مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

مراجعات قادة الجهاد.. السياق والمستقبل

8 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

بسام السيد

[email protected]

مفكرة الإسلام : أثارت المراجعات التي أطلقها بعض قادة تنظيم الجهاد في السجون المصرية، والتي بدأت عدد من الصحف نشر نصها وإفراد صفحات لها، جدلاً واسعًا ونقاشات مطولة بين كثير من المحللين والمتابعين، بل بين أفراد الحركة الإسلامية أنفسهم، والمحور الذي تدور حوله هذه المساجلات يتعلق بمدى تفاعل من عُرفوا باسم الجهاديين مع هذه المبادرة، وهل ستجد هذه المراجعات صدى لديهم؟

لكن قبل الإجابة على هذا التساؤل هناك عدد من المقدمات تساعد في فهم طبيعة هذه المراجعات، ومن ثَم يمكننا استشراف مستقبلها.

1ـ مبادرة الجهاد فكرية في المقام الأول

النقطة الأولى تتعلق بطبيعة هذه المراجعات، فمراجعات الجهاد فكرية في الأساس -كما أعلن عنها - ، وليست مراجعات تنظيمية أو حركية.

فالشيخ "سيد إمام" الذي قاد هذه المراجعات أعلن أنه انفصل عن تنظيم الجهاد منذ عام 1993م، بل وانتقد التنظيم في مقدمة كتابه "الجامع في طلب العلم"، الطبعة الثانية ؛ وبالتالي يرى البعض أنه لا يمكن ربط هذه المراجعات بالجماعة المنفصل عنها ؛ وبالتالي هي مراجعات فكرية أصدرها عدد من القادة التاريخيين السابقين ..

لاشك أن لهذه المراجعات أهمية كبرىفي تعديل الرؤية لدى كثير من أصحاب الأفكار الجهادية من هذا الاتجاه ولكن تكمن أهمية هذه المراجعات في طابعها الفكري باعتبار أن "إمام" له تأثيره الكبير في الجهاديين كتأثير فكري في المقام الأول فهو المنظّر الحقيقي للفكر الجهادي منذ البداية ، بل إن كتابه الضخم "العمدة في إعداد العدة"، والذي يقع في حوالي ألف صفحة، قد يكون المرجع الأساسي لجماعة الجهاد المصري، ولجماعات جهادية أخرى على رأسها القاعدة، التي تأثرت بأفكاره، وهذا ما عبّر "إمام" عنه بقوله: "لا يجوز الرفض المسبق لما ورد في هذه الوثيقة بحجة أنها كتبت في السجن، أو بدعوى أنه لا ولاية للأسير، فأنا لم أدعِ الولاية على أحد ولا ألزم أحدًا برأيي باسم طاعة القيادة، فهذا شيء لا وجود له، ولا أدعي أهلية الفتوى ولا الاجتهاد، وإنما أنا مجرد ناقل علم"، ويقول: "أحبّ أن أنبّه على أن المكتوب في هـذا الكتـاب لا يعـبّر عن رأي حزب معين أو جماعة معينة، بل لا يعبّر إلا عن رأي صاحب الكتاب، هذا فضلاً عن أنني لا أنتمي إلى أي حزب أو جماعة؛ ولهذا فإن ما في هذا الكتاب هو وجهة نظر باحث محايد لا يبتغي إلا الحق بإذن الله تعالى".

هذه المرجعات بهذا التوصيف تختلف عن مراجعات الجماعة الإسلامية المصرية، التي قادها قادة الجماعة، والذين يشكلون مجلس شورى الجماعة، وكانت توجهاتهم الجديدة بوقف الأعمال المسلحة بمثابة أوامر تنظيمية في الأساس، وليس معنى هذا أن أفراد الجماعة لم يقتنعوا فكريًا بمراجعات قادتهم، لكن المراجعات الفكرية جاءت لاحقة على الأوامر التنظيمية .

