تغير الأوضاع في العراق

أنطوني كوردسمان ـ مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية
ترجمة: محمد الزواوي
مفكرة الإسلام : يحقق العراق تقدمًا حقيقيًا في النواحي السياسية والأمنية والاقتصادية، وفي الوقت ذاته هناك أسباب تجعل مسئولي أمريكا وقادتها العسكريون يصفون الوضع هناك بأنه "هش"، فالعراقيون لا يزالون يواجهون تحديات جسيمة في النواحي الأمنية، فتنظيم القاعدة وميليشيات جيش المهدي يشكلان مخاطر جسيمة على أمن العراق، كما أن التوتر بين العرب والأكراد في ارتفاع، كما لا يزال التوتر الطائفي الشيعي مستمرًا، وهناك توقعات باندلاع صراعات داخلية في كل من الطوائف السنية والشيعية والكردية على السلطة، وهي التي بدأت تظهر بوادرها ويمكن أن تشكل مصدرًا جديدًا للعنف.
وكما هو الحال في الانتخابات السابقة فإن الانتخابات المحلية الناجحة التي جرت في يناير الماضي لم تمثل تقدمًا كبيرًا في جودة الحكم العراقي، فمعظم هؤلاء المنتخبين افتقدوا إلى الخبرة في السياسة وفي الحكم، لذا فإن تلك الانتخابات تعد فقط خطوة أولى في سياق الصراع المستمر المحلي والإقليمي والقومي في العراق والذي من المتوقع أن يستمر حتى الانتخابات الوطنية في أواخر 2009 أو أوائل 2010، والصراع السياسي الذي سوف يعقبها من المتوقع أن يؤدي في النهاية إلى إفراز حكومات حقيقية.
وربما أن القوات الأمنية العراقية لا تتطور بالسرعة الكافية لكي تكون مستعدة تمامًا لمواجهة الجدول الزمني الحالي لانسحاب القوات الأمريكية، فكل قوات الحلفاء سوف تغادر العراق بنهاية 2010، ولكن مشكلة تطوير قوات عراقية فاعلية يفاقهما القلاقل السياسية وعدم الاستقرار والعجز في الميزانية التي تؤثر على كافة جوانب الحكم والحياة السياسية في العراق، وقد أدى ذلك بالفعل إلى تجميد عمليات توظيف أفراد جدد للقوات المسلحة العراقية وسوف يؤثر هذا على خطط العراق بتوظيف 60 ألف جندي جديد في عام 2009 وقدرة الجيش على استيعاب أبناء العراق.
وتزامنت أزمة الميزانية العراقية مع وقف تدفق كميات كبيرة من المساعدات في الوقت الذي لم يظهر فيه العراق قدرة على الاستثمار بفاعلية في التنمية والبنية التحتية، فقد أضاع العراق سنوات من توسيع وتحديث قطاعه النفطي والآن يقلل الاستثمارات في قطاعات هامة مثل الكهرباء والمياه، فالمال بمثابة الصمغ الذي يساعد العراق على التغلب على انقساماته، لذا فإن عدم توفر السيولة يهدد الآن بتقسيم العراق وحرمانها من المكاسب التي كان يجب أن تحققها كنتيجة للتحسن الأخير في النواحي الأمنية.
وقد استخدم مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية بيانات من القوات المشتركة ومن الحكومة العراقية ومن وزارة الدفاع ومن الأمم المتحدة ووزارة الخارجية ليظهر كيف أن الأوضاع الأمنية الآن تتقدم في العراق، ونشر المركز تحليلاً للأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية والنفطية، ولكنه يظهر في الوقت ذاته أن الوضع لا يزال هشًا ويظهر أن العراق لا يزال يواجه تحديات ولكنها يمكن التغلب عليها عن طريق إجراءات مشتركة بين العراقيين بمصاحبة الدعم الأمريكي، وفي حالة العراق فإنه بحاجة إلى تقدم ملموس في الأوضاع السياسية وجهود الأفراد في تحسين جودة الحكم والقوات الأمنية وللسيطرة على التقدم الاقتصادي وبذل الجهود لزيادة الصادرات النفطية وعائداتها.
وفي حالة أمريكا فإنها بحاجة إلى فهم أن التقدم ليس الانتصار طبقًا للمفاهيم العسكرية، ولكن الولايات المتحدة بحاجة إلى أن تظهر "صبرًا استراتيجيًا". إن الولايات المتحدة يجب أن تكون حريصة على عدم تقليل مساعداتها وأن تبذل المزيد من الجهود في تشجيع الاستثمارات الخاصة في المجالات النفطية، وهي الطريقة الوحيدة على المدى القريب لزيادة عائدات العراق ولتوفير تمويلات التنمية.
كما أن الولايات المتحدة بحاجة إلى ضمان أنها تمد العراق بكافة الاستشارات والدعم المطلوب لجعل القوات الأمنية العراقية أكثر تأثيرًا، كما أنها بحاجة إلى العمل مع الولايات المتحدة والدول الأخرى لمساعدة العراقيين في تحقيق استقرارهم السياسي الداخلي وتجنب تدخل دول الجوار في شئونه الداخلية.
ويجب على الولايات المتحدة أن تعترف بأن العراق الآن يسيطر على بلاده تمامًا، وفي الوقت ذاته يجب عليها أن توفر الدعم العسكري و"المستشارين" في أي وقت تشعر الحكومة العراقية أنها بحاجة إليهم، وأن تكون لدى أمريكا الرغبة في التحرك إذا ما طلب العراق دعمًا طبقًا للاتفاقية الأمنية الاستراتيجية الموقعة بين الطرفين في عام 2008.
وهذا يتطلب أيضًا تغيرات أساسية في الطريقة التي تقيّم بها أمريكا الوضع في العراق، وربما يستغرق الأمر عقدًا من الزمان قبل أن يصل العراق إلى مستوى الاستقرار والتنمية المطلوبين لتصبح دولة مستقرة تمامًا وأن تتغلب على كافة تداعيات الحروب التي بدأت بغزو العراق لإيران في عام 1979، وأن تتخلص من بقايا المتمردين ومن العنف الطائفي الذي بدأ عام 2003.
إن الولايات المتحدة بحاجة إلى أن تساعد العراق بقدر ما تستطيع وأن تتحول من التركيز على القتال إلى إعادة البناء، وأن تركز على قياس طائفة متنوعة من محددات التقدم العراقي في نواحي السياسة والحكم والأمن والاقتصاد والتنمية نزولاً حتى مستوى المحافظات، كما أن الولايات المتحدة بحاجة إلى أن تعيد تركيز تقاريرها على مدى نجاحها في مساعدة التنمية العراقية في كل تلك المجالات السابقة، لذا فإن المهمة الأمريكية الجديدة يجب أن تكون مساعدة العراق ليصبح عراقًا من جديد.