أوباما ... والاختبارات الثلاثة في أفغانستان

جاكسون ديهل/ واشنطن بوست
ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام : فيما تزداد قوة حركة طالبان في أفغانستان بشهادة كبار القادة العسكريين الأمريكيين، وتسعى قوات الاحتلال الدولية لتعزيز تدابيرها في التصدي لها، فإن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت الإستراتيجية الجديدة بشأن أفغانستان التي أعلنها الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" الأسبوع الماضي ستحقق الهدف من ورائها أم ستلحق بسابقاتها من الخطط الأمنية الفاشلة في أفغانستان.
وتشمل الخطة الجديدةنشر 17 ألف جندي أمريكي إضافي ثم أربعة آلاف آخرين للتدريب لتصل عدد القوات الأمريكية إلى 60 ألف جندي إلى جانب 32 ألفًا من قوات حلف شمال الأطلسي "الناتو"، كما تتضمن الخطة كذلك تقديم دعم لباكستان بنحو 1.5 بليون دولار سنويًا على مدى السنوات الخمس المقبلة من اجل هزيمة تنظيم القاعدة وتفكيكه في كلٍ من أفغانستان وباكستان.
ويرى الكاتب الأمريكي "جاكسون ديهل" أن إستراتيجية أوباما في أفغانستان تنطوي على ثغرات تعد بمثابة قنابل موقوتة قد تؤدي إلى نتائج عكسية. وحاول ديهل تفنيد هذه الثغرات وتسليط الضوء على سبل معالجتها من خلال مقال له تحت عنوان: ثلاثة اختيارات في أفغانستان في انتظار أوباما
ونعرض فيما يلي نص المقال كما ورد بصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، وجاء فيه:
إن هناك ثلاثة قنابل موقوتة تكمن بالإستراتيجية الجديدة الطموحة الخاصة بأفغانستان، والتي كشف عنها الرئيس أوباما يوم الجمعة. وانفجار تلك القنابل- الذي من شأنه أن يعجز المهمة الدولية الساعية لجلب الاستقرار إلى البلاد وربما كذلك يعجز رئاسة اوباما- ليس من الحتمي حدوثه. إلا أن نزع فتيلها سوف يتطلب أداءً استثنائيًا من جانب القادة العسكريين والدبلوماسيين الأمريكيين وبعض السياسة الحاذقة من جانب الرئيس؛ وربما أيضًا قليل من حسن الحظ المدهش الذي سبق وحالف إستراتيجية "زيادة القوات" (The Surge) في العراق.
إن الفتيل الأول تضطرم نيرانه حاليًا في اتجاه موعد 20 أغسطس، أي بعد أقل من خمسة شهور من الآن. حيث من المقرر أن تجري أفغانستان في ذلك اليوم انتخابات رئاسية قد تحدد نتائجها ومدى نزاهتها ما إذا كان أغلب الشعب الأفغاني لا يزال يرى القوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي "الناتو" على نحو ودي أم لا.
في التوقيت نفسه، من المنتظر أيضًا أن يكون قد تم بالفعل نشر القوات الإضافية التي صادق عليها أوباما الشهر الماضي وقوامها 17.000 من مشاة البحرية والقوات البرية إلى جانب العديد من المستشارين المدنيين الأمريكيين وذلك في محافظتي هلمند وقندهار جنوبي أفغانستان، حيث تقوى شوكة طالبان.
وهذا الاختبار الأول له جانبان هما: هل يمكن للقوات الأمريكية الجديدة اجتثاث العدو من المناطق المترامية القريبة من الحدود مع باكستان (وهي المناطق التي يديرها المسلحون في الوقت الحالي بصورة أقرب إلى الحصانة) دون أن تبدو معتمدة على قوة مفرطة؟ ؟ وهل سيكون الأفغان آمنين بما يكفي للإدلاء بأصواتهم في انتخابات سيقدم لهم فيها خيارات بديلة عن الرئيس الحالي،"حامد كرزاي"، مع ضمان حساب أصواتهم بنزاهة؟
ويشعر القادة الأمريكيون بثقة كبيرة في أنهم قادرون على اجتياز الاختبار العسكري، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنه للمرة الأولى خلال الحرب المندلعة منذ سبع سنوات يستطيعون حشد قوات كافية لاكتساح طالبان دون الاعتماد على القوة الجوية التي تتسبب في نحو 60% من الضحايا المدنيين. أما الانتخابات فستكون أكثر صعوبة. فحكومة كرزاي ينظر إليها قطاع كبير من الشعب الأفغاني على أنها حكومة عاجزة وفاسدة، كما أن العلاقات بين كرزاي والولايات المتحدة قد تدهورت بصورة حادة في العام الماضي. بالرغم من ذلك، فإنه إلى حد ما نظرًا لعدم وجود منافسين أقوياء، يبدو من المرجح أن يفوز كرزاي بإعادة انتخابه. وإذا بدا التصويت مزيفًا،أو فاز كرزاي بولاية جديدة دون تقديم تعهد موثوق بتبني إصلاحات في البلاد، فإن الشعب الأفغاني قد يثور على نحو لا رجعة فيه ضد الحكومة المركزية ورعاتها من الأجانب.
