مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

سوريا.. أخطر من حرب أهلية

4 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

بقلم: عبد الباري عطوان

الجميعيفتي ويدلي بدلوه في سوريا، وكل طرف يفسر الصراع وفقًا لمنظوره الخاص،ويصدر تنبؤاته وفتاواه حسب تمنياته، ولا نقول مصالحه فقط، والشعب السوري هو الخاسر الأكبر وسط هذه المعمعة، حيث تتواصل أعمال القتل والخطففي معظم أنحاء البلاد ويسقط القتلى بالعشرات.

إيرفيه لادسو رئيس عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة أفتى بأن ما يجري حاليًا في سوريا من صداماتبين القوات الحكومية والجيش السوري الحر هو حرب أهلية، وقال: إن الحكومةالسورية فقدت مساحات واسعة من أراضيها لصالح المعارضة وتحاول استعادتها.

ومنالمفارقة - وما أكثر المفارقات على الساحة السورية هذه الأيام - التقاءالحكومة والمعارضة على رفض هذه الفتوى حيث رفضها الطرفان، وأكدا أن ما يجري في البلاد ليس حربًا أهلية، فإذا كانت الأمم المتحدة على خطأ فما هو الصحيح إذن؟

وزارة الخارجية السورية على لسان متحدث باسمها قالت: إن وصفالمسؤول الأممي "لا ينسجم مع الواقع ويتناقض مع توجهات الشعب السوري؛ لأن ما يجري هو حرب ضد مجموعات مسلحة اختارت الإرهاب طريقًا للوصول إلى أهدافها، وإن من واجب السلطات التصدي لها وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها".

الهيئةالعامة للثورة السورية رفضت بدورها فتوى الأمم المتحدة، وقالت في بيان أصدرته أمس: "إن ما قاله مسؤول عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة لا يعبرعن صورة الأحداث الجارية، ولا يعبر عن الشعب السوري وثورته السلمية"، وانتقدت الهيئة التصريح الأممي، معتبرة أنه "مساواة بين الضحية والجلاد،وتجاهل لمجازر النظام الأسدي وطمس لمطالب الشعب السوري المشروعة بالحريةوالكرامة".

أنا شخصيًّا أختلف مع الحكومة والمعارضة والأممالمتحدة معًا، وأرى أن وصف الصراع بأنه حرب أهلية هو وصف قديم انتهى عمره الافتراضي منذ أشهر، وأن ما يجري في سوريا ليس تطهيرًا طائفيًّا فقط، وإنماحرب إقليمية بالوكالة بين معسكرين:

الأول: المعسكر الروسي ويضم إيرانوسوريا و"حزب الله" وبعض الميليشيات الشيعية العراقية، ويحظى بدعم مباشر منالصين، وغير مباشر من الهند والبرازيل.

الثاني: المعسكر الأمريكي ويضمدول أوروبا الغربية وتركيا، إلى جانب المملكة العربية السعودية ودولالخليج، إلى جانب دعم غير مباشر من الأردن.

جامعة الدول العربية وبدعممن دول عربية خليجية، وبعض أطراف المعارضة السورية كانت تضغط دائمًا باتجاهتدويل الأزمة السورية، وتدخل عسكري مباشر لإنهائها، على غرار ما حدث فيليبيا، ويبدو أن هذه الضغوط بدأت تعطي ثمارها هذه الأيام، فقد باتت سوريا محور صراع حقيقي للدول الكبرى، وخرجت الأمور من دائرة سيطرة كلٍّ منالمعارضة والحكومة، بل والجامعة العربية أيضًا.

بالأمس اتهمت السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية روسيا بتزويد النظام السوريبطائرات عمودية هجومية، ستستخدم في قمع الشعب السوري، فردَّ عليها نظيرهاالروسي سيرجي لافروف من طهران قائلاً: إن صفقات الأسلحة هذه تتم في إطارالقوانين الدولية، وردَّ الصاع صاعين باتهام الولايات المتحدة بتسليح دول فيالمنطقة.

صحيفة "الإندبندنت" البريطانية المستقلة نشرت أمس تقريرًا مطولاً أكدت فيه قيام المملكة العربية السعودية ودولة قطر بإرسال شحنات أسلحة ثقيلة للجيش السوري الحر، تتضمن صواريخ مضادة للدروع ومدافع رشاشة وذخائر عبر الأراضي والمنافذ الحدودية التركية، وعلى ظهر شاحنات عسكريةرسمية وبتنسيق مع حكومة السيد رجب طيب أردوغان.

في ظل هذه الحرب الباردةالتي بدأت تدخل مرحلة السخونة تدريجيًّا، بات في حكم المؤكد "نفوق" مبادرةكوفي عنان المبعوث الدولي، التي تتحدث نقاطها الست عن وقف فوري لإطلاقالنار وسحب الآليات من المدن، والانخراط في حوار بين النظام والمعارضة، للتوصل إلى مخرج سلمي للأزمة. فالمبادرة لم توقف أعمال القتل التي يرتكبهاالنظام، بل أدت إلى حدوث مجزرتين هزتا ضمير العالم، الأولى في الحولة، والثانية في القبير، وكان معظم ضحاياهما من الأطفال، ذُبحوا بطريقة وحشيةهمجية على أيدي ميليشيات تابعة للنظام.

