المتعاقدون الأجانب.. والكعكة الأفغانية

جوزيف ستورم*/ مالو إنوسينت
المصدر/ كريستيان ساينس مونيتور
ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام : كان رئيس أفغانستان "حامد كرزاي" قد أصدر مؤخرًا مرسومًا رئاسيًا مثيرًا للجدل يهدف إلى إبعاد جميع المتعاقدين الأمنيين التابعين للشركات الأمنية الخاصة عن أفغانستان هذا الخريف. وبالنظر إلى الأدلة المتصاعدة على فساد وتجاوزات متعاقدين أمريكيين تابعين للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID – وهي الموزع الحكومي الرئيسي لعقود التنمية- فإن السيد كرزاي هذه المرة قام بالشيء الصحيح. وفي الواقع، ينبغي عليه كذلك توسيع نطاق مرسومة وإبعاد جميع المتعاقدين بمشروعات التنمية عن بلاده.
وعقود التنمية هي جهود ترعاها الحكومة من أجل تحقيق الاستقرار و"إعادة الإعمار" تم الاستعانة فيها بمتعاقدين من القطاع الخاص. إلا أنه بداية من المدارس المتداعية والمباني غير المكتملة وحتى مليارات الدولارات المخصصة لمشروعات تُركت قبل إتمامها، فإن الاحتيال والفساد واسع النطاق المستوطن بعقود التنمية في أفغانستان يقوم بما هو أكثر من ترك دافعي الضرائب الأمريكيين مخدوعين و الأفغان المنهكين في خيبة أمل. فهو يعرقل جهود أولئك الذين يريدون إحداث فارق وهم: المنظمات الإنسانية غير الحكومية ذات التمويل الخاص (NGOs).
ويُحقق الادعاء العام الفيدرالي المتابع للمشروعات غير المكتملة في عقود التنمية الممولة أمريكيًا لصالح مجموعة "لويس بيرجر" بسبب ادعاءات بتقديمها فواتير متضخمة للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. ومع تولي المجموعة في الوقت الحالي لإدارة أكثر من 1.4 مليار دولار من العقود التي تمولها الوكالة في أفغانستان، فإن إمكانيات وقوع التجاوزات واسعة.
وجاءت التحقيقات الجنائية والمدنية بشأن مجموعة "لويس بيرجر" في أعقاب كشف صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" عن مشروع فاشل ممول من قبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بـ 60 مليون دولار مع شركة "بادكو"، وهي شركة متعاقدة أخرى، لتوفير القدرة الكهربائية في أفغانستان. وقام مهندس أفغاني على مقربة من المشروع بتقديم إيضاح موجز حيث قال: "هم لا يعملون بنسبة 50%. هم فقط قاموا بحفر هذا ... ثم غادروا". وكذلك كان استياء مدير الكهرباء بمقاطعة بدخشان حيث قال: "يكره الناس الآن الشركات الأمريكية من أمثال بادكو لأنهم يجلبون ملايين الدولارات ولا يفعلون شيئًا".
ومشكلات العقود الخادعة تتجاوز فكرة تضخم التكاليف أو ترك المشاريع دون إنهائها. فقد صرح "كريستوفر شايز"- وهو عضو جمهوري سابق بالكونجرس عن ولاية كونيكتيكت ورئيس مشارك بـ "لجنة العقود في زمن الحرب"- أن فريقه يتفحص قضايا تتعلق بمتعاقدين حصلوا على أموال من عمالة أجنبية لكي يسافروا بهم إلى وظائف مفترضة في دبي، إلا أن المتعاقدين قاموا بدلاً عن ذلك بإنزال العمال بقواعد جوية في أفغانستان دون وظيفة، ودون تحقيق شخصية، وبلا طريق للعودة إلى ديارهم. ونقلت صحيفة "واشنطن إكسامينر" عن أحد المسئولين أن: "المشكلة الأكبر هي أننا لا نعرف من يكونوا ولكنهم داخل منشآتنا ... وهذا يمثل خطرًا أمنيًا."
وهناك ممارسة مقلقة أخرى وهي أن طاقم المتعاقدين يخدمون لفترات قصيرة؛ حيث نادرًا ما يستمر الكثيرين منهم أكثر من عام واحد. ومع دور عمليات التدوير المتعاقبة في تقليل الانخراط، فإن هذا يتسبب حتمًا في فقدان الدروس المستفادة، والخبرة المكتسبة، وتفهم الآخر.