ويمكننا أن نقارن في هذا الصدد بين الطريقة والصياغة التي تم الإعلان بها عن مبادرة الجماعة ومبادرات الجهاد، فالأولى جاءت في صورة بيان ألقاه أحد شباب الجماعة في إحدى المحاكم العسكرية يعلن من خلاله وقف العمليات دون قيد أو شرط ، وكان هذا البيان بمثابة أوامر من القيادة لأفراد الجماعة بوقف العمليات، ثم بعد هذا البيان بخمس سنوات صدرت مراجعات الجماعة وخلال هذه الفترة توقفت العمليات المسلحة - بحسب ماأعلنه قادة الجماعة - أي قبل صدور الكتب الأربعة، ما عدا حادثة الأقصر التي قيل وقتها أن المجموعة التي نفذتها فقدت اتصالها بالقيادة في الخارج، بينما الإعلان عن مبادرة "إمام" جاء في سياق تصحيح لبعض المفاهيم المغلوطة والخاطئة التي استقاها بعض الشباب من كتبه ، ولم يدركوا مراده منها؛ بالتالي فسوف يُصدر وثيقة يوضح فيها ما التبس على هؤلاء الشباب، وهي الوثيقة التي صدرت بعد ذلك على حلقات في صحيفة الجريدة الكويتية وصحيفة المصري اليوم.

2ـ نشأة وتكوين تنظيم الجهاد تؤثر في أسلوب التعاطي مع المراجعات

نشأ تنظيم الجهاد كمجموعات مستقلة في محافظات مختلفة داخل مصر حتى تمكّن "محمد عبد السلام فرج" من توحيد هذه المجموعات لأول مرة في بداية الثمانينات، وعلى الرغم من استمرار التنظيم منذ ذلك الحين إلا أن آثار مجموعاته القديمة الأصلية استمرت واضحة على هيكله التنظيمي غير المستقر وبنيته القيادية؛ لذلك تكررت ظاهرة الانشقاقات داخل التنظيم حتى أصبحت من أهم سماته، على العكس من ذلك فالجماعة الإسلامية نشأت منذ البداية كتنظيم مركزي القيادة، وواضح التراتبية في مستوياته التنظيمية؛ وهو الأمر الذي ساهم في الحفاظ على تماسك ووحدة صف الجماعة أثناء المواجهات والمراجعات، على الرغم الفرق الكبير بين طبيعة المرحلتين، كما ساعد قيادتها بإقناع المستويات الوسيطة والقاعدية بمبادرة وقف العنف بصورة أسهل وأسرع كثيرًا من حالة تنظيم الجهاد.

هذا بجانب أنه من المشهور أن تنظيم الجهاد جماعة نخبوية بمعنى أنها تعتمد على منهج الانتقاء في اختيار أفرادها، على عكس الجماعات الشعبوية والاجتماعية كالجماعة الإسلامية؛ فالانتماء إليها متاح لجميع الفئات والمستويات والأفراد.

يضاف إلى ذلك أن تنظيم الجهاد كان يتبنى منهجا أيديولوجيا متشددا ، ويصنفه بعض المتابعين كحركة عقائدية عسكرية، وخلافات التنظيم مع الجماعة الإسلامية، والتي كانت تصنّف قبل المبادرة كحركة اجتماعية سياسية عسكرية، في الحكم على بعض الطوائف وقضايا العذر بالجهل مشهورة .

ونتيجة لهذه العوامل: (1) افتقد "الجهاد" لتماسك التنظيم والقيادة . (2) والنهج الانتقائي للأفراد، (3) والبعد العقدي في الفكر، فإن قوة وتماسك الجانب الفكري في طرح قادة الجهاد هي التي سيكون لها تأثير أكبر في كيفية تعامل الجهاديين مع المراجعات.

ـ كتبت هذه المقالة وكانت بعض الصحف قد بدأت في نشر الحلقات الأولى من "وثيقة ترشيد العمل الجهادي"، والتي تتضمن مراجعات قادة الجهاد.