ويمكن القول أيضًا: إن الحل اليمني لم يعد ممكنًا في سوريا؛ لأن النظام فيما يبدو بات مصممًا، وبعد التصعيد الأخير للهجمات من جانبه على المضي في حلوله الأمنية الدموية حتى آخر الشوط، وأيًّا كانت النتائج.

الحوار بين المعارضة والنظام تجاوزته الأحداث، ولم يعد مفيدًا بعد أن أفلتت الأمور منالجانبين تقريبًا. الحوار المثمر والفاعل بات عمليًّا بين القوى العظمىوالإقليمية المتورطة في الحرب الحالية، وبالأحرى بين الولايات المتحدة زعيمة تكتل أصدقاء سوريا من ناحية، والاتحاد الروسي الداعم الأساسي للنظامالسوري من ناحية أخرى.

الجامعة العربية باتت خارج المعادلة كليًّا، ولم يعد في مقدرتها تنفيذ أي قرار يتخذه وزراء خارجيتها، بما في ذلك منع الفضائيات السورية من البث عبر أقمارها الصناعية. أما المعارضة السوريةالخارجية التي اعتقدت أنها باتت على بُعد بضعة أمتار من كرسي الحكم قبلبضعة أشهر فإنها فقدت الكثير من وهجها لمصلحة المقاتلين على الأرض، في صمودنادر ومثير للإعجاب.

وليم هيغ وزير الخارجية البريطاني كان مصيبًا مرتين؛ الأولى عندما قال بالأمس: إن سوريا باتت على شفا الانهيار، والثانيةعندما طار فجر اليوم إلى موسكو لإجراء محادثات مع نظيره الروسي لافروفصاحب الكلمة الأقوى في الملف السوري.

"إسرائيل" تراقب الصراع في سوريا عنقرب، وباتت قيادتها تشعر بالقلق، ليس فقط من مخزون الأسلحة الكيماوية السوري الأضخم في المنطقة، والذي من المحتمل أن يقع في يد جماعات إسلامية متشددة، وإنما أيضًا من وصول هذه الجماعات إلى عمقها عبر الحدود السورية إذا ماتحولت سوريا إلى دولة فاشلة، على غرار العراق وليبيا وقبلهما أفغانستان.

أيًّاكانت النتيجة التي ستنتهي إليها الأوضاع في سوريا، فإن "إسرائيل" ستكونالخاسر الأكبر، وكذلك الدول التي لم يصل إليها الربيع العربي بعد.

المصدر: القدس العربي

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 14 يونيو 2012
  1. تسلل المتدينين للأحزاب العلمانية في "إسرائيل"بقلم: صالح النعامي تكاد "إسرائيل" تكون الدولة الوحيدة في العالم التي يبادر المتدينون فيها لاختراق الأحزاب العلمانية في مسعى واضح لزيادة النفوذ وإحكام القبضة على مفاصل الكيان الصهيوني. وقد باتت هذه الظاهرة الطارئة تجذب الانتباه في الأعوام المختارات وحوارات · 8 د قراءة
  2. عن الحب نتحدثأم عبد الرحمن محمد يوسف أيها الأزواج، الحياة الزوجية ليست حلبة صراع بين الأزواج، من يفوز ومن يخسر؟! ولكن الزواج ميدان للبناء، ومشاعر الأزواج مشاعر بناء، ولذلك سُمي الزواج في الإسلام "بناء"، فيه يدخل الإنسان في بناء نفسه وبناء أسرته؛ ولذلك تالبيت السعيد · 6 د قراءة
  3. استقلال الأطفالعمر السبع (بينت بعض الدراسات أن أنماط السلوك المبكرة في الاعتمادية أو الاستقلالية ترتبط بأنماط السلوك عند الكبار في مرحلة الرشد، حيث وجدت علاقة صغيرة في السنوات الثلاث الأولى من سلوك الاعتمادية في تلك المرحلة ومرحلة الرشد. أما في سنوات ما قأطفالنا · 7 د قراءة
  4. قبيل البت في العزل.. أمريكا تحذِّر رعاياها بمصر من أعمال عنفمع قرب البت في قانون العزل السياسي ومستقبل البرلمان واختيار رئيس جديد للبلاد بعد الثورة في مصر, حذرت الولايات المتحدة رعاياها من أعمال عنف قد تشهدها البلاد. وأصدرت السفارة الأميركية بالقاهرة رسالة أمنية تطالب رعاياها في مصر بتوخي الحذر من عالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  5. رئيس حزب مصري: المحكمة الدستورية ستقرر حل مجلس الشعبمفكرة الاسلام: أكد رئيس أحد الأحزاب المصرية أنه علم من مصادر قضائية وقانونية أن المحكمة الدستورية ستقرر الخميس حل مجلس الشعب، فيما ذكرت مصادر أخرى أن المحكمة ستعيد القضية للإدارية العليا. وكشف الدكتور السيد البدوي رئيس حزب "الوفد" أن مصدر قالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  6. المهاجم الدولي "كانوتيه" يطالب "إسرائيل" بإطلاق سراح "السرسك"مفكرة الاسلام: طالب المهاجم الدولي المالي "فريدريك عمر كانوتيه" - المحترف بنادي إشبيلية الإسباني - سلطات الاحتلال الصهيونية بإطلاق سراح اللاعب الدولي الفلسطيني "محمود السرسك" المُضرب عن الطعام منذ 90 يومًا، احتجاجًا على اعتقاله منذ ثلاث سنوالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: سوريا.. أخطر من حرب أهلية