مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

فازت حماس وخسرت الجبهة.. فماذا بعد؟!

7 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

عصام زيدان

Essam_zedan30@hotmail.com

مفكرة الاسلام: ما بين النجاح الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية السابقة, والتي قادتها إلى تشكيل الوزارة للمرة الأولى, وما بين الهزيمة المنكرة للإسلاميين في الانتخابات النيابية الأردنية الأخيرة قاسم مشترك رغم اختلاف الشعور الأولى والنتيجة الختامية في الحالتين.

فقد وُصف فوز حماس حينها بأنه بداية لـ"تسونامي" إسلامي يهز أركان القصور المشيدة من حديد عنيد استعصى على مدار سنوات طوال عن اللين مع صعود التيار الإسلامي, وها قد بدأ يذوب من فرط القوة الصاعدة التي لا يستطيع أن يوقفها شيء لأنها تستمد عزمها من الشارع المتلاحم حول قضيتها.

بينما وصف سقوط 16 مرشحًا من مجموع 22 مرشحًا لـ"جبهة العمل الإسلامي" ـ الذراع السياسي للإخوان المسلمين في الأردن ـ ونجاح ستة مرشحين فقط، مقارنة بنجاح 17 مرشحًا في انتخابات 2003 بأنه بداية السقوط المروع لتجربة الإسلام السياسي, وغذى ذلك المنحى رأيه, ودعم توجهه بإخفاق حزب العدالة والتنمية المغربي في تحقيق عدد المقاعد المتوقعة له وبالحصول على الأغلبية في الانتخابات النيابية الأخيرة.

وقبيل الحديث عن العلاقة القسمية بين التجربتين, نجد أنفسنا أمام مبالغة غير خافية تلبست بالحالتين, حتى كادت أن تُغشي عين البصيرة السياسية في رؤية ما وراءهما من خطر يهدد لا نقول حقول الأنظمة الحالية التي تحوطها أنياب بارزة, وسياج ملتهبة, ولكن في حقيقتها تزلزل خضراء مكتسبات الحركات الإسلامية تضعها على فوهة أنبوب ضيق خانق لا مخرج له.

المبالغة من أين تأتي؟!

برأينا أن ثمة تغافلاً أو على التحقيق غفلة عما وراء الفوز الـ"تسونامي" الحماسي, و"النكسة" التي منيت بها جبهة العمل الإسلامي الأردنية, وتجاوز للحقيقة حينما ننسب النصر أو الانتكاسة لأسباب فقط متعلقة بهذه الحركة أو تلك دون النظر للمعطيات الأخرى المحيطة.

فلا الفوز الأول ناجم فقط عن قوة حماس الذاتية بعيدًا عن الرواق المجتمعي والمزاج العام الذي استدعى الشعور الديني فمهد الطريق أمام الحركة لتمشي بخطى قلقلة ناحية التتويج الوزاري, ولا الانتكاسة التي منيت بها جبهة العمل الإسلامي بالأردن تعبر وفقط عن ضعف وتشرذم اعترى الحركة بمعزل عن المتغيرات الإقليمية والدولية التي حركت موقف الأردن ليأخذ مكانه الرئيس في محور الاعتدال الذي صاغته الولايات المتحدة مؤخرًا, كونه يتفهم ربما أكثر من غيره متى يكون الوقت مناسبًا لإطلاق الفزاعة الإسلامية ومتى تحتم المتغيرات وربما التطلعات الخارجية إدخالها في السرداب المظلم.

فهذا المحسوب على أنه انتصار وذلك الموسوم بالانكسار كلاهما امتزجت فيه عوامل محلية وإقليمية ورؤية سياسية خارجية, مع أخرى لصيقة بالحركة الإسلامية ذاتها.

أي أن الحركة الإسلامية في الأردن بإشكالياتها الداخلية وبكل ملابساتها الذاتية ومعوقاتها الهيكلية هي إحدى العوامل المؤثرة في النتيجة المنكسرة, ولا يمكن اعتبارها من رقعة التحليل السياسي العامل الوحيد, وكذا فإن قوة حماس المرتكزة على مرجعيتها الدينية, وقدرتها الخطابية والدعوية والتصاقها بالشارع وترجمتها لتطلعات التحرير بعمليات المقاومة لا يمكن أن نعول عليه وحده باعتباره الدافع لهذا النصر الانتخابي.

فازت حماس وخسرت الجبهة.. فماذا بعد؟!

من المنظور التكتيكي القريب ربما يكون من الأهمية بمكان للتجربة الإسلامية في الأردن والمغرب أن تراجع الأسباب الداخلية التي أسفرت عن هذا الانحسار والذي يرجعه البعض ـ خاصة في الحالة الأردنية ـ إلى تشرذم داخلي, وتطاحن فكري بين من يوصفون بالراديكاليين ومن يحسبون على الإصلاحيين.

