مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

صناعة عدم الدستورية والشبهات القانونية

5 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

بقلم: د. سيف الدين عبد الفتاح

أثارتالأحكام التي أصدرتها المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانوني العزل وقانون انتخابات البرلمان‏ - وفي يوم واحد وقبل الانتخابات الرئاسية في جولةالإعادة بأقل من يومين - أصدرت حكمها بعدم دستورية القانونين وما ترتب علىذلك من ردود أفعال‏،‏ مما حدا بالبعض أن يتحدث‏.‏

ومن حيث التوقيت عن انقلاب بغطاء دستوري، جعل العسكري حاكمًا بأمره من دونمنغصات من برلمان أو مؤسسات أخرى، مرة أخرى استرد العسكري إصدار فرمانات تارة باسم الإعلانات الدستورية المكملة وتارة أخرى باسم مراسيم قانونية معيبة مثل قانون انتخابات مجلس الشعب والشورى، والتي أشارت المحكمة الدستورية إلى أن هذا القانون وبعض مواده باطل في تأسيسه. وحل هذه المؤسسةيترتب عليه وضع قانوني ودستوري يتعلق بالرئيس القادم. إننا أمام موضوع غايةفي الأهمية ألا وهو صناعة عدم الدستورية، أقصد بذلك أن وضع المرسومبالقانون معيبًا كان أمرًا مقصودًا في سياق وضع هذه المؤسسة التشريعية تحتالحصار وتحت التهديد، تهديدًا بالحل القانوني والدستوري، وهو أمر يتحمل وزره مؤسسة برلمانية وليس من صنع الخطأ.

إنني أطالب بتقديم المسئول عن صناعة وصياغة هذا القانون المعيب لأسباب أربع تؤكد سوء النية المستبطن، وروح المؤامرة كقرينة على موقف من مؤسسةتشريعية المفروض أنها تمثل الثورة، أو هي أولى المؤسسات التي اصطنعتهاالثورة على أعينها في ظل انتخابات برلمانية افتخر بها العسكري، ولكنه كقربان لسلطانه الذي يرى أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ما هي الأسباب إذن التي نستند إليها بالمسئولية القانونية والسياسية بجهةالإصدار التي تعمدت إصدار القانون معيبًا معرضًا لشبهة عدم الدستورية، وتستخدم الجهة القضائية أداة سياسية لتصفية الحسابات:

السبب الأول يرتبط بسبق المحكمة الدستورية بإصدار حكمها بعدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشعب، ولنفس الأسباب، كانت المحكمة الدستورية العليا أبطلت انتخابات عامي 1987 و1990 مما تسبب في حل المجلسين وتعديل النظام الانتخابي إلى النظام الفردي على جميع المقاعد وتحقيق الإشراف القضائيالكامل على الانتخابات. ورغم ذلك صدر القانون محملاً بنفس العيب المفضي إلى عدم الدستورية عن عمد، والعمدية تتأتى بالعلم السابق بهذا الحكم السابق ممايؤدي إلى انطباقه على اللاحق وتمريره رغم العلم وهو ما يعد قرينة على سوءالقصد والنية والعمدية.

السبب الثاني يرتبط بالمسئولية مع العمد الظاهر بتعمد إهدار المال العامبتمويل انتخابات مجلسي الشعب والشورى تقام على قاعدة من قانون في تأسيسهمقضي ببطلانه، وما يترتب على ذلك من حل البرلمان، أليس ذلك عملاً من التعمدالظاهر في إهدار المال العام المتعلق بالدولة.

السبب الثالث يتعلق بوضع القانون المعيب عن عمد لاعتبارات استفادة المجلس العسكري وحده من هذا القانون المعيب إذ إن حكمًا بعدم دستوريته صار سيفًامسلطًا وحصارًا مفروضًا وتهديدًا قائمًا لمؤسسة برلمانية أتت واستندت إلى انتخابات شعبية، وهذا يتضح من اجتهادات بعض القانونيين حول أن التشريعوسلطاته ستعود إلي المجلس العسكري طبقًا للإعلان الدستوري بعد حل مجلسالشعب، بل وامتداد فترة حكمه الانتقالية والتي لا ندري إلى متي؟