3ـ مسار العمل المسلح والمراجعات

المتابع المدقق لتنظيم الجهاد في العقد الأخير يكاد يجزم بأن التنظيم بمعناه وصورته القديمة قد انتهى، ولم يعد له وجود بعد فبراير من عام 1998؛ عندما انضمت قيادات تاريخية ـ من أبرزها "أيمن الظواهري" ـ لتنظيم القاعدة, ولجأ آخرون لبعض الدول الأوروبية. وكان قبلها قد أُعلن بشكل غير رسمي وقف العمليات في مصر بعد أن توصّل القيادات لقناعة مفادها أن الهجمات التي شنها عناصر الجهاد كبّدت التنظيم خسائر كبيرة، وأدت لاعتقال العديد من الشباب، وقتل أيضًا العديد من القيادات الكبيرة مثل "عادل عوض"، الذي كان من انشط الشخصيات في جماعة الجهاد، ولم يتحقق من ذلك أية نتيجة تُذكر.

نشأ بعد هذه المرحلة جيل جديد من المسلحين ، وهو ما يطلق عليه البعض الجيل الثالث , وأبرز ملامح هذا الجيل الفردانية، حيث يتبنى الفرد الفكر الجهادي بمعزل عن التنظيمات والجماعات؛ من خلال بعض الدراسات التي تعج بها شبكة الإنترنت، أو من خلال بعض المواقع الإلكترونية، أو بعض البرامج الحوارية في الفضائيات، وتظل القضية الجهادية تتفاعل مع هذا الفرد حتى يبدأ في التفكير في الانتقال إلى مرحلة الفعل من خلال تلقي تدريبات وإرشادات عملية , وقد يكون ذلك عبر الشبكة العنكبوتية أو التفاعل بأسماء حركية ومستعارة مع غيره , وكثير من العمليات المسلحة التي وقعت في عدد من البلدان الإسلامية هي نتاج لهذا النموذج الجديد البعيد كل البعد عن سطوة التنظيم أو الجماعة، وعلى الرغم من صعوبة السيطرة على هذا النموذج إلا أن الطبيعة الفردانية تلك تعطيه مساحة أكبر من الحرية للأفراد تجعل من السهل تغيير وتعديل أفكارهم في حال وجدوا طرحًا فكريًا قويًا ومتماسكًا ينقد ما يتبنون من أطروحات.

هذه المقدمات الثلاث تقودنا إلى عدد من الملاحظات نرى أنها تحدد مستقبل مراجعات الجهاد:

1ـ هناك بعض الصعوبات التي تواجه مراجعات قادة الجهاد، وتعود هذه الصعوبات في الأساس إلى طبيعة وتكوين هذه التيارات ؛ وهذا ما يفسر ما نشرته الحياة اللندنية عن رفض (30) من كوادر الجهاد للمراجعات؛ ما دفع السلطات المصرية لعزلهم، وهو سلوك من السلطات المصرية قد يرى البعض أنه قد لا يساعد في التفاعل الإيجابي مع المبادرة، بل قد يؤيد بعض الشكوك التي يثيرها المعترضون عليها من أنها كتبت تحت وطأة السجن والضغوط الأمنية؛ لذلك فنحن نرى أن هذا الإجراء يخدم في المقام الأول المعترضين على المبادرة، وهذا يقودنا إلى الملاحظة الثانية.

2ـ اتجاه بعض التيارات للعنف داخل المجتمعات الإسلامية تتحمل جزءًا كبيرًا منه سياسات التعامل مع تلك التيارات بتضييقها على العمل الإسلامي السلمي، وانتهاج سياسيات قد تدفع لحالة من الاحتقان، فاتجاه حركة ما أو تنظيم للعنف لا بد من النظر له ضمن سياقاته الاجتماعية والسياسية بجانب بعده الفكري. وهنا نؤكد على نقطة غاية في الأهمية، وهي أن تسليم الإسلاميين ببعض الأخطاء لا يعني بالضرورة التسليم بصواب ممارسات السلطة، وهنا نرى مراقبين قريبين يطالبون السلطات بمنح حركة المراجعات قوة دفع فيما لو أرادت فعلاً نجاحها؛ من خلال زيادة جرعة الحريات لأفراد العمل الإسلامي السلمي .