ولكن بالمنظور الاستراتيجي على الحركة الإسلامية في العالم العربي أن تراجع موقفها من الممارسة السياسية وحصاد عملها في الحقل السياسي لتتحسس موضع أقدامها وترسم من جديد مسارها, وليس هذا من باب التعوذ من السياسية أهلها ولا دعوة للانكفاء على الذات وترك الحقل السياسي العام خالي الوفاض من منابر إسلامية حصيفة, ولكننا نرى أن الحالة الإسلامية في عالمنا العربي تحتاج إلى قدح ذهني يقيم تجربتها السياسية بعيدًا عن حماسيات الشباب وردود الأفعال التي يصمت حينها الفكر ويتنحى عندها العقل.

فمن الواضح أن الحركة الإسلامية استدرجت إلى المعركة الغلط في التوقيت الخطأ, وانساقت كثيرًا وراء العمل السياسي, وجرفتها رياح اليوميات المتحركة, والمتغيرات المتلاحقة عن رؤية مواطن الزلل ونقطة الانحراف الآخذة في الاتساع بين منهجها التنظيري وواقعها العملي.

فأين حماس قبل "تسونامي" الانتخابات التي ألهبت ظهر "إسرائيل" بعملياتها الباسلة كحركة مقاومة لا هدف لها غير مجابهة العدو المغتصب والحفاظ على روح التحرير تسري في دماء الشعب تشعل نار المقاومة حينًا بعد حين, عينها على الثوابت لا تغمض, وقدمها على الطريق لا تخطئ, من حماس التي أدخلت نفسها في جحر العمل السياسي وتوازناته التي لا تنتهي ففقدت كثيرًا من رونقها المقاوم, وخسرت فلسطين إلى حين ذراعًا قويًا لطالما أبكى العدو وأثخن جراحه... فهل حقًا فازت حماس؟!

نعم حصدت حماس أصوات الناخبين وثقتهم, وحققت من وراء صنيعها السياسي نجاحات, ولكنها لا تعدو أن تكون تكتيكات تباعدت في مقابلها عن مشروعها الرئيس في انحنائه نرجو لها أن تلتفت إليها وتعاود تصحيح مسارها لينطبق واقعها مع مشروعها.

وكذا جبهة العمل الإسلامي في الأردن, أشعلت بلادها بالحديث عن تجاوزات وخروقات متعددة لاحقت العملية الانتخابية وكانت سببًا في هزيمتها, وقد يكون ذلك صحيحًا إلى حد ما, ولكن هزيمة الداخل المنقسم لهي أشد وطئًا وأبعد أثرًا من برلمان عمره مرهون بكلمة وقراره لا يتجاوز محله, والأعظم من ذلك كله أن يغيب المشروع الكلي بكافة جوانبه في سكرة العمل السياسي وتداعياته, ثم لا تجني الحركة إلا حصاد الهشيم.

إشكاليات العمل السياسي في الحركة الإسلامية:

نشير في معرض هذا الحديث إلى بعض الإشكاليات الملاصقة للعمل السياسي لدى بعض فصائل الحركة الإسلامية في مجموعة من النقاط المركزة:

1ـ جوهر التحدي وطبيعة المعركة:

لاشك أن بالحركات الإسلامية المعنية قيادات على مستوى عالٍ من الكفاءة وبعد النظر, ولكن المشكلة أن غالب تلك القيادات نشأت على مفهوم الجماعة السياسية, وتربت تربية سياسية منغلقة, فباتت ترى الأمور من حولها وتزنها بمنظور التحدي السياسي وحده, باعتباره جوهر الصراع, ونست في خضم المواجهات اليومية أن رسم المسار الاستراتيجي يحتاج إلى عدة آليات, ومزيد من التكتيكات, الأمر الذي يجعل قرارها في يدها لا في يد السلطات التي إن شاء أعطت ومنحت وإن شاءت منعت وقطعت.

2ـ فشل الرهان الاستراتيجي:

توقفت بوصلة بعض فصائل الحركة الإسلامية عند مؤشر العمل السياسي, وجعلت رهانها الوحيد هو التغيير السياسي, بيد أن هذا المسار في الوطن العربي للأسف مغلق منذ أمد ولا تبدو في الأفق أية بادرة لحلحلته لظروف ومعطيات داخلية وخارجية معلومة.

فالعمل السياسي الذي جعلته بعض الحركات رهانها الاستراتيجي لم يستطع أن يحقق لها الأهداف والشعارات التي رفعتها, ومن ثم وجد الإسلاميون أنفسهم أمام خيارات صعبة تبدأ بضرورة الانقياد للرغبة الخارجية, وتنتهي بالمغامرة والدخول في صراع مع الأنظمة القائمة, وهي مهلكة لا طائل من ورائها.

3ـ اختزال المشروع الإصلاحي في إصلاح سياسي:

أغرت النجاحات المحدودة التي حققها الإسلاميون في الميدان السياسي بالمزيد منه والاندفاع فيه, دون إدراك كافٍ لخطورة وتضخم هذا الشق, على الرغم من أن بناءها النظري يحمل أطروحة تغييرية وإصلاحية شاملة, والمجال السياسي أحد مكوناته وفروعه بينما جذره الفكري تغذيه فكرة التغيير المجتمعي, وهو ما يتوجب معه أن تكون الأطر الأخرى خادمة له باعتباره مفهوم الأساس وركيزة التغيير, وهو الوضع الذي نراه الآن منكسًا, حيث الجانب الدعوي والاجتماعي بل والاقتصادي يستغل كوقود للصراع السياسي.

