هل أنهى أوباما "الحرب على الإرهاب"؟

روجر كوهين()/ نيويورك تايمز
ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام: أجمعت وسائل إعلام دولية وطيف كبير من المحللين السياسيين أن الرئيس الأمريكي، "باراك أوباما"، قد أعلن نهاية لـ "الحرب على الإرهاب"- التي وصمت السمعة الأمريكية على مدى سنوات- بعد قراره إغلاق معتقل جوانتانامو وكذلك عقب تصريحاته خلال المقابلة التليفزيونية التي أجرتها معه قناة العربية الفضائية... ولكن يظل السؤال: هل انتهت الحرب على "الإرهاب"فعليًا؟
وكانت المقابلة التي تعد الأولى التي يجريها أوباما منذ تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة قد لاقت قبولاً حسنًا في الشارع العربي، وذلك من حيث مغزى توجيه أول رسالة إعلامية له عبر قناة ناطقة بالعربية، وكذلك من خلال كلماته التي بدت متوازنة حول ما أسماه اعتماد أسلوب الاستماع وليس الإملاء الأمريكي، وتأكيده على صداقة واحترام العالم الإسلامي.
ولم يكن الاهتمام بمقابلة أوباما أحادي الجانب، فقد ذكرت وسائل إعلام أمريكية أن البيت الأبيض على النحو الآخر قد طلب في أعقاب اللقاء تقريرًا من وزارة الخارجية حول رد فعل الشارع العربي عليها.
وتباينت تعليقات الصحف الغربية على مقابلة أوباما؛ فمنهم من رأى فيها محاولة لرأب الصدع في العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، ومنهم من وجه إليها الانتقاد... وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية قد نشرت لكاتبها البارز "روجر كوهين" تعليقًا حول حديث أوباما وأوجه الاختلاف بين توجهاته وتوجهات سلفه "جورج دبليو بوش"؛ كما أشار الكاتب أيضًا إلى توقعاته للنهج الذي يجب أن تتبعه أية محاولات لإيجاد حل لأزمات الشرق الأوسط المعقدة.
ونعرض فيما يلي نص المقال والذي جاء تحت عنوان: "ما بعد الحرب على الإرهاب":
في أول مقابلة تليفزيونية له بعد وصوله إلى البيت الأبيض، أجراها مع شبكة "العربية" الإخبارية، أوضح الرئيس "باراك أوباما" ضمنًا أن: الحرب على "الإرهاب" قد انتهت.
نعم، إن صراع "معنا أم ضدنا"- ما يسمى بالحرب طويلة الأمد- التي يواجه فيها الغرب "المحب للحرية" قوى الظلام اللا محددة والتي تتضمن كل شيء بدءًا من تنظيم القاعدة وحتى عناصر الكفاح الوطني الفلسطيني تحت مسمى "الفاشية الإسلامية" قد تم وقفها.
إن ما تبقى هو ما يهم: إنه هزيمة المنظمات "الإرهابية". وهذه ليست حربًا، ولكنها تحدٍ إستراتيجي.
وقيام الرئيس الجديد بتحويل مذهب ما بعد 11 سبتمبر الذي كان قد تبناه بوش، يُعد بمثابة نقلة حرجة. فهو وإن كان لا يقدم حلاً لأي شيء، لكنه يفتح الطريق للتقارب من جديد مع العالم الإسلامي الذي طالما ما تم حسابه في معسكر "من هم ضدنا". ولم يكن من الممكن أن يحدث أي تقدم في قضية "إسرائيل/ فلسطين"، أو أفغانستان، أو إيران عبر مثل تلك الثنائية المانوية.
وقال أوباما: إن "اللغة التي نستخدمها أمر هام". وهي كذلك. وأضاف أنه سيكون "واضحًا للغاية في التمييز بين منظمات مثل "القاعدة"- تتبنى العنف و"الإرهاب"، وتعمل على ذلك- وبين أشخاص ربما يختلفون مع إدارتي وتصرفات بعينها أو ربما لديهم وجهات نظر محددة بشأن الكيفية التي ينبغي أن يتم من خلالها تنمية بلادهم. فمن الممكن أن يكون لدينا بعض الاختلافات المشروعة ولكن تظل تتسم بالاحترام".
وكان بوش قد فضل أن يميز بين "الإرهابيين" والمسلمين المعتدلين محبي الحرية من وجهة نظره. أما أوباما فقدم هنا تصنيفًا أكثر أهمية، يميز فيه بين هؤلاء الذين ينزعون إلى تدمير أمريكا، وهؤلاء الذين يبغضونها، أو يختلفون معها، أو أصابتهم أمريكا بخيبة أمل.
وفي هذه الأيام يندرج غالبية المسلمين في العالم في هذه الفئة الأخيرة. فأوباما محق في نقل رسالته إليهم من خلال شبكة "العربية" الناطقة باللغة العربية.
وقد عكست لهجته اختلافًا واضحًا. فقد بدا دقيقًا، وجديرًا بالاحترام، وناقدًا للذات، ومتوازنًا حيثما كانت إدارة بوش غير واضحة، وعدائية، ومتأنقة في عباراتها، وأحادية الجانب في اعتناقها لسياسة ترى "إسرائيل" لا يمكن أن ترتكب أية أخطاء.
