ماذا يحدث في حركة النهضة التونسية؟

كتبه أحمد عمرو
في مؤتمر العاشر الذي أقامته حركة النهضة، في العشرين من مايو الماضي، أعلن رئيسها وزعيها راشد الغنوشي الفصل بين الدعوي والسياسي، وعد ذلك مرحلة جديدة وأفق جديد تدخل به الحركة عالم السياسة.
واعتبر “الغنوشي”، رئيس “حركة النهضة” في تونس أن توجه حركته نحو “التمايز” بين شقيها السياسي والدعوي هو نوع من “النضج” ينسجم مع نصوص الدستور، ومساعي الحركة نحو التخصص، مؤكدا على أنه “لا مصلحة للحزب في فرض وصايته على المجال الديني.
وقال “الغنوشي”، في تصريحات صحفية، إن حركته “بصدد التحول إلى حزب يتفرغ للعمل السياسي، ويتخصص في الإصلاح انطلاقا من الدولة، ويترك بقية المجالات للمجتمع المدني ليعالجها، ويتعامل معها من خلال جمعياته ومنظومة الجمعيات المستقلة عن الأحزاب بما في ذلك النهضة”. وأضاف: “نحن نُؤْثِر استخدام كلمة التمايز والتخصص بدل كلمة الفصل (بين الشقين السياسي والدعوي) التي تعود بنا إلى فلسفات أخرى، وإلى مراجع أخرى تتعلق بمسائل فلسفية حول العلاقة بين الدين والسياسة؛ فنحن نتحدث عن تمايز وتخصص والتخصص، “كما هو معروف في أي علم من العلوم هو مرحلة من مراحل النضج؛ فعندما ينضج أي علم يتجه إلى التخصص”.
ولفت إلى أن “الحركة الإسلامية (حركة النهضة) بدأت ظاهرة مجتمعية ومشروعا شاملا في مواجهة دولة شمولية”.
ورأى أنه “الآن سقط هذا المبرر؛ فلم نبق في مواجهة ديكتاتورية ولا في مواجهة لائكية (علمانية) متطرفة، والدستور اعترف بالإسلام، كما اعترف بالديمقراطية والحرية؛ وبالتالي لم يعد هناك مبرر للدمج بين كل أبعاد هذه الظاهرة المجتمعية، وآن الأوان لأن يتمايز ويستقل مجال السياسة عن بقية المجالات الأخرى”. انتهت تصريحات راشد الغنوشي.
وإذا كنا بصدد معرفة ما يحدث حقيقة في حركة النهضة فلنا أن نعلم أن الحركة تملك كوادر دعوية وأئمة ومساجد ومدارس وهي حركة دعوية تسعى لضم الشباب إليها ثم تقوم بعملية تثقيفية تبني من خلالها رؤية فكرية وسلوكية وأخلاقية وعقدية أيضا. لأفرادها ومنسوبيها. إذا نحن أمام جسد دعوي تنظيمي.
لم يشر الغنوشي أين سيذهبون بالجسم الدعوي للحركة، هي سيتركونه يتحرك وحده في الفراغ؟
هل يؤسسون جمعيات أهلية بنفس الاسم أو بأسماء مختلفة تحوي هؤلاء الكوادر ليقوم بالدور الدعوي من خلال تلك الجمعيات؟
ما هو شكل العلاقة بين الحركة في ذراعها الدعوي وذراعها السياسي؟
هل ستصبح ثمة علاقة تنظيمية أم مجرد تأييد فكري؟
في التصريحات الصحفية ضرب الغنوشي أمثلة بالمغرب وتركيا. مع أن النموذجين مختلفان تماما المغرب وتركيا، ولكل تجربة من التجربتين خصائصها، فحزب العدالة والتنمية التركي ليس ذراعا لحركة إسلامية, ولم يكن حركة إسلامية يوما، وهو الآن في صراع كبير مع حركة ضخمة في تركيا وهو حركة خدمة المشهورة إعلاميا بحركة عبد الله كولن. وفي المغرب هناك حركة التوحيد والإصلاح المنبثق عنها حزب العدالة والتنمية المغربي، وللحركة زعماؤها وكوادرها، وهي مستمرة من قبل الحزب ومن بعده وتمارس الجانب الدعوي.
في التجربة المغربية هناك تمييز في مستوى القيادات والرموز فرموز الحركة ومشايخها لم يخوضوا في العمل السياسي، بينما شيوخ النهضة هم ضالعين في العمل السياسي, فالدكتور عبد الفتاح مورو وهو الداعية صاحب الأسلوب المميز والرجل الثاني في الحركة هو نائب رئيس البرلمان التونسي.
الخلاصة أنه ليس معلوما بوضوح ما الذي يريده الغنوشي بتلك التصريحات، فالتمييز بين الدعوي والسياسي يتطلب التمييز في التنظيم، فهل هو بصدد إنشاء كيان دعوي غير حزب النهضة، والتمييز في الرموز، وهو تخلي الرموز الدعوية والعلمية عن ممارسة العمل السياسي للكفاءات التي درست هذا الجانب، والتمييز في الطرح أو الخطاب.
الغنوشي أشار فقط إلى أن حركة النهضة ستتعامل مع السياسة من واقع السياسة والدولة وستترك المجال الدعوي للهيئات المدنية.
هذا الأمر ببساطة يعني أن الحركة ستتحول إلى حزب سياسي وفقط، وستترك الجانب الدعوي، ولنا أن نتساءل.. هل تعرضت الحركة لضغوط لبقائها في حلبة السياسة؟
هل هي الرؤية التي انتهجتها الحركة من بعد تطورات التي شهدتها دول الربيع العربي، فتخلت عن مكتسباتها واليوم تتخلى عن جلدها، من أجل البقاء؟
هل هو تكتيك سياسي من الحركة حتى تستطيع أن تلج إلى بوابة الحكم ويتم السماح لها بتولى المسئوليات السياسية؟
لا أحد يعلم على وجه اليقين ما الذي يريده الغنوشي وإلى أي طريق يدفع حركة النهضة.
في الأطروحات الفكرية السياسية نحن في حاجة إلى تأصيل وتفصيل، لم يقم الغنوشي بشرح الجانب التأصيلي لهذا الطرح, ولم يفصل لنا كيف ستعالج الحركة هذا الشق التنظيم، هل ستطلب الحركة من كوادرها الدعوية التركيز على العمل في الجانب السياسي وترك العمل الدعوي؟
الغنوشي قارئ جيد للواقع يحاول قراءة الأحداث التي تمر بها الحركة الإسلامية من هنا وهناك, ويحاول أن يجنب حركته المزالق والمنعطفات التي وقعت فيها الحركات الإسلامية في الدول الأخرى، ففي مصر تعاني الحركة بشكل كبير, وفي الأردن هناك سياسة من النظام لشطر الحركة نصفين ثم تركهما يتنازعان، وهو يعلم أن الموجة العامة الآن هي الهجوم على تيار الإسلام السياسي وعدم السماح له بالوجود وتضييق الهامش أمامه وحصاره بكل الأشكال.
أخشى أنه وأمام ضغوطات الواقع تضطر الحركة أن تخلع آخر قطعة من ملابسها، فيقال كانت يوما حركة النهضة الإسلامية واليوم لم تعد.