فالطرح السياسي المتعاظم اختزل المشروع الإسلامي باعتباره مشروعًا شاملاً يستهدف إصلاح حال الأمة إلى جانب سياسي يتمحور حول السلطة, وهو بلا شك ترك آثاره السلبية على الجوانب المتكاملة للإصلاح والتي نادت بها تلك الحركات في أطروحاتها النظرية.

4ـ الاستخفاف بموازين القوى الفعلية:

الاستخفاف الذي تبديه الحركة الإسلامية تجاه السلطات النافذة تعكس جهلاً واضحًا بموازين القوى السياسية, وهو ما انعكس بدوره على الخلط بين مفهوم "المعارضة" للسلطة باعتباره تكتيكًا لأهداف استراتيجية, ومفهوم "الصراع" مع السلطة باعتباره خيارًا استراتيجيًا.

وحقيقة يجب أن تختمر في ذهن قادة الحركات الإسلامية جيدًا, وهي أن أولئك الماسكين بزمام السلطة, متمسكون بها ولا تراودهم على الإطلاق فكرة التنحي أو ترك الخصم تنمو أظافره ليدخل معها في منافسة حقيقية, وعليه فلا سبيل إلا التغيير المجتمعي الذي بمقدوره أن يعدل المسار التاريخي للأمة.

في النهاية كان لابد من الالتفات إلى أنه لا نكير على أن تدخل الحركة الإسلامية المعترك السياسي, ولكن الإنكار على الدخول فيه دون معرفة حقيقية بميزان القوى الفاعلة في المجتمع, والانسياق وراء يومياته بحيث يغدو هو الخيار الاستراتيجي للحركة الإسلامية وتعلو أسهمه وقيمته النسبية بالمقارنة بأطر التغيير الأخرى لاسيما الاجتماعية منها.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 1 ديسمبر 2007
  1. حوار مع مدير المباحث العامة بغزة حسن الجماصيمن هو حسن الجماصي؟ حسن الجماصي 34 عامًا مدير المباحث العامة حاليًا بشرطة غزة، والذي حكم عليه بالسجن في سجون الاحتلال 258 عامًا لمشاركته في هجوم قتل فيه إسرائيليون أمضى منها 5 سنوات ثم أفرج عنه بعد ذلك وعين بعد الإفراج عنه في قسم المباحث بالمختارات وحوارات · 6 د قراءة
  2. مشروع "أنابوليس"..الانسحاب أفضل!الخبر: مفكرة الإسلام : سحبت الولايات المتحدة مشروع القرار الذي قُدّم إلى مجلس الأمن الدولي تحت ستار دعم تحريك عملية السلام في الشرق الأوسط التي أُطلقت في أنابوليس، بعد احتجاج "إسرائيل" التعليق: كتبه/ علي صلاح في صفعة جديدة للحالمين بالسلام حدث وتعليق · 2 د قراءة
  3. احتجاجات لبدو سيناء ضد "تحرشات الشرطة" قرب الحدود مع غزةخرجت تظاهرة للبدو في مدينة سيناء المصرية؛ احتجاجًا على "تحرشات الشرطة وتهميش البدو في المنطقة"، وذلك في إطار سلسلة احتجاجات للبدو خلال السنوات الماضية في عدة مناطق بسيناء. وقال المتظاهرون إن الشرطة المصرية قتلت فتى في الخامسة عشرة من عمره خالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  4. "سرايا القدس" توقع إصابات في صفوف الاحتلال شرق خان يونسأعلنت "سرايا القدس" الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين مسئوليتها عن إيقاع إصابات مباشرة في صفوف جنود الاحتلال في اشتباكات عنيفة نشبت بين الجانبين شرق خان يونس. وقالت السرايا في بيان لها: إن "اشتباكات عنيفة جرت مع قوة عسكرية "إسرالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  5. إيران تدعو إلى تحييد الأمم المتحدة في قضيتها النوويةدعت إيران مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، يوم الجمعة، إلى عدم التدخل في النزاع الدولي المترتب على برنامجها النووي. وفي رسالة إلى مجلس الأمن الدولي أكد وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي أن برنامج بلاده النووي هو برنامج سلمي محض وقالآسيا واستراليا · 1 د قراءة
  6. الشرطة المصرية تمنع قافلة تضامنية من الوصول إلى قطاع غزةكشف مصدر في الشرطة أن صدامات وقعت يوم الجمعة بين أجهزة الأمن وناشطين مصريين في سيناء بعد منع قافلة تضامن مع الفلسطينيين من التوجه إلى قطاع غزة. وقال المصدر إن نحو 250 من المواطنين والنقابيين المصريين جرت محاصرتهم من قبل مئات من عناصر الشرطةالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: فازت حماس وخسرت الجبهة.. فماذا بعد؟!