وأكد ضابط بالجيش الأمريكي في كابول أنه: "يتعين النظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها حرة ونزيهة"، مضيفًا: "كما يجب أن يكون هناك بعض النقاش بشأن فساد كرزاي حتى يتسنى في الأيام الـ 100 الأولى في أعقاب الانتخابات أن يتم اتخاذ بعض الإجراءات الملموسة".
أما القنبلة الزمنية الثانية فهيمحددة بصيف عام 2010؛ عندما تصبح الحرب التي تعتبر الآن في واشنطن مسئولية مشتركة بين إدارتي بوش واوباما مسئولية إدارة أوباما وحدها-- سواء كانت النتائج إيجابية أو سلبية. والتقييم في كابول سيكون على أساس أن الأمريكيين والأفغان سوف يحتملون قتالاً عنيفًا نسبيًا وخسائر بشرية خلال الطقس الحار "موسم القتال" هذا العام على أمل أن تحول القوات الإضافية والإستراتيجية الجديدة زخم الحرب. ويفصح مسئول أمريكي رفيع المستوى عن قلقه قائلاً: "إذا ما انتقلنا إلى الموسم التالي للحملة ونحن مازلنا نحصد نفس النتائج ... فإننا سوف نخسر الدعم الشعبي".
إن وجود جدول زمني هو أمر شاق؛ فالجهود الضخمة والمعقدة التي ستلزم لجلب الهدوء إلى المناطق الأكثر اضطرابًا في أفغانستان-- وتشمل عمليات عسكرية، وبرامج مساعدات جديدة، وإصلاحات حكومية، ومحاولة جديدة كبرى لتقليص معاقل طالبان في باكستان -- سوف تتطلب على الأقل ما بين ثلاث إلى خمس سنوات كي تظهر نتائجهاوفقًا لتقديرات الولايات المتحدة و"الناتو".
ويعني ذلك أنه سيتعين على أوباما الوقوف في مواجهة مع المعارضين الذين سيخرجون حتمًا من كلا الحزبين، والذين سوف يرغبون في وقف حملة "مكافحة التمرد" في أفغانستان قبل أن تتاح لها الفرصة لتعمل. وهؤلاء قد يكون من بينهم مسئولين كبار بإدارة أوباما: وكان "جو بايدن"- نائب الرئيس- من بين أولئك المترددين بشان التعهد بالتزام كبير حيال بناء أفغانستان.
وهو ما يأتي بالقنبلة الثالثة والأخيرة التي ستتطلب الوقت الأكبر من أجل إبطال مفعولها. فحتى الآن لم ينجح التحالف الدولي في أفغانستان إلا في إعادة بناء مؤسسة أفغانية واحدة وهي: الجيش الوطني. فمنذ عام 2007، ينمو الجيش بوتيرة مطردة: فهناك 7.000 جندي جديد يتدربون في الوقت الحالي بقاعدة التدريب الرئيسة في كابول. كما أن أفضل خريجي المدارس الأفغانية العليا يتم تحويلهم إلى التدريب وإلى أكاديمية عسكرية جديدة على غرار أكاديمية "ويست بوينت" العسكرية الأمريكية.
وتظهر استطلاعات الرأي أن الجيش هو المؤسسة الأكثر شعبية في أفغانستان. ويقول زير الدفاع الأفغاني "عبد الرحيم ورداك" بفخر إن: "الجيش ... هو الدليل المادي على وجود أفغانستان جديدة".
وهذا أمر جيد، غير أنه لم تكن هناك جهود مماثلة موجهة لبناء قدرة الحكومة الأفغانية والنظام القضائي. وكذلك فإن محاولة إعادة بناء جهاز الشرطة قد بدأت عجلتها للتو في الدوران بسرعة وذلك بعد عدة بدايات خاطئة. وتنص الإستراتيجية الجديدة على مضاعفة عدد موظفي السفارة الأمريكية وبذل جهود كبيرة لتعزيز المؤسسات المدنية. إلا أنه في الوقت الراهن، فإن أفغانستان تبرز كدولة ذات جيش مدرب أمريكيًا من شأنه أن يهيمن على جميع المؤسسات الأخرى -- وهو ما قد يكون له عواقب محتملة يمكن أن تُرى بسهولة في تاريخ الجيوش المدربة أمريكيًا في دول أمريكا اللاتينية.
ويقول دبلوماسي مقيم في كابول: "الناس هنا يعرفون كيفية حل أي مشكلة في العالم فيما عدا مشكلة الحكم- ولكن هذه هي المشكلة الأكثر أهمية "، مضيفًا: "الأمن يمكننا القيام به. التنمية يمكننا القيام بها. ولكن تلك النقطة الأخيرة- توحيد البلاد في نسيج واحد- هي التي ستصبح الجزء الأصعب". ولكن لو لم يحدث ذلك، فلن يكون هناك نجاح دائم في أفغانستان.