وثمة قضية أعمق وهي: احتكار الشراء. فالتفسير السببي الأعمق لمشكلات عقود التنمية تتلخص في مصطلح يُعرف باسم "احتكار الشراء". وخلافًا لـ "احتكار البيع"، الذي يكون فيه بائع واحد يسيطر على السوق، فإن "احتكار الشراء" يحدث عندما يواجه مشترٍ واحد- في هذه الحالة هو الحكومة الأمريكية- العديد من البائعين. ولذلك ينبغي للمشتري الوحيد أن يكون لديه القدرة على إملاء الشروط وخفض الأسعار. ولكن نظرًا لقيام الحكومة الأمريكية بتسليم مسئوليتها الرقابية، فإن هذا الهيكل المنحرف قد قدم فرصة ذهبية للمتعاقدين الذين تدعمهم الحكومة الأمريكية.
وهذه المشكلات تقف في تناقض صارخ مع عمل المنظمات الإنسانية غير الحكومية التي يمولها القطاع الخاص، والعديد منها له تاريخ طويل في أفغانستان. وعلى سبيل المثال، فقد بدأت منظمة "بعثة المساعدة الدولية" عملها في عام 1966، ومنظمة "اللجنة السويدية من أجل أفغانستان" بدأت في مطلع الثمانينات. وتمكنهما من الاستمرار خلال كلٍ من الغزو السوفيتي وحكم طالبان يعني أنهما قد حققا النجاح من خلال التركيز على عنصر حاسم واحد وهو (العلاقات). فقد أقاموا صلات بالسكان المحليين، وخدموا لفترات طويلة، وزادت الضغوط من فترات التداخل بين الموظفين الوافدين والراحلين. ولا عجب في أنهم أيضًا يتحدثون اللغات المحلية (الداري والباشتو)، ويعرفون الآداب الصحيحة المحيطة بالهواية الأفغانية القديمة- والتي هي احتساء الشاي.
والتنمية الاقتصادية هي علم اجتماعي من جانب ، وأنثروبولوجيا اجتماعية من جانب آخر. وبالتالي فهي تنطوي على العمل مع- وليس حول- السكان الأصليين. والفشل في إقامة علاقات معهم هو أكبر نقطة ضعف لأمريكا في أفغانستان. فالوعود المخلوفة، والعمل غير المكتمل، والتردد في تعلم العادات المحلية كل ذلك لا يُظهر نقص واضح في الاهتمام بالأهداف التي نتبناها فحسب، ولكن أيضًا يبدو كما لو كان ازدراء لشعب أفغانستان.
وإنهاء المعاناة في ظل استمرار منازعة الاقتصاد العالمي، سيجعل المانحين من القطاع الخاص غير قادرين على تقديم الكثير للمنظمات الإنسانية غير الحكومية فيما تواصل الحكومة الأمريكية تمويل عقود تنمية الاحتيال والفساد المتصاعد. وللأسف، ومع الموارد غير المحدودة للمتعاقدين، فإنهم يستطيعون أيضًا استنزاف مهارات أولئك الذين يتطلعون للعمل مع المنظمات غير الحكومية. وبالتالي فإن هجومًا مزدوج الجبهات تتعرض له المنظمات الإنسانية غير الحكومية في الوقت الراهن. وهذا أمر مأساوي؛ إذ أن تلك المنظمات غالبًا ما تكون الأكثر قدرة على تحسين ظروف حياة الشعب الأفغاني.
وبالطبع لا يزال الأفغان يواجهون معركة شاقة فيما يتعلق بتأمين سلامتهم واستقرارهم، واقتلاع جذور الفساد. إلا أنه من الواضح أن المتعاقدين مع الحكومة الأمريكية غارقين في حالة من سوء الإدارة ودوام الاعتمادية الفاشلة. لقد حان الوقت لكرزاي لإنهاء هذه المعاناة من خلال رسم خط آخر فوق الرمال وإصدار أمر بإبعاد جميع المقاولين المتعاقدين بمشروعات التنمية مع الحكومة الأمريكية عن أفغانستان في أقرب وقت ممكن منطقيًا.
----------------------------------------------------
*"جوزيف ستورم" هو متعاقد سابق بمشروعات التنمية، خدم في أفغانستان والسودان، أما "مالو إنوسينت" فهي محللة متخصصة في الشئون الخارجية بمعهد كاتو الأمريكي.