ويواصل القانونيون بعضًا من اجتهادهم العشوائي إذ يوضح البعض أن حكم الدستورية بحل مجلس الشعب لا ينطبق على الشوري، يتولون طبقًا للقاعدة القانونية وهي نسبية الأحكام، لذا حكم الدستورية لا يمتد للغير، رغم استناد تلك المؤسسة لذات القانون المعيب، أليس ذلك دليلاً على التعمد في الانتقامالمؤسسي من مجلس الشعب دون غيره ومن الإبقاء على مؤسسة قلنا: إنه لا لزوملها توفيرًا للنفقات؟

السبب الرابع إنما يتعلق بالجمع المشبوه بين الحكمين والتوقيت القاتل لأداء الحكمين، وهي أمور واضحة للعيان في الجمع بين القانونين إيحاء بأنالمحكمة ربما ربطت بين الأمرين لإحداث قدر من المواءمات السياسية المقدرةللمناخ الثوري والحالة المجتمعية، وهي إذا أوحت بذلك هذه المرة تمريرًا وإشاعة لجو مسبق من التوقعات يضرب أخماسًا في أسداس، ثم خرجت علينا المحكمةبلا مواربة وبلا مواءمة لتحكم ببطلان القانونين على نحو يشير إلى التحديلحركة المجتمع الثورية، لتعطي غطاءً دستوريًّا لانقلاب عسكري، يترافق مع قرار الضبطية لتشكيلات عسكرية لضبط مدنيين يصدر من وزارة العدل ليتحقق المثلث بفراغ مؤسسي يؤول في النهاية إلى حجر العسكر ويتدحرج إليه وتثبيت مرشحالثورة المضادة الممثل للدولة العميقة، وإعلان ما يشبه الأحكام العرفية، إنها صناعة قانونية لاستبداد العسكري بالوطن ومؤسساته. فماذا عن قانونالعزل والحكم بعدم دستوريته؟

مرة أخرى، فإنني لن أتدخل في النقاش حول الأسباب الداعية لحكم الدستورية، ولكنني أشير إلى الإهمال المتعمد من المحكمة الدستورية ولجنة الانتخابات الرئاسية لمسألتين تبدوان في الإجراء ولكنهما أثرا على تطبيق القانون.

الأمر الأول: أن إحالة قانون العزل تم من غير الطريق المعتاد والمتعارفعليه قانونًا، في إحالة الدعاوى للمحكمة الدستورية العليا. فتم من لجنةالانتخابات الرئاسية وهي لجنة إدارية بحكم مهمتها حتى ولو تكونت من قضاة. وامتشقت المحكمة حسامها بالمادة28 من الإعلان الدستوري، وهي من جملةالاستنادات التي لا يستند إليها إلا من خلال تخريجات قانونية أقرب ما تكون- ليست لإعمال القانون وإنفاذه - ولكن للتغطية على موقف وإمضائه.

الأمر الثاني: يتعلق بقيام لجنة الانتخابات الرئاسية برئيسها الدستوري بتطبيق أحكام قانون العزل، خاصة أن المشير قد صدق عليه مستوفيًا كل أركان صدور القانون وصدر في جريدة الوقائع الرسمية، ومن ثم وجب إعماله،فكان بذلك صحيحًا، إلا أنها عادت ونسخته بقبول طعن المرشح مظنونًا به أو مشكوكًا بأمره، وحيث إنه لا يدفع اليقين بالشك كقاعدة كلية، فترتب له وضعًا قانونيًّا نرى فيه مصلحة وشبهة قائمة من جانب رئيس المحكمة الدستورية لتبرير مظنونللمحكمة، وكأن القانون صار محكومًا عليه لا محكومًا به.

