مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

رحيل الأمريكان وتفجير العراق

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

كتبه للمفكرة / شريف عبد العزيز

shabdaziz@hotmail.com

ـ وكـأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن مخططات أعداء الأمة مازالت تكرر فصولها ومشاهدها بنفس الأحداث والبدايات والنهايات، وكأن الأمة لا تتعلم من تجاربها ومآسيها، وقد اعتادت اللدغ من أفاعيها، فاستمرأت هذا اللدغ وأحبته، ولا أكون مبالغًا عندما أقول: أدمنته، فمنذ أكثر من ستين سنة فجرت انجلترا القارة الهندية وشطرتها لعدة دول على أساس طائفي وذلك قبيل رحيل جنودها من هناك، واليوم أمريكا تعيد نفس السيناريو، وبنفس الآليات والطرق الإنجليزية، ولكن مع العراق، فها هم الأمريكان يخرجون من العراق، لا تحت وطأة ضربات المقاومة الباسلة كما يظن المتفائلون والحالمون، ولكن لأن المهمة قد انتهت، والعراق قد انفجر.

ـ الأسابيع الأخيرة التي مرت على العراق كانت الأخطر في مصير هذا الوطن الكبير والعزيز من جسد الأمة العربية والإسلامية، ففي أتون الانشغال الإقليمي والدولي بأحداث الربيع العربي الملتهب، ووسط هيمنة أخبار الانتخابات المصرية والثورة السورية على المشهد الإعلامي داخليًّا وخارجيًّا، في هذه الأجواء الملائمة لإنضاج المخططات وتدبير المكائد وحبك المؤامرات، وعلى نار هادئة جرى مخطط تفجير العراق سياسيًّا بعد أن فشل مخطط أمريكا وإيران لتفجيره عسكريًّا.

ــ الأمريكان ومنذ أن أعلنوا عن نيتهم للخروج من العراق في نهاية 2011، وصنيعتهم الإيراني الهوى والهوية نوري المالكي يقوم بلعب آخر أدواره في مؤامرة تفجير العراق وتفكيكه لعدة كنتونات طائفية وعرقية، وذلك عن طريق الاضطهاد والإقصاء السياسي لقادة وزعماء أهل السنة في العراق، فالعراق يعيش على وقع أزمة سياسية هي الأخطر في مرحلة ما بعد صدام بسبب سياسات المالكي المكرسة لخريطة طريق تفكك العراق التي وضعتها أمريكا ليجري تطبيقها بعد خروج الأمريكان.

ـ الأزمة بدأت تدخل طور التنفيذ الفعلي والسريع بعد صدور مذكرة توقيف بحق نائب الرئيس طارق الهاشمي، وبدء ائتلاف العراقية في مقاطعة جلسات البرلمان والحكومة، وقد تزامنت مذكرة التوقيف المفاجئة، التي صدرت على خلفية "قضايا تتعلق بالإرهاب"، مع سعي رئيس الحكومة نوري المالكي إلى إقالة نائبه صالح المطلك من منصبه، بعدما وصف المالكي بـ"الديكتاتور" في حديث مع قناة البابلية العراقية، والهاشمي والمطلك هما شخصيتان سنِّيتان من أبرز قياديي قائمة "العراقية" (82 نائبًا من بين 325، و9 وزراء من بين 31).

ـ في نفس الوقت ومع هذه الخطوات المتسارعة بدأت الأصوات السنية تتعالى يومًا بعد يوم منادية بالفيدرالية والإقليمية في الأقاليم ذات الكثافة السنية وهي في أغلبها في وسط العراق المعروف بالمثلث السني، في انعكاس واضح لشعور أهل السنة بالتهميش والإقصاء المتعمد، وأنهم لن يستطيعوا أن يشاركوا في إدارة العراق في المرحلة المقبلة، ولن يشاركوا في منظومة الحكم أو حتى في أي مناصب تنفيذية، ومن ثم بدأت فكرة الفيدرالية والإقليمية تروج في أوساط السنة، ليكون لهم مجال أوسع في إدارة بعض أجزاء العراق، وواضعو الدستور العراقي الذي كتب في ظل الاحتلال الأمريكي مرروا بعض المواد الدستورية التي تسمح بمثل هذا النوع من الممارسات الانفصالية، فالمادة 119 من الدستور العراقي تنص على أنه "يحق لكل محافظة أو أكثر، تكوين إقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه" ، وتشير المادة 120 إلى أن الإقليم يقوم "بوضع دستور له، يحدد هيكل سلطات الإقليم، وصلاحياته، وآليات ممارسة تلك الصلاحيات، على ألا يتعارض مع هذا الدستور"، أي دستور العراق، أي أن مخطط التقسيم والتفجير بدأ منذ كتابة الدستور العراقي الجديد، على أن تدخل آليات تنفيذ الانفصال في الوقت المناسب وهو في أجواء الربيع العربي وأحداثه الملتهبة.

