تركيا والشراك الكردية

سكوت بيترسون ـ كريستيان ساينس مونيتور
ترجمة: شيماء نعمان
مفكرة الإسلام : لا تزال الدوائر السياسية في انتظار ما ستسفر عنه الأحداث الأخيرة بين الحكومة التركية والعراقية، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستقوم بدور فعال في نزع فتيل الأزمة المندلعة بين أنقرة وبغداد حول ملف حزب العمال الكردستاني, أم أن الأمر سينتهي بضرب شمال العراق على أيدي القوات التركية.
ومن المقرر أن يستأنف العراق وتركيا مباحثاتهما بشأن الأزمة على هامش مؤتمر إسطنبول، والذي سيشارك فيه يوم الجمعة 2 نوفمبر دول الجوار العراقي، والولايات المتحدة ومجموعة الثماني، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية.
وحول الوضع الراهن، والعواقب أو "الشرك" الذي يمكن أن تنزلق إليه تركيا إذا قررت مهاجمة شمال العراق عسكريًا، نشرت صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الأمريكية يوم الأربعاء 24 أكتوبر مقالاً للصحافي "سكوت بيترسون"، مراسلها في إسطنبول، جاء فيه:
بينما ترسل تركيا قوافل عسكرية جنوب شرقي البلاد على الحدود مع العراق، تتكاثف الجهود الدبلوماسية الساعية لتجنب وقوع هجوم حدودي يهدف إلى سحق حزب العمال الكردستاني الانفصالي PKK.
وقد توجه يوم الثلاثاء وزير الخارجية التركي "علي باباجان" إلى بغداد، فيما كان رئيس الحكومة "رجب طيب أردوجان" في لندن, وذلك من أجل تصعيد الضغط على كلٍ من القوات الأمريكية والعراقية في شمال العراق لوقف موجة من الهجمات بلغت ذروتها يوم الأحد مع ضربة المتمردين الأشد فتكًا منذ عقد، حيث قُتل 12 جنديًا تركيًا وفُقد 8 آخرون.
وتحظى فكرة شن هجوم عبر الحدود بتأييد شعبي واسع ومصادقة برلمانية، إلا أن المحللين يرون أن اتخاذ تركيا قرارًا بالغزو سيوقع بها في شرك استراتيجية لحزب العمال الكردستاني تهدف إلى استفزاز حدوث مثل ذلك الغزو. فالهجوم التركي من شأنه أن يضع تركيا، أحد حلفاء الناتو، في مواجهة مع القوات الأمريكية، والقوات الكردية العراقية، إلى جانب مواجهتها مع حزب العمال الكردستاني. كما يمكن كذلك أن يتسبب في زعزعة استقرار شمال العراق - إحدى مناطق العراق التي تتمتع بهدوء نسبي منذ الغزو الأمريكي عام 2003 - ويزج بقواتها إلى مستنقع عميق.
ويقول "فادي هكورا"، وهو خبير تركي بمركز "كاثام هاوس" للأبحاث في لندن: إن "حزب العمال الكردستاني يريد أن تتورط تركيا في حرب شاملة واسعة النطاق، ليس فقط مع حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، بل كذلك مع (القوات) الكردية العراقية إلى جانب إقحام الولايات المتحدة وغيرها من القوى الخارجية".
وأضاف السيد هكورا أن أحد أهداف ذلك سيكون "إعادة إحياء قاعدتهم الشعبية" التي تشهد "انخفاضًا مطردًا" جنوب شرقي تركيا، حيث يتعاطف الأكراد العرقيين بصورة واسعة مع تطلعات حزب العمال الكردستاني، إلا أنهم كثيرًا ما يعارضون استخدام أساليب العنف.
ويقول هكورا: إن إستراتيجية حزب العمال الكردستاني "تعتمد على افتراض أن الحكومة التركية مولعة باستخدام القوة، وذات نزعة قومية، وتتطلع لاتخاذ رد فعل فوري"، وأضاف: "لكن حكومة أردوجان أكثر ذكاء من ذلك... وقد أبدت ميلاً واضحًا للدبلوماسية أكثر من العمل العسكري".
وعلى الرغم من تجهيز ما يقرب من نحو 60.000 من القوات التركية - وتأكيدات أنقرة المتكررة بأن تركيا ستقصر هجماتها فقط على الأهداف التابعة لحزب العمال الكردستاني - فإن كبار العسكريين لا يزالون حتى الآن يروّجون لتبني الوسائل الدبلوماسية، مدركين في الوقت نفسه أن 24 عملية عبر الحدود خلال عقود مضت لم تنجح في القضاء على العناصر الميليشية.
