المهمة الحقيقية لحكومة الجنزوري

بقلم: أحمد منصور
في شهر يونيو الماضي التقيت في العاصمة تونس مع رئيس الحكومة المؤقتة الباجي قايد السبسي، وهو أحد رجال الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة البارزين والمخضرمين، عمل معه في عدة وزارات منذ الستينيات من القرن الماضي أهمها وزارة الداخلية وقد اعترف السبسي في لقائي معه بأن كل الانتخابات التي جرت في عهد بورقيبة وابن علي هي انتخابات مزورة، غير أن أهم ما قاله السبسي في مقابلتي معه هو أن المهمة الأساسية لحكومته هي وضع خطة الطريق بل تحديد مسار الحكومة القادمة من بعده لخمس سنوات على الأقل، وهذا يعني أن السبسي والفريق المتعاون معه كان يدرك أن الشعب التونسي قرر التغيير والتغيير يعني المجيء عبر الانتخابات بفريق جديد كانت التلميحات تشير إلى أنه سيكون من الإسلاميين وتحديدًا من حركة النهضة التي شرد رجالها في أنحاء العالم ومن بقي منهم سجن داخل تونس، واستمر هذا الوضع ثلاثة عقود كاملة من عام 1981 وحتى 2011 الجاري، حيث أفرج عن المعتقلين منهم وعاد المطاردون بعد نجاح الثورة التي اندلعت قبل عام من الآن وتحديدًا في السابع عشر من ديسمبر الماضي.
قضى الباجي قايد السبسي عشرة أشهر يضع القيود الاقتصادية والسياسية لمن سيأتي من بعده، وكانت النتيجة هي إغراق البلاد في مزيد من الديون، وتقييدها في مزيد من الاتفاقيات، أما العقبة الكبيرة التي وضعها أمام الحكومة القادمة بعدما حققت حركة النهضة الفوز الكاسح في الانتخابات وكلفت بتشكيل الحكومة هي قرار بزيادة رواتب كل موظفي الدولة ـ حوالي نصف مليون موظف ـ بزيادة تقدر بمليار دينار تونسي في وقت تواجه فيه الموازنة والخزينة حالة صعبة للغاية، الأمر الثاني هو ترقية معظم موظفي الدولة، حتى الضباط المتهمين بقتل الثوار تم ترقيتهم، كما أجرى تغييرات هائلة في السلك الدبلوماسي للدولة بحيث يصعب على من يأتي وزيرًا للخارجية إجراء أي تغيير على اعتبار أن التغييرات التي أجريت هي حديثة و العادة ألا يتم إجراء تغييرات للموظفين إلا كل أربع سنوات، كما أجرى تغييرات هائلة في إدارات الدولة المختلفة ووضع رجال بورقيبة وابن علي في القمة بحيث يصعب على من يأتي أن يدخل في متاهة الصراعات الإدارية في ظل أن الوزراء تقريبًا كلهم لم يسبق لهم العمل داخل دوائر الدولة إما كانوا في السجون أو مطاردين أو من المغضوب عليهم في ظل نظام ابن علي، وقد أكد السبسي على ما قام به حينما قال في كلمة له أمام مؤتمر «تبادل خبرات المرحلة الانتقالية» الذي عقد في العاصمة تونس في 13 ديسمبر الماضي، حيث قال: «إن الحكومة التي سيعلن عن تشكيلها قريبًا ستجد تركة من التحديات في انتظارها» وقد أكد على الجانب الاقتصادي المقيد بقوله: «حكومتنا أعدت برنامجًا اقتصاديًّا يقطع مع أي مرجعية أيديولوجية، ولهذا أعتقد أن المجموعة الوزارية الجديدة ستواصل تنفيذ هذا المخطط الذي أعدته شبكة من الخبراء التونسيين».
