تركيا.. التحدث إلى الجنرالات لم يعد كافيًا

عبد الحميد بيليسي ـ الزمان التركية
7 فبراير 2009
ترجمة: محمد الزواوي
مفكرة الإسلام: في مؤتمر "تحالف الحضارات" الذي عقد في مدينة أطلانطا الأمريكية تحدث السفير الأمريكي الأسبق لتركيا مارك باريس عن الفرص والمخاطر في العلاقات الأمريكية التركية في حقبة أوباما، وكان أهم ما جاء في خطبته هو أن المسار الذي انتهجته تركيا في العلاقات الخارجية مع إيران وفلسطين والقوقاز والعديد من مناطق العالم الأخرى أصبح يسبب قلقًا للولايات المتحدة وإدارتها الجديدة بقيادة الرئيس باراك أوباما.
فعلى سبيل المثال أظهرت إحصاءات التجارة الخارجية أن العلاقات التجارية التركية الروسية تخطت نظيرتها مع الولايات المتحدة، وأكد السفير الأمريكي على أن "سياسة تركيا تجاه مأساة غزة أفقدتها صفة الوسيط النزيه حتى قبل وقت طويل من حادثة دافوس مع الرئيس "الإسرائيلي" شيمون بيريز وترك إردوغان للمنصة"، وقال السفير الأمريكي الأسبق لدى تركيا أنه في الفترة القادمة من المقرر أن تتصاعد العقوبات والحظر الاقتصادي ضد إيران في إطار محاولات المجتمع الدولي لحل معضلة النووي الإيراني، وأن تركيا يجب عليها أن تتخذ قرارت كعضو في مجلس الأمن، وأضاف الدبلوماسي الأمريكي الخبير أن السياسة الخارجية المغرقة في الثقة التي تنتهجها تركيا لها العديد من المزايا، ولكنها أيضًا تحتوي على مخاطر جسيمة.
وجاء الرد على خطبة السفير الأمريكي من أحد المتخصصين في السياسة الخارجية في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم وهو سوات كينيكليوجلو والذي أكد على أن هناك مشكلة هامة بدأت تطفو على السطح في العلاقات ما بين تركيا والغرب، وبخاصة الولايات المتحدة، وبالرغم من أنه يقول أن هذه المشكلة لا تتعلق بقضية بعينها، إلا أنه يرى أن المشكلة الأساسية هي أن أمريكا والغرب فشلوا في أن يدركوا أن تركيا اليوم ليست تركيا الأمس، وقال سوات بوضوح أنه "في الماضي عندما كانت تظهر مشكلة تتعلق بقضايا السياسة الخارجية وتمثل قلقًا لواشنطن فإنها كانت ترسل بعض المسئولين الأمريكيين لزيارة تركيا والتحدث مع بضعة من جنرالات الجيش وكانت المشكلة تحل على الفور، ولكن اليوم فإن الوضع مختلف، فإن تركيا أصبحت دولة ديموقراطية، واتضح ذلك بجلاء أثناء طلب الحكومة التركية من البرلمان السماح بمرور القوات الأمريكية لشن عمليات عسكرية في العراق في بداية الاحتلال ولكن البرلمان رفض ذلك".
وربما يجد البعض أن هذه التصريحات عن وضع تركيا في المنطقة منحازة لأن سوات عضو بالحزب الحاكم، ولكن هنا يجب أن أشير إلى أنني سمعت ملاحظات مماثلة من العديد من الدبلوماسيين الأتراك البعيدين عن السياسة والمحسوبين على التيار المعارض لحزب العدالة والتنمية، وقدم أحد هؤلاء الدبلوماسيين تقييمه بشأن السياسة الخارجية لتركيا قبل وبعد عام 2000، قائلاً: "حتى عام 2000 كانت السياسة الخارجية تعني الحفاظ على الوضع الراهن لتركيا في العالم، فعندما كانت تظهر مشكلة تهم تركيا كنا نفكر كيف يمكن أن نتغلب على هذه المشكلة بأدنى قدر من الخسائر لبلادنا، ولم نكن نبالي مطلقًا بأية أزمات لا تمسنا مباشرة، وفي أفضل الأحوال كنا نطلق بعض البيانات بشأن تلك الأزمات، ولكن بعد عام 2000 فإن تركيا لعبت دورًا نشطًا في العديد من الأزمات، وكانت تقدم حلولاً، وأصبحت الحكومة تبحث في تلك الأزمات وكيفية استغلالها كفرصة لنا، والأهم من ذلك أن تركيا كان لها اليد العليا في بعض الأزمات مثل مشكلة قبرص".
وهذه نقطة مفصلية في تحول تركيا التي لم تعد اليوم دولة من دول العالم الثالث أو دولة تابعة تقبع في الجناح الجنوبي الشرقي من الناتو فقط تذعن للأوامر التي تعطى لها، إنها أصبحت دولة ديموقراطية حتى لو كان لها بعض نقاط الضعف، إنها سادس أكبر اقتصاد في أوروبا والسابع عشر على العالم، وبسبب هذه العوامل فإن تركيا أصبحت تتمتع بالثقة بالنفس وانتهجت سياسة خارجية تتخذ المبادرة والخطوات الأولى وليست سياسة خارجية مجرد رد فعل.
كما أن تركيا عضو منتخب بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وتحظى بدعم كبير، كما أن خطواتها تراقب بدقة في المنطقة وتلعب دورًا هامًا في العديد من النقاط الساخنة من العالم، بما في ذلك لبنان وأفغانستان وفلسطين وسوريا، كما أن التعاطف الدولي الذي عبر عنه الناس في مختلف أنحاء العالم لتركيا ظهر في العديد من المسابقات مثل كأس العالم وكأس أوروبا لكرة القدم، وهو علامة على الدعم العميق والقوي لتركيا الذي تحظى به في رقعة جغرافية ممتدة من إندونيسيا إلى المغرب، كما أن رد الفعل الإيجابي ذاته حظي به رئيس الوزراء رجب طيب إردوجان في مشكلة دافوس، وهو دليل آخر على الدعم العالمي لتركيا.
وبعيدًا عن الخوض في تفاصيل السياسة التي تنتهجها تركيا فيما يتعلق بفلسطين وإيران وأرمينيا وروسيا وسوريا، فيجب علينا أن نعي لحقيقة أن تركيا لاعب إقليمي وليس عالمي، لاعب يمتلك مصالحه وأولوياته الخاصة، وتلك الحقيقة يجب أن تعترف بها أوروبا وأمريكا لكي تظل علاقاتهم مع تركيا خالية من المشكلات. وإذا كانت أوروبا وأمريكا تؤكدان على أن القيم العالمية ليست فقط للمباهاة، أفلا يجب على أوروبا وأمريكا أن تشعران بالسعادة تجاه التقدم الاقتصادي والتحول إلى الديموقراطية في تركيا وتسويتها للنزاعات الدبلوماسية في المناطق التي مثلتها؟
لكي يقوى دور تركيا الجديد فإنها يجب عليها أن تستمر في أن تكون دولة منفتحة للحوار مع الجميع، وليست دولة خاضعة للاستقطاب... إن الدولة التي تصرخ في بيئتها فقط لن يسمعها أحد في الوقت المناسب في حال اندلاع الأزمات.