وقد استرعت الأزمة فعليًا اهتمام واشنطن، التي تتهمها تركيا بعدم بذل ما يكفي لتعويق حزب العمال الكردستاني. وأجرى الرئيس "جورج بوش" يوم الاثنين اتصالات مع عدد من الزعماء الأتراك والعراقيين، داعيًا تركيا لضبط النفس، والعراق للتحرك ضد الحزب، الذي تصنفه الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وتركيا كجماعة إرهابية.
وصرح الرئيس العراقي، "جلال الطالباني" - وهو كردي وزعيم أحد أهم حزبين كرديين شمالي العراق، يوم الاثنين أن حزب العمال الكردستاني سوف يعلن وقفًا لإطلاق النار.
غير أن الحزب نفى من جانبه إعلان وقف جديد لإطلاق النار، موضحًا أن إعلانًا آخر لوقف إطلاق النار لا يزال معمولاً به منذ شهر يونيو. وأودت هجمات شنها حزب العمال الكردستاني بحياة 42 شخصًا الشهر الماضي (سبتمبر)، كان ثلثاهم من الجنود. وصرح الجيش التركي أن هجومه المضاد يوم الأحد ضد مائتين من مقاتلي الحزب الذين تسللوا عبر الحدود قد قتل فيه 34.
أما "سيفي تاشان"، مدير معهد السياسة الخارجية بجامعة بيلكنت بأنقرة، فيرى أن استراتيجية حزب العمال الكردستاني لجر تركيا إلى داخل الحدود قد "باءت بالفشل"، وذلك نظرًا لأنه من غير المرجح أن "تتوغل تركيا بالعراق في الوقت الراهن".
وبدلاً عن ذلك، فإنها - تركيا - ستقوم بممارسة مزيد من الضغط على الولايات المتحدة، وكذلك على الزعيم الكردي العراقي، "مسعود بارزاني"، الذي تعتقد أنقرة أنه قدم الكثير لتأمين مأوى لحزب العمال الكردستاني. وقال الزعيمان الكرديان: إن قواتهما غير قادرة على اقتلاع حزب العمال الكردستاني بالإكراه، كما أبدى كذلك الطالباني إشارة للتعاطف المحلي مع الأكراد بقوله: "إننا لن نُسلم أي كردي إلى تركيا، ولو حتى قطة كردية".
إن إغلاق تركيا للحدود سوف يضر بصورة بالغة بالمناطق الكردية العراقية المحاصرة باليابسة - التي لا تطل على ساحل - كما أنه سيؤثر كذلك بصورة كبيرة في التجار الأتراك. وقد صوت البرلمانيون الأتراك الأسبوع الماضي بغالبية 507 أصوات مقابل 19 على منح تفويض لشن عملية عسكرية عبر الحدود، بينما جاءت الأصوات الـ19 المعارضة من نواب مواليين للأكراد يفضلون الدبلوماسية عوضًا عن العسكرية.
وقال تاشان: "يجب أن يكون في أيدينا سيف ديموقليس, لنحتفظ به, ليس فقط من أجل حزب العمال الكردستاني، ولكن كذلك من أجل مؤيدي الحزب من أمثال بارزاني"، مسترجعًا أن تهديدًا تركيًا بالحرب ضد سوريا عام 1998 كان قد دفع بالدمشقيين لطرد "عبد الله أوجلان"، زعيم حزب العمال الكردستاني، الذي أُلقي القبض عليه في أعقاب ذلك في كينيا وتم نقله إلى تركيا. وأضاف: "سوف نُتيح لهم رؤية أنه عليهم أن... يتخلصوا من حزب العمال الكردستاني".
ويقول المتمردون: إنهم لن يُهجّروا، لكنهم اقترحوا يوم الاثنين أنه من الممكن التوصل إلى حل دبلوماسي. وجاء في بيان للحزب أنه: "إذا أنهت الدولة التركية هجماتها، فإن التوترات المتصاعدة ستُستبدل بمحيط خالي من النزاع... إن حركتنا وقومنا لديهم القدرة على الدفاع (ولكننا) نفضل حل المشكلات بالوسائل الديمقراطية والسلمية بدلاً من الصراع المسلح".
ونقلت وكالة أنباء فيرات، الموالية للمتمردين الأكراد، عن القيادي البارز بحزب العمال الكردستاني، "باهوز آردال" أنه قال: إن الحزب يحتفظ بالجنود الأتراك الثمانية "كرهائن في أيدي قواتنا".
ووفقًا للجيش، فإن المدفعية والمروحيات التركية توجه فعليًا ضربات شمالي العراق، وقد قصفت الطائرات يوم الأحد 63 هدفًا خلال ملاحقة حثيثة للمتمردين في أعقاب الهجوم. إن الغرض وراء تنفيذ عملية عسكرية عبر الحدود سيكون حرمان حزب العمال من المأوى. وصرح أردوجان في حديث لصحيفة تركية: "إننا ربما نقوم بعملية مشتركة مع الولايات المتحدة ضد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق".