ونذكّر هنا أن العنف توارى في فترة الثمانينيات نتيجة لأن النظام السياسي اتسم بقدر كبير من التسامح تجاه القوى السياسية بما في ذلك القوى الإسلامية والتيار الجهادي، على العكس مما بعد ذلك

3ـ بقدر ما تحمله المراجعات من رؤى إصلاحية مستقبلية قابلة للتنفيذ في الواقع الذي تحياه الأمة ستكون درجة التفاعل الإيجابي معها؛ إذ أن مراجعات الحركات الإسلامية تقع في مزلق خطير عندما تركّز بصورة أساسية على هدم الماضي دون إيجاد منهج تغييري سلمي مناسب يكون بديلا لهذا الماضي المليء بالأخطاء، هذا الغياب لطرح البدائل سوف يوظّف الخطاب النقدي ـ شعروا أصحابه أو لم يشعروا ـ في أهداف ومشاريع مناقضة للظاهرة الإسلامية؛ ومن ثَم سيكون التفاعل مع المراجعات ضعيفا، لكن مع طرح خطاب بديل سيترسخ لدى المتلقي أن نقد الماضي ليس لإقرار الواقع المأزوم، بل هو يهدف في الأساس لإيجاد مخرج من الأزمة التي فشلت التيارات الجهادية في التغلّب عليها؛ ومن ثَم ستحظى المراجعات بمصداقية، خاصة إذا وضعنا في حسابنا التوتر والحساسية الشديدة التي تتعامل بها الشخصية الجهادية مع النقد، وتعاظم الشعور بالاضطهاد لديها.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 25 نوفمبر 2007
  1. في عام واحد.. رجال الحسبة يضبطون 59 ألف شخص في قضايا أخلاقيةأفاد التقرير السنوي للرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية بأن عدد الذين تم ضبطهم في قضايا أخلاقية في عام واحد من قِبل رجال الهيئة بلغ 59316 شخصًا. وأوضح التقرير أن عدد الذين تم ضبطهم من قِبل رجال الحسبة في قضايا مالسعودية · 1 د قراءة
  2. نوكيا تعلن عن هاتفها الجديد Nokia N82أعلنت شركة نوكيا في بيان رسمي صدر عنها طرح "نوكيا إن 82" (Nokia N82) في الأسواق. ويعتبر "نوكيا إن 82" (Nokia N82) أحد اقوي سلسلة نوكيا نسيريس (Nseris Nokia) ويتميز بوزن 120 جرام وأبعاد 112×50.2×17.3 ملليمتر. وتصل دقة حجم الصور إلى 5 ميجابيكعلوم و صحة · 1 د قراءة
  3. كارثة تسونامي16 من ذي القعدة 1425هـ ـ 28 ديسمبر 2004م مفكرة الإسلام: إنها واحدة من أكبر الكوارث البحرية التي شهدها العالم في هذا العصر، وذلك عندما وقع زلزال ضخم بقوة 9 ريختر تحت سطح المحيط الهادي في منطقة جنوبي شرق قارة آسيا، فأدى هذا الزلزال الرهيب لظاحدث في مثل هذا اليوم · 1 د قراءة
  4. كوشنير يشير لحل للأزمة اللبنانية خلال أيام معدودةمفكرة الاسلام: قال وزير الخارجية الفرنسي "برنارد كوشنير"، السبت، إنه لا يزال متفائلاً حول الموقف في لبنان، مشيرًا إلى وجود "تطورات مرضية" ستحدث هناك خلال الأيام القليلة المقبلة. وحسب وكالة الأنباء الكويتية، حذر كوشنير في تصريحات صحافية من مالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  5. يديعوت: عقب أنابوليس .. عباس يدخل غزة على أكتاف "الإسرائيليين"مفكرة الاسلام: كشفت صحيفة صهيونية عن اتفاق بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت على اجتياح قطاع غزة عقب انتهاء مؤتمر أنابوليس. وأشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أن الاتفاق الذي شارك فيه أيضًا وزير الدفاع الصهيالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  6. حماس تتهم السلطة بمساعدة الاحتلال على اعتقال عناصرهامفكرة الاسلام: كشف أسرى من حركة حماس أن جميع محاضر التحقيقات والأقوال التي سبق أن أدلوا بها خلال اعتقالهم لدى الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية نقلت إلى مكاتب التحقيق لدى الاحتلال. وقالت حركة حماس في بيان لها: المعلومات الأمنية الالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: مراجعات قادة الجهاد.. السياق والمستقبل