هذه المقدمة الطويلة للهدف الرئيس للمقال تؤكد باختصار على المهمة الأساسية والحقيقية لحكومة الجنزوري في مصر، هي نفس المهمة تقريبًا التي قامت بها حكومة السبسي في تونس لرجل من نفس الطراز ولكن في مصر الثورة، فبعدما قام المشير طنطاوي رئيس المجلس العسكري بإقالة حكومة المنطفئين وهي حكومة عصام شرف جاء برجل من زملائه القدامى وأحد رجال مبارك المخضرمين الذين لعبوا دورًا أساسيًّا في بيع ممتلكات الشعب وهو كمال الجنزوري رئيس الوزراء الأسبق، ففي عهده وخلال ثلاث سنوات بيعت من أملاك الشعب 133 شركة من شركات القطاع العام، ووضع الأساس لمشروع من أفشل المشاريع الاقتصادية في مصر ليس من حيث الفكرة ولكن من حيث التطبيق وهو مشروع «توشكى»، لكن لأن ذاكرة الشعوب ضعيفة، وتقييم الناس بالانطباعات وليس بحقائق الأعمال ولأن كل من أقاله مبارك نظر إليه على أنه من معارضيه وأنه من الشرفاء نظيفي اليد دون تمحيص حقيقي في الملفات.
فقد ساد هذا الانطباع العام عن الجنزوري متناسيًا أعماله طوال أكثر من خمسة عشر عامًا عملها مع مبارك ونظروا فقط إلى أن مبارك قد أقاله دون دراسة الأسباب أو التعرف عليها، وما يؤكد على أن الجنزوري جاء حتى يحقق نفس النتائج التي حققها السبسي هو أن الجنزوري يتصرف ويتحدث وكأنه جاء ليبقى إلى الأبد وأنه سيضع السياسات لسنوات قادمة ويتعاقد من أجل الاستثمارات القادمة في الوقت الذي من المفترض أن حكومته التي ستبقى ستة أشهر فقط جاءت لتسيير الأعمال وليس للبقاء للأبد، لكنها باختصار جاءت لتضع طوقًا حديديًّا اقتصاديًّا وسياسيًّا وإداريًّا ودبلوماسيًّا في رقبة أي حكومة قادمة حتى لو أسسها الخلفاء الراشدون وليس الإخوان المسلمون، وتجعلها عاجزة أمام الشعب ومقيدة أمام الخارج فالوضع الاقتصادي في مصر مزرٍ للغاية بل «غير متصور» حسب وصف الجنزوري نفسه.
وقد أكدت التقارير على أن الحكومة المنتخبة القادمة سوف تجد نفسها طوال عامين أمام قروض قصيرة الأجل عالية الفائدة علاوة على الديون طويلة الأجل التي وصلت في حد الدين الداخلي وحده إلى أنه أصبح موازيًا للدخل القومي للبلاد حسب آخر التقارير التي نشرت يوم الأربعاء الماضي، وهذا ما دفع حكومة الجنزوري إلى أن تطرح يوم الاثنين 19 ديسمبر أذونات للخزينة تقدر بخمسة مليارات جنيه بفائدة عالية جدًّا تقدر بـ 14.06% على أذون ثلاثة أشهر و15.14% على أذون تسعة أشهر ومع ذلك لا تجد من يشتريها بسبب عزوف البنوك عن الشراء وكذلك عدم الثقة في الحكومة، وهذا حسب الخبراء اتجاه يزيد من مخاطر الوضع الداخلي، إذن المهمة الأساسية لحكومة الجنزوري واضحة، وعلى الشعب العظيم الذي قام بهذه الثورة العظيمة أن يدرك حجم المخاطر التي تحيق بها وأن يتخلى عن عاطفته وانطباعاته في تقييم الأشخاص وأن يقف عند حد أدوارهم وإنجازاتهم وليس عن الانطباعات التي تروج عنهم، وأن يدرك أن المستقبل لا يصنعه رجال الماضي، إن الشهور الستة القادمة المهمة الأساسية فيها هي تكريس سياسة الطوق الحديدي لأي حكومة قادمة حتى تبقى أسيرة لنظام مبارك وسياساته وسياسات رجاله مهما كانت وعودها للشعب.