مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

التلهي بالقانون: عشوائية قانونية متعمدة

8 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

بقلم: سيف الدين عبد الفتاح

أتى القرار الجمهوري والمواقف المتعددة منه كحالة كاشفة وفارقة، وأوضح كيف تسير العملية ضمن خطاب انتقائي يعبر عن حال"التلهي بالقانون"، يستدعي فيه الغطاء القانوني عند الطلب ويهمل من كل طريقحسب الطلب لنتحدث عن حديث الضرورات وحديث المواءمات والملاءمات، وبين الأغطية الزائفة ومصلحة الوطن تتمكن الدولة العميقة ومصالحها الذاتية والأنانية لتتصدر المشهد، وتعم البلوى، وينقسم المجتمع في صناعة مقيتة أصبحيحترفها هؤلاء في صناعة الفرقة والفوضى وعدم اليقين، مشاهد كلما ظننا أنهالفظت أنفاسها الأخيرة بعد انتخاب رئيس مدني، فإذا بنا نجد أن الأمر يعود إلى ما قبل المربع الأول، ما بين رئيس منتخب مدني يتحرك صوب معركة صلاحيات طويلة، ودولة عميقة على رأسها المجلس العسكري يستخدم كل أدواته في حملةتأديبية للرئيس الذي يسعى لانتزاع صلاحياته الشرعية والمستندة إلى أعرافدستورية، إلا أنهم في المقابل يستندون إلى شرعية التغلب والأمر الواقع، يستخدمون من الوسائل والأدوات يحركونها كعرائس ضمن مشهد التدافع بين سلطان صاعد لرئيس مدني منتخب وسلطان متغلب قابع يتربع على عرش الدولة العميقة، وتبدو الأمور لا تخلو من أدوات العسكري من "لسان إعلامي" ومن "خطاب قانوني" أو إن شئت الدقة «غطاء قانوني» فاسد كفساد (حجتهم) مفسد كإفساد نظام بائدانتموا إليه وعملوا معه بمبدأ «عبيد السلطة» من ترزية القوانين وفئةالمحللين نسبة إلى محللي الظلم والبغي والطغيان، ومحللي جوهر الدولةومكوناتها مبقين على حالة هلامية لا تتمتع بأي نواة صلبة، أصحاب التحليلهؤلاء من تيوس مستعارة، ومن سوس ينخر في كيان الدولة والمجتمع، إنهم ومن كل طريق يخونون الدولة والمجتمع، ويحركون كل طاقتهم لخدمة وحماية نظام بائدويوجهون كل رسائلهم وخطابهم إلى نظام قميء قامت عليه ثورة يعملون بمنطق أنهعاد.

إن كان هؤلاء من القوارض الاجتماعية والقانونية ومن خارقي سفينة الوطن مؤكدين أنهم في موضعهم ونصيبهم (المجال القانوني) يحكمون ويتحكمون متصورين أنهم الحاكم بأمره.. «ولم نؤذ وطننا ومجتمعنا»، وهم في الحقيقة يهدمون الوطن والمجتمع من أجل سلطة فانية، وعبودية تعودوها دائمة، لا يستطيعون فيها مغادرة علاقة السيد بالعبد، السيد «العسكري» بالعبد «المتلبس بمسوحالقانون» في معادلة يلبسون فيها معادلة القوة ثوب الحق زورًا وبهتانًا الذين "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض، قالوا إنما نحن مصلحون" إنها لعبةالإصلاح الضال التي يجيدون، والغطاء الزائف من الخطاب وفائض الكلام الذي بهيلهجون. مارسوه من قبل مع الرئيس السابق «مبارك» المخلوع لا بارك اللهفيه، ويمارسون الآن مع توابعه ومصالحهم الأنانية المفرطة لا بارك الله لهم،إنهم ترزية القوانين وترزية الكلام، توزع عليهم السلطة الكلام ليقوم كلمنهم بدوره، فهذا ينادي من بعيد على عسكرهم.

قوموا بانقلاب!!، ستتركوننا لهم!!، حاصروا الرئيس!!، اجعلوا القصر الجمهوري محبسه!!، إنه تجرأ وطالب ببعض من سلطاته، ويريد بعض سلطانه تجرأعلى مقامكم السامي المحفوظ، ألا يعرف من أنتم؟!