ـ وكان مجلس محافظة صلاح الدين في وسط العراق، التي تسكنها غالبية سنِّية أعلن في 27أكتوبر المحافظة إقليمًا مستقلاًّ إداريًّا واقتصاديًّا، الأمر الذي رفضته الحكومة المركزية في بغداد، تلتها محافظة الأنبار في غرب العراق وتعتبر أكبر محافظات العراق، وسارت على طريق الفيدرالية إذ تمكنت من جمع تواقيع 16 عضوًا من بين أعضائه الـ29، وذلك لإجراء استفتاء شعبي حول المطالبة بإعلان المحافظة، التي تسكنها غالبية سنِّية كذلك، إقليمًا مستقلاًّ، ومحافظة ديالي شمالي شرق سائرة على الطريق نفسه وهكذا أخذت معالم تكوين دولة سنية في الظهور كحقيقة واقعة على نجاح الخطة الأمريكية الأصلية الذي جاء بها الأمريكان لأرض العراق وهو تمزيقه وتفكيكه على أساس طائفي، ويقول مدير الدراسات العليا في جامعة بغداد الدكتور حميد فاضل معلقًا على تنامي وتيرة الفيدرالية في العراق: "الذين يطالبون بالفيدرالية هم الأقلية (السنَّة)، وذلك بسبب الخوف، الذي يعتري هؤلاء من تحكم الغالبية ـ يقصد الشيعة ـ بمقاليد الحكم، والحكومة، وللأسف أعطت مبررًا لمحافظات في أن تقدم على مشروع قد لا يكون مستندًا إلى إيمان بالفيدرالية، بل إلى رد فعل على تحكم السلطة المركزية بكل الصلاحيات، فالأمر مرتبط بعامل الخوف وتصاعد الحديث عن تحكم واستبداد حكومة المركز".

ـ نوري المالكي هذا الطائفي العاتي في انحيازه وضيق أفقه، يتصور بأن المجال قد أصبح مفتوحًا على مصراعيه لتطبيق الأجندات الفكرية والحزبية الطائفية التي يؤمن بها وأن الساحة العراقية قد صارت مهيأة تمامًا للقوة السياسية التي يتمتع بها الطيف الشيعي المستند في قوته على عمقه الإيراني سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية والثقافية، وهذا التوجه حتمًا سيتعارض مع وجود عراق واحد به حكومة شراكة وطنية تمثل أطياف الشعب العراقي كله، وبه كثير من السنة حتى وإن كانوا مهمشين، فهو يرى أنه حان الوقت كي تكون الحكومة فيها هي حكومة أغلبية شيعية (وهذا ما صرح به الساسة الشيعة اليوم الأربعاء في تحذير للقائمة العراقية التي علقت مشاركتها في الحكومة اعتراضًا على إجراءات المالكي القمعية وديكتاتوريته البغيضة).

واللافت للنظر أن نوري المالكي قد أقدم على خطواته التصعيدية الأخيرة ضد الطرف السني وهم شركاؤه في حكومة الوفاق الوطني كما يسمونها، والممثلة في إصدار أوامر بالقبض على الهاشمي وسحب الثقة من نائبه المطلك، واعتقال المئات من العراقيين السنة بدعوى الانتماء للبعث، بعد رجوعه من رحلته المريبة إلى أمريكا والذي لم يرافقه فيها سوى ساسة ينتمون لنفس الخط السياسي الذي ينتمي إليه، في إشارة واضحة لها دلالات كثيرة لا يمكن استبعادها عن الدور والتوجيه الأمريكي عما يحصل وسيحصل في الوضع العراقي.