ويأتي حديثه بينما بدأ مبعوثه إلى الشرق الأوسط، "جورج ميتشيل"، زيارة إلى المنطقة تستغرق ثمانية أيام؛ ووصف أوباما مهمة مبعوثه بأنها من أجل الاستماع، لأن "الولايات المتحدة غالبُا ما تبدأ بإملاء الأوامر".
وذهب أوباما إلى أبعد من ذلك. حيث أشار إلى أفراد مسلمين داخل عائلته، وخبرته بالحياة في بلد إسلامي "إندونيسيا"، كما أوضح مجددًا المصلحة الوطنية والدور الذي يضطلع به.
وعرّف أوباما مهمته بأنها إقناع المسلمين أن "الأمريكيين ليسوا أعداءكم" وإقناع الأمريكيين أن احترام العالم الإسلامي شيء أساسي. وقال: إن هدفه ليس فقط النهوض بالمصالح الأمريكية، بل كذلك بمصالح الأشخاص العاديين- من المسلمين- الذين يعانون من "الفقر وضعف الفرص".
وهذه قفزة أيديولوجية كبيرة بالنسبة لزعيم أمريكي؛ فهي تحول من مذهب السيادة الذي اتسمت به حقبة ما بعد الحرب الباردة إلى مذهب جديد من الشمولية أملته العولمة – أي من دور "صاحب القرار" إلى شيء قريب من دور "الوسيط الأكبر". وأنا أشيد بهذا التحول لأنه يعتمد على نظرة واقعية؛ حيث عالم متغير يتأثر بقدرة الإقناع الأمريكية وليس بالإملاءات الأمريكية.
ومع ذلك، فالكلمات لا تغير من حقيقة أن تحدي ما بعد غزة الذي يواجهه أوباما هو تحدٍ ضخم. وهنا في إيران، حيث الخطب المناهضة لأمريكا تعد بمثابة أحد أهم ركائز الثورة الإسلامية منذ 30 عامًا والتي من الصعب الابتعاد عنها ولو قليلاً، فإن رد الفعل الذي أعقب مقابلة الرئيس أوباما كان عظيمًا. حيث أتى ذلك في الوقت الذي صادقت فيه الحكومة- بالإشارة إلى العدوان "الإسرائيلي" ضد غزة- على مشروع قانون للتحقيق والملاحقة القضائية لجميع جرائم الحرب المشتبه فيها في أي مكان بالعالم.
وقال الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد"، إن التغيير في ظل إدارة أوباما أمر طيب ولكنه سيكون جديرًا بالثقة فقط إذا ما قدمت أمريكا اعتذارًا لإيران عن دورها في انقلاب عام 1953، وغير ذلك من التصرفات. أما صحيفة "كايهان" المتشددة فقالت: إن "أوباما يقتفي نفس خطى بوش".
وفي الحقيقة، فقد أكد أوباما أنه سيسعى من أجل حوار مع إيران، كما امتدح عظمة الحضارة الفارسية في الوقت الذي استنكر فيه التهديدات الإيرانية لـ "إسرائيل"، وبرنامج إيران النووي، و"دعمها للمنظمات الإرهابية فيما سبق".
إن أي حوار أمريكي- إيراني يجب أن يستند إلى كلمة يفضلها أوباما ألا وهي: الاحترام. فقد قللت الولايات المتحدة من شأن الغرور الإيراني وتعلقها القوي باستقلالها كأمة عرفت نصيبها من التطفل الغربي.
وسياسة العصا والجزرة لن تؤدي إلى شيء، كما أن التركيز الحصري على القضية النووية الذي أخفق في دراسة الإطار الشامل للمصالح الأمريكية الإيرانية لن يؤدي إلى شيء أيضًا.
إن المؤكد، مع إيران كما هو الحال مع بقية دول الشرق الأوسط أنه ستكون هناك انتكاسات. فسوف يهاجم "الإرهابيون". ويتم التنديد بأوباما. ولكن وكما يعرف ميتشيل من خبرته في عملية إحلال السلام بأيرلندا الشمالية، فإن العنصر الحاسم هو المثابرة.
وكان "توني بلير"، الذي يعمل حاليًا كمبعوث للشرق الأوسط والذي كان كذلك شريكًا لميتشيل في بلفاست، قد أوضح ذلك لي كما يلي:
"إن السبب الوحيد الذي مكننا من تحقيق الإنجاز في أيرلندا الشمالية هو أننا ركزنا في النهاية عليها بكثافة محددة في غضون وقت محدد على أساس أن يتم طوال الوقت إدارة وتصويب أي شيء يأخذ منحى خاطئًا مهما كان ضئيلاً". وقد وصف ذلك النهج بقوله: "في كل مرة لا نتمكن فيها من حل المشكلة، يتعين علينا أن نعمل على إدارتها حتى نتمكن من البدء في حلها من جديد".
لقد كان الإطار الأيديولوجي لدى بوش خطأ صححه أوباما بإنهائه للحرب على "الإرهاب". والآن يأتي دور المثابرة الشرق أوسطية الصعبة من أجل حل إدارة الحل؛ وهو ما سوف يتطلب اهتمامًا راسخًا من جانب الرئيس الأمريكي.
([1] ) روجر كوهين: كاتب عمود في صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، وتهتم مقالاته بقضايا السياسة والعلاقات الدولية