أنتم السلطة التأسيسية، إنها نكتة هذا العصر، نكتة المرحلة الانتقاليةالذي حولها العسكري إلى انتقامية، السلطة التأسيسية، التي درسها لناأستاذنا المرحوم د.حامد ربيع وأكد أنها سلطة الدستور، أما هؤلاء الترزيةفيقولون: إذا اختفى الدستور، كان العسكر هم الدستور، وذهبنا نبحث في طياتكتب السياسة بمدارسها نبحث عن العسكر كسلطة تأسيسية فلم نجد ذلك إلا في كتب التغلب المقيتة، وكتب صناعة الاستبداد وشبكاته العتيقة، ودهاقنة القانون الكاذب والزائف، الذين يتحدثون عن سيادة القانون، وهم ينتهكونه، والمساواةأمام القانون وهم ينفونها في انتقائية عجيبة، ودولة القانون التي تستند إلىقوة العسكر في انقلاب مغطى ناعم يريدون فيه أن يحكموا ويتحكموا من وراءستار، وخرج علينا قانونيون من المجلس الاستشاري السابق «المحلل» يتحدثون عن العسكري كسلطة تأسيس للسلطات، هو سلطة أعلى، يذكرني ذلك بالمؤتمرات الصادرةعنهم وقد كتبت يافطة عريضة عليها كلمة "المجلس الأعلى".

إنها السلطة التي إن لم تكن هناك سلطة تشريعية ذهبت له، وإن لم تكن هناك سلطة تنفيذية اقتنصها وتدحرجت إليه، وسلطة القضاء والقوات المسلحة تحت إشرافه فإذا قلنا ما هذه السلطة العجيبة، قالوا: هي السلطة التأسيسية؟!!

وحوصرت كل السلطات به، إنها السلطة فوق الدستور، إنها السلطة فوقالمؤسسات، إنها السلطة فوق الشعب، إنها سلطة فوق الوطن، إن الجمعيةالتأسيسية لوضع الدستور، يدحرجونها إليه بإعلان دستوري وبأحكام قضائية إنهاسلطة التأسيس، سلطة الاستبداد الكبرى من العسكري.

فإذا قلت لهم: إنهم يجمعون السلطات في يد واحدة، هي سلطة العسكري الذي هو بحكم التعريف لا شأن له بالسياسي إلا ما يحدد له من دور ولا شأن لهبالمدني إلا بحماية أمن الناس والشعب، قالوا: إنه حامي الحمى، أو خلطوا منكل طريق بين مجلس عسكري يسير ويدير المرحلة الانتقالية وبين قوات مسلحةتحمي الحياض وتحمي الوطن. وأطلقوا نكتة أخرى أن العسكري هو من يحمي «الدولةالمدنية» فإن قلت: كيف؟ قالوا: هكذا؟ فإن قلنا: «هاتوا برهانكم إن كنتمصادقين» فلم تكن هناك من إجابة إلا أنهم يثقون بأن العسكري هو حامي "المدني"، وهذا في كتب السياسة نقيضان لا يجتمعان إلا في عقل الكائنات العسكرية من السياسيين والمثقفين، وترزية القوانين الجاهزين من باب «أحلامسعادتك أوامر» «وأوامر حضرتك بكرة (غدًا) تتنفذ أول أمس»، إنها زمرة العبيدحينما تحيط بسيدها تسوغ له وتبرر لمزاجه وهواه. إن كنتم لا تصدقوننيفلتنظروا إلى «الفرمان غير الدستوري المكبل» المسمى زورًا وبهتانًا «الإعلان الدستوري المكمل» إنها السلطة التأسيسية الذي يريد أن يشرك فيها بعضًا من خدمه وأدواته ليحقق مصالحه ومصالحه فقط، صاحب الهوى والمصلحة هو من يضع الدستورأو ما هو في حكمه.

وفي كل مرة وفي دور مشبوه تخرج مؤسسات قضائية وقضاة تارة يقدمون موعدحكم، ويجلسون يترقبون فيخرجون بأحكام فورية لم نعهدها على قضائنا البطيء الذي يسير في التقاضي سير السلحفاة.. فإذا به يقفز قفزة النمر "المتحفز" ويخرج علينا كل يوم بحكم أو تصريح، يسبق الحكم ببعض من آراء من أعضائه كلهاتتحرك في مسار واحد «الحملة التأديبية» لمن يخرج على سلطة التأسيسالعسكرية، وتخرج إحدى الفقيهات الدستوريات بتوزيع التهم "بالخيانة العظمى" وهي مع العسكري واصفة إياه بالملاك الرحيم بالوطن الساهر على أمره والقاضي بمصلحته. قالت المستشارة: إن ما فعله الرئيس الدكتور محمد مرسي يعتبرانتهاكًا لسيادة القانون، وأكدت أن هذه بداية للحرب بين السلطـات، مضيفة أنقرارت المحكمة الدستورية العليــا لا رجعه فيها، ولا أحد فوق قرارات الدستورية حتى لو كان رئيس الجمهورية نفسه، مؤكدة أن ما فعله الرئيس هواستغلال لحق ليس بحقه وقالت: "الآن دخلنا دائرة تكسير العظام وما يحدثانتهاك صريح للقانون، لنرى من سوف يكسب في هذه المرحلة".