فأمريكا تستغل الرغبة الجامحة لدى شيعة العراق وإيران في السيطرة والهيمنة على مقدرات العراق، لتحقيق أهدافها الإستراتيجية تجاه المنطقة، فهي بخروجها من العراق قد أفسحت المجال للإيرانيين بالدخول بكل قوة وعلى كل المستويات للسيطرة على هذه المنطقة الخطيرة من العالم الإسلامي فتعوض بذلك فشلها في البحرين وتبني حلفًا جديدًا بعدما أوشك حلفها مع سوريا على الانهيار، وتتمكن من موقعها الاستراتيجي الجديد من تهديد منطقة الخليج بأسرها، لذلك لم يكن لها أن تترك المجال لإيران لتهنأ بهذه الغنيمة وحدها، بل يجب توريطها في مستنقع جديد، فدفعت بمخطط التقسيم لحيز التنفيذ، لتنشغل إيران وحلفاؤها من رافضة العراق بالمواجهة السياسية والميدانية مع الأقاليم السنية، ولتشتعل المواجهات الدموية بين الأقاليم السنية والشيعية، وهو أكبر نجاح للأمريكيين؛ إذ سيبقي هذا المخطط الشيطاني مقاتلي القاعدة في العراق لمنازلة الإيرانيين، وبالتالي سيقف تدفق القاعدة إلى سوريا كما كان متوقعًا، وهو ما سيمنع من دخول البعد الأيدلوجي في الثورة السورية، وهو ما تخشاه أمريكا و"إسرائيل" بشدة في هذه الأيام، وعمومًا الأيام القادمة ستشهد تصعيدات كبرى ربما تطال ما هو أبعد من العراق، ربنا يستر.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 21 ديسمبر 2011
  1. إدانة البرادعي بالوثائقبقلم: عامر عبد المنعم تقارير البرادعي ضد مصر والعراق تكشف دوره في خدمة أمريكا زجَّ باسم مصر ضمن ما تسميه أمريكا "محور الشر" في تقرير عام 2008 تقريره الأخير لمجلس الأمن عن العراق وفَّر الغطاء لجورج بوش للغزو. الوثائق تثبت أن الدكتور محمد البمختارات وحوارات · 11 د قراءة
  2. جولة في صحافة الأربعاء 21 ديسمبرنقرا في جولة اليوم الصحافية في العناوين التالية: العراق وامتحان الرشد ـ "لا غزو بعد اليوم" ـ الأزمة السورية وحسـن النوايا ـ مصر التي نعرفها ـ ورقة أوروبية - أمريكية ترصد مستقبل الثورة المصرية ـ سيلفا كير في اسرائيل . العراق وامتحان الرشد فيالعالم العربي والإسلامي · 12 د قراءة
  3. المهمة الحقيقية لحكومة الجنزوريبقلم: أحمد منصور في شهر يونيو الماضي التقيت في العاصمة تونس مع رئيس الحكومة المؤقتة الباجي قايد السبسي، وهو أحد رجال الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة البارزين والمخضرمين، عمل معه في عدة وزارات منذ الستينيات من القرن الماضي أهمها وزارة الداخلية مختارات وحوارات · 5 د قراءة
  4. مرشد الإخوان يهاجم "نجيب ساويرس" ويكشف طائفيتههاجم الدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين رجل الأعمال القبطي "نجيب ساويرس" متهما اياه بنشر الافتراءات عن جماعة الإخوان المسلمين. وقال بديع فى رسالته الإعلامية اليوم الأربعاء: "لا يخفى توجه ساويرس الطائفي إذ دعا بعد الثورة العالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  5. حاخام يهودي: اللعنة أصابت شارون بسبب انسحابه من غزة!بدأت جماعات يهودية متشددة من اليمين "الإسرائيلى" حملة شديدة ضد رئيس الوزراء الأسبق السفاح أرئيل شارون، قبل يوم من ذكرى إصابته بجلطة دماغية ألمت به منذ ست سنوات ومازال يرقد على إثرها فى غيبوبته. وقالت إذاعة الجيش الإسرائيلى "كول تساهال" إنه العالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  6. وفاة العلامّة ولي الله الدهلويهو الشيخ الإمام الهمام، علامة بلاد الهند قاطبة، ومحيي السنة في زمانه، شيخ الإسلام قطب الدين أحمد ولي الله بن عبد الرحيم بن وجيه الدين العمري الدهلوي، ولد سنة 1114هـ في أيام سلطان الزمان «عالم كير» في دلهي عاصمة الهند الشمالية، وكان أبوه من حدث في مثل هذا اليوم · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: رحيل الأمريكان وتفجير العراق