيئات والعلاقات الدولية والعسكرية وغير ذلك منالمناشط المفصلية.

ومن الملاحظ أن قابليات "التنظيمات الإسلامية" للغرق في عمليات الإشباعالمباشر كبيرة للغاية، ولذا بات من السهل استرضاؤها وتوظيفها سياسياً في "حروب الوكالة" وهي ـ في السياسة ـ "حروب وهمية" يخوضها الحزب ضد الحزبالآخر لخدمة "طرف ثالث" يتحكم في تفاصيل الصراع "بالريموت كونترول". جذر كلهذا واحد: التركيز على التربية الحزبية الواحدية "البيوريتانية" (أيالتطهرية) وإهمال التربية الاجتماعية ذات الجهات الأربع التي تعي الكليات "جشتالت" ولا تقف عند حد الفهم الجزئي.

وحل هذا واحد: تصحيح مفاهيم التربية الحزبية في "التنظيم الإسلامي" والتركيز على فنون التربية الاجتماعية التي تستهدف خروج الجنين الإسلامي منالقشرة لا النمو الحلزوني داخل القشرة.

المصدر: الرأي المستنير

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 13 ديسمبر 2011
  1. كيف تقدم عرضًا بشكل فعال؟محمد أحمد العطار (بعد المسافة لا يهم؛ الخطوة الأولى فقط هي الأكثر صعوبة) مدام دو ديفاند ضروري جدًّا قبل أن تبدأ في عملية التقديم والعرض أن تتدرب على ما ستقوله فالتدريب كما يقول علماء السلوك: (يزيد من الثقة بالنفس، يجنبك القلق و الأداء السيءمهارات إدارية · 4 د قراءة
  2. التجمع اليمني للإصلاح: لا نتبنى أجندة إسلامية لحكم البلاد‎ أكد رئيس الدائرة السياسية في التجمع اليمني للإصلاح محمد قحطان أن حزبه الذي تأسس في أعقاب توحيد اليمن في 1990 لا يرفع شعار "الإسلام هو الحل" كما "الإخوان المسلمين" في مصر، وليس له أجندة سياسية إسلامية لأن اليمن "بلد مسلم ومتجانس". وقال قحطالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  3. وزير الدفاع الأمريكي يزور أفغانستان للمرة الثانية منذ يوليووصل وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا إلى كابول يوم الثلاثاء في زيارة لم يعلن عنها مسبقا في الوقت الذي تخفض فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون أعداد قواتهم في أفغانستان . وأثناء زيارته التي تستمر يومين، وهي الثانية منذ تسلمه مهامه في يولالعالم العربي والإسلامي · 3 د قراءة
  4. أوباما والمالكي فشلا في إقرار إبقاء وجود أمريكي بالعراق‎ أكد السناتور الأمريكي جون ماكين أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الحكومة العراقية نوري المالكي قد أخفقا في الاتفاق على صيغة تبقي على وجود عسكري أمريكي في العراق بعد عام 2011. وقال ماكين: "لقد فشلا في المسئولية الملقاة عليهما والمرتبطالأمريكتان · 1 د قراءة
  5. حماس: المرحلة الثانية من صفقة تبادل الأسرى تبدأ اليومأكد عضو المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري أن الكيان الصهيوني سيشرع اليوم الثلاثاء بتجميع الأسرى الفلسطينيين المنوي الإفراج عنهم ضمن المرحلة الثانية من صفقة تبادل الأسرى التي أبرمت بين حماس والكيان في الحادي عشر من أكتوبر الماضي . وأوضالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  6. قوى مصرية تطالب "العسكري" بالتدخل لحماية المسجد الأقصىمفكرة الاسلام: نظمت قوى مصرية يوم الاثنين وقفة احتجاجية أمام دار الحكمة بجوار نقابة الأطباء، بحضور مجموعة كبيرة من الأطباء؛ احتجاجًا على غلق سلطات الاحتلال الصهيوني جسر باب المغاربة المؤدي إلى المسجد الأقصى المبارك في القدس. وشارك في الوقفةالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: الإسلاميون بين "التنظيم" و "المجتمع"