بينما أكدت المستشارة من قبل أن تحصين النظام الانتخابي في إحدى مواد الإعلان الدستوري يحول دون الرقابة التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا، وقالت لـ«الأهرام المسائي»: إن المحكمة الدستورية تراقب القوانين وليسالمواد الدستورية.

ويخرج أحد القضاة محذرًا رئيس الجمهورية مستبيحًا مكانته منذرًا ومحذرًا، إمهال رئيس الجمهورية 36 ساعة - تنتهي صباح الأربعاء الماضي لإلغاء قرارهو«الاعتذار صراحة وبوضوح تام للشعب المصري وللأسرة القانونية والسلطةالقضائية لما حدث من امتهان للقضاء وتهوين من أحكامه وعدم تنفيذ الأحكامالقضائية الواجبة النفاذ». أليس هذانموذجًا للتلهي بالقانون.

وقد كانوا في النظام البائد من بعض سدنته على استبداده وفساده. وهنا ستخرج فوائض الكلام والأوصاف من سيادة قانون، وخرق الدستور، والأحكامالقاطعة المانعة، القاطعة لمصلحة العسكري، المانعة لأي سلطة تحاول الاقترابمن مقام سلطانه المستبد والممتد.

يا أهل المغني القانوني.. دمغنا وجعنا؟!!

أين كنتم أيام آلان جرابيل الجاسوس الذي هربوه؟!!، وأين أنتم إبان قضيةالتمويل الأجنبي الفاضحة التي ارتكبت تحت أعين وبتدبير من العسكري وبأمره.. سكت هؤلاء.. بل برروا بالمواءمات والملاءمات وفي انتقائية عجيبة، هنايبررون، وهناك يتربصون.

ورغم أن القرار الجمهوري بسحب قرار حل مجلس الشعب لم يمس حكم المحكمة الدستورية وكان اعترافًا به ولم يكن افتئاتًا عليه.. واقتضته الضروراتالمتعلقة بالفراغ التشريعي والدستوري لفترة مؤقتة.. ولم يتبق من الأفعال إلا اقتلوه.. ألا يا زمن الهوان والإهانة من قوم تعودوا الهوان والإهانة من سيدهم.. ويتحدثون عن العزة والحرية في قبالة غير هذا السيد الذي لا يرضونبغيره أصيلاً ولا بخدمته بديلاً.

إنها الثورة يا سادة، ثورة مصر، وثورة شعب، أردتم تسليمها لمن لايستحقها، ثورة مصر ستكون لشعبها، ولا أحد قادر على اغتصابها لا بالفعل ولابالخطاب.

وقال أهل المغني بالقانون: «إنه فجر.. إنه يعطل القانون وتطبيقه ولايمتثل للأحكام بمنطوقها.. ورغم أن ذلك افتراء، إلا أنهم نسوا أن لجنةالانتخابات الرئاسية عطلت قانون العزل على أحد المرشحين عمدًا وكان ذلكيستوجب محاكمتهم ومعاقبتهم بالعزل، ألم يكن تهريب المتهمين تعطيلاً للقانونوالقضاء، ألا سحقًا لهؤلاء الذين يريدون تمرير الجمل في سم الخياط.

أين هم من اتهام العسكري وفي صناعة متعمدة لعدم دستورية قانونالانتخابات وبحضور بعض هؤلاء من المحكمة الدستورية الذين أقروه بوجودهم وصمتهم.. وبعد ذلك يحكمون بحله.. من المسئول عن وضع القانون ؟!، المسئوليةالسياسية وما ترتب على ذلك قضاء، وما يعقب ذلك من مسئوليات تبعية، وما صرفمن أموال الشعب وإهدار ثرواته وإرادة الشعب الانتخابية في مسرحيات انتخابيةقالوا عنها: إنها النزيهة والأمنية. ثم يلغون نتائجها بجرة قلم قانونية،يوقعون العقاب على غير مقترف لجريمة (مجلس الشعب والشورى) ويتركون من أجرمبإصدار القانون تعمدًا وإصرارًا وإهدارًا لأموال هذا الشعب وحكمه وإرادته. وربما تحل الجمعية التأسيسية الثانية، إننا في عصر المؤسسات "المحلولة" و"المعزولة" و"المحصورة" عصر تدمير وتحطيم المؤسسات، وستبقى في النهايةالسلطة التأسيسية تتلقف كل السلطات في انقلاب عسكري جديد بغطاء قانونيودستوري.. إذا لم تكن بعض القوى المدنية التي ترنحت وارتمت تحت أقدامالعسكري بدعوى حماية الدولة المدنية لا ترى ذلك فإنهم في حقيقة الأمر لايبصرون ولا يتبصرون.