وذكرت صحيفة "شيكاغو تريبيون" أنه على الرغم من الرفض السابق للفكرة، فإن توجيه ضربات أمريكية جوية أو بصواريخ كروز من الجاري النظر بشأنها. ونقلت تريبيون عن مسئول أمريكي على مقربة من نداء بوش للرئيس التركي، "عبد الله جول"، يوم الاثنين: "إن الأتراك يستنفذون الآن حدود صبرهم، وحساباتنا للمخاطرة تتغير".
غير أن مثل تلك الاستجابة من غير المرجح أن تضع الأكراد العراقيين في مكانهم الصحيح، على الرغم من أن ميليشيا البشمركة التابعة لبارزاني كانت قد وقعت اتفاقًا مع تركيا في نهاية التسعينيات للتصدي لحزب العمال الكردستاني. ويقول الخبراء: إن ما يثير سخرية أكبر هو كيف تغيرت تكتيكات الحزب متأثرة بالمقاومة المندلعة في العراق.
ويقول هكورا من "كاثام هاوس": "لقد تعلموا، واعتمدوا بعناية الدروس من نشاط عناصر المقاومة السنية العراقية". وكان حزب العمال الكردستاني قد شن في الماضي هجمات واسعة ضد مراكز للشرطة ومنشآت عسكرية شارك فيها بين 200 إلى 500 مقاتل.
أما الآن، بحسب هكورا، "فإنهم يعتمدون على أساليب الكر والفر، والخلايا الصغيرة، والألغام، والكمائن، و متفجرات سي4، والعبوات الناسفة"، مضيفًا: "إن تقريبًا نصف ضحايا الجيش التركي هذا العام قتلوا بألغام أرضية، وليس خلال معارك قتالية".
إطلالة قريبة على حزب العمال الكردستاني
ما هو حزب العمال الكردستاني؟
أُسس حزب العمال الكردستاني عام 1974 كمنظمة ذات توجه ماركسي لينيني تدعو إلى إقامة دولة كردية منفصلة. وتحت قيادة مؤسسه، "عبد الله أوجلان"، سعى حزب العمال الكردستاني من أجل وطن كردي مستقل يضم أكراد المنطقة والبالغ عددهم 30 مليون شخص، يعيش 14 مليون منهم في تركيا. وتتضمن المنطقة الكردية العرقية كلاً من شرق تركيا، وشمال العراق، وغرب إيران، وأجزاء من سوريا وأرمينيا.
ما هي التكتيكات التي يتبناها حزب العمال الكردستاني؟
يستخدم حزب العمال الكردستاني تكتيكات حرب العصابات، حيث عادة ما يعتمد على العبوات المتفجرة، أو المفجرين الانتحاريين، أو الهجمات الصغيرة المحدودة. وغالبًا ما تُوجّه هجماته ضد الجيش التركي والشرطة، غير أن الحزب كثيرًا ما استهدف المدنيين. وتشهد العمليات القتالية انخفاضًا منذ اعتقال السيد أوجلان عام 1999 والحكم عليه بالإعدام. وقد خُفف الحكم في النهاية إلى السجن المؤبد، وذلك في أكتوبر عام 2002 بعد أن ألغت تركيا عقوبة الإعدام. وأعقب تخفيف الحكم وقف لإطلاق النار وكذلك انسحاب للمقاتلين المتمردين من تركيا. وأعرب أوجلان منذ ذلك الحين عن ندمه، قائلاً: إن حزب العمال الكردستاني سوف "يعمل من أجل تركيا ديمقراطية، يتمتع فيها الأكراد بحقوق ثقافية ولغوية" عبر وسائل سلمية.
كم يوجد هناك من عناصر حزب العمال الكردستاني؟
إن مقاتلي حزب العمال الكردستاني الـ3000 الذين يُعتقد في تمركزهم بشمال العراق يقومون بشن هجمات ضد أهداف أمنية ومدنية في تركيا. كما أنه من المعتقد كذلك وجود الآلاف من متمردي الحزب داخل الأراضي التركية.
لماذا الآن؟
إن القتال عبر الحدود بين المتمردين الأكراد والأهداف التركية قد اندلع منذ الربيع. وتواجه حكومة رئيس الوزراء "رجب طيب أردوجان" ضغوطًا من أجل تعقب حزب العمال الكردستاني في شمال العراق. وقد صدّق البرلمان التركي الأسبوع الماضي على توجيه ضربات عسكرية داخل الأراضي العراقية ضد حزب العمال الكردستاني في أي توقيت خلال العام الجاري. إلا أن الحكومة الأمريكية تعارض مثل ذلك الرد العقابي، على الرغم من اعتبار حزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية من قبل كل من واشنطن، والاتحاد الأوروبي، والناتو.