الأمر الثالث: الذي يعضد معاني الشبهة والمصلحة في الحكم وفقًا لقواعد التجرد العادل أن لجنة الانتخابات الرئاسية ارتكبت جنحة مباشرة بتعطيلها عمدًا تطبيق القانون المتعلق بمباشرة الحقوق السياسية مما يقتضي عزل المرشحبمقتضى قانون ويكون عدم عزله ليس إلا تحديًا لتطبيق القانون وإعماله رغم نشره في جريدة الوقائع المصرية فصار واجب النفاذ بلا معقب، حتي ولو كانمطعونًا عليه لعيب فيه أمام المحكمة الدستورية، وهو مايوقع اللجنة تحت تهمةتستوجب العزل من الوظيفة العامة. ويحدد القانون وجوب التطبيق هذا الشق المتبقي منه فإن حكمت المحكمة الدستورية بعد عزله وإقامة الانتخابات الرئاسية وجب جبر الضرر بالتعويض. ومن هنا قلنا بشبهات بعضها فوق بعض شبهةالإجراء، وشبهة التطبيق، وشبهة التوقيت.

كتبنا كل ذلك لا تعليقًا على الحكمين ولكن لنكشف عشوائية الإدارة القانونية لقضايا تمس ثورة مصر في الصميم، إنها صناعة عدم الدستورية بغطاء قانوني لايصمد، فإن كان ذلك هو القانون، فماذا يكون الهوى؟

المصدر: الأهرام

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 17 يونيو 2012
  1. تحرير بيت المقدس27 رجب 583هـ مفكرة الإسلام : الحديث عن ملحمة تحرير بيت المقدس يحتاج منا الرجوع بالذاكرة إلى ما قبل تاريخ هذا الحدث العظيم بستين سنة تقريبًا، وهو تاريخ ظهور البطل المجاهد «عماد الدين زنكي» والذي تولى إمارة الموصل سنة 522 هـ، ووضع خطة بعيدة احدث في مثل هذا اليوم · 4 د قراءة
  2. صحيفة أمريكية: خسائر هجوم "ساليرنو" بأفغانستان فادحةكشفت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية اليوم الأحد أن حجم خسائر الهجوم الذي استهدف "قاعدة ساليرنو" العسكرية الأمريكية الواقعة شمال مدينة "خوست" الأفغانية والتي تبعد حوالي 12 ميلاً من حدود باكستان في مطلع الشهر الجاري يعتبر أسوأ بكثير مما قيل فيآسيا واستراليا · 2 د قراءة
  3. ليبيا: إعلان "الزنتان" منطقة عسكرية واستمرار الاشتباكات فيهامفكرة الاسلام: أعلنت الحكومة الليبية منطقة الزنتان والمزداح والشقيقة مناطق عسكرية مغلقة مع استمرار الاشتباكات بين مسلحين فيها. وخولت الحكومة قوى الأمن استخدام القوة ضد أي انتهاكات للقرار، وناشدت الحكومة المؤقتة جميع الأطراف التوقف عن سفك الالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  4. فتح تتبرأ من جناحها العسكري في قطاع غزة (شهداء الأقصى)مفكرة الاسلام: تبرأت حركة فتح، اليوم السبت، من أي مجموعات مسلحة في قطاع غزة، مشيرةً إلى أنها "حلت" جناحها العسكري (كتائب شهداء الأقصى) منذ سنوات، وهو ما رفضه جناح بالمجموعة معروف باسم "جيش العاصفة" مؤكد أنه "لا توجد قوة في العالم تستطيع انتالعالم العربي والإسلامي · 3 د قراءة
  5. "عز" يطمئن من سجنه على سير الانتخابات عبر قيادات حملة شفيقمفكرة الاسلام: كشف أحمد عبده - أمين الإعلام لحزب الحرية والعدالة بوسط وجنوب القاهرة - عن متابعة أحمد عز - أمين التنظيم بالحزب الوطني المنحل والذي يقضي العقوبة في عدد من الجرائم حاليًا - لسير الانتخابات الرئاسية. وأكد أنه فوجئ أثناء وجوده أمانتخابات الرئاسة المصرية · 2 د قراءة
  6. حملة مرسي تحمِّل لجنة الانتخابات مسئولية تسويد البطاقاتمفكرة الاسلام: طالبت الحملة المركزية للدكتور محمد مرسي مرشح الانتخابات الرئاسية في مصر عن حزب الحرية والعدالة بسرعة التحقيق في وقائع تسويد البطاقات الانتخابية لصالح مرشحهم، ومعرفة الجناة وإعلان أسمائهم وتحويلهم إلى النيابات المختصة على وجه حدث الساعة · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: صناعة عدم الدستورية والشبهات القانونية