وبمعزوفة أهل ترزية القوانين، تأتي معزوفة أهل الإعلام المختلط بالمال السياسي يثرثرون ويكررون، يهجمون ويهجون، يستخفون ويعيدون، في أغنياتقانونية سخيفة.. أقول لترزية القوانين وحواة الإعلام: «يا أهل المغني... دماغنا وجعنا..» تعرفون من تخدمون ومن سيدكم.. وهؤلاء يعزفون مغاني الافتراء (قانونًا وإعلامًا ومالاً)، أفهمتم: ثورة تسرق باسم القانون، وثورة تجهض بأدوات ومصالح الدولة العميقة في سياق سرقة سلطات الدولة والوطنبالإكراه بعد تدمير وتحطيم وحل المؤسسات بغطاء قانوني.. قال أحمد مطر: «منيملك القانون يملك حق عزفه..» على طريقته وبهواه.

المصدر: بوابة الشروق

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 14 يوليو 2012
  1. لماذا خسر الإسلاميون في ليبيا؟كتبه للمفكرة: شريف عبد العزيز shabdaziz@hotmail.com نتيجة قد تبدو في نظر الكثيرين غير منطقية في بلد قاد ثورة الكفاح من أجل الحرية فيه مجموعات ثورية ذات توجه إسلامي عميق، وتحملوا العبء الأكبر في محاربة قوات الطاغية المقتول، ونالوا شرف فتح المقالات وتحليلات · 6 د قراءة
  2. مقتل 5 في هجوم تفجيري استهدف مسجدًا بنيجيريافي استمرار للعنف المتصاعد في نيجيريا, قُتل خمسة أشخاص في هجوم استهدف مسجدًا في مدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم الجمعة. وقال ناطق عسكري نيجيري: إن "خمسة أشخاص قتلوا وأصيب ستة آخرون بجروح في هجوم انتحاري استهدف مسجد مايدوغوري المركزي. والعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  3. ثورة يافا24 شعبان 1339هـ ـ 1 مايو 1921م مفكرة الإسلام : بعد أن احتلت إنجلترا فلسطين في الحرب العالمية الأولى، وضعتها تحت ما يسمى بالانتداب الإنجليزي وأخذت في فتح باب الهجرة على مصراعيه لليهود، وذلك لإدخال وعد بالفور حيز التنفيذ، وأخذت أعداد اليهود فحدث في مثل هذا اليوم · 1 د قراءة
  4. طفلك أنت مسئول عنهعمر السبع فاطمة .... والتلفاز: فاطمة تلميذة في الصف الخامس الابتدائي ومفروض ألا تشاهد التلفاز إلا بعد أن تنتهي من واجباتها المدرسية. وفي إحدى الليالي كان عليها أن تنتهي من بعض الواجبات التي كان يجب أن تسلمها في المدرسة في اليوم التالي، ولكنأطفالنا · 7 د قراءة
  5. شبكة السنة النبوية لـ"mbc": اتقوا الله في الصحابةأصدرت شبكة السنة النبوية وعلومها أمس بيانًا حول عزم قناة "إم بي سي" عرض مسلسل الفاروق عمر، مشيرة إلى أن بيانها يأتي بيانًا للحق وإبراءً للذمة. واشتمل بيانها على ثلاثة أجزاء؛ الأول بيان أن الفعل له مفاسد واضحة وغالبة، والثاني رسالة للقائمين العالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  6. 20 قتيلاً بينهم برلماني في هجوم على حفل زفاف بأفغانستانقُتل 20 شخصًا بينهم نائب برلماني اليوم السبت خلال هجوم على حفل زفاف في إقليم سامانجان في شمال أفغانستان. وقالت الشرطة: إن الهجوم تسبب بإصابة 40 شخصًا على الأقل، مشيرة إلى أن السياسي الأفغاني أحمد خان سامانجاي كان في حفل زفاف ابنته عندما فجّالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: التلهي بالقانون: عشوائية قانونية متعمدة