زيارة بوش..هل هناك مجال للسرية؟

عصام زيدان
Essam_zedan30@hotmail.com
تكتسب الزيارة التي يقوم بها الرئيس الأمريكي جورج بوش أهميتها النسبية من حيث كونها الأولى التي يقوم بها إلى منطقة الشرق الأوسط خلال فترة رئاسته للبيت الأبيض، والتي قاربت على الانتهاء، وفي ظل أجواء مشحونة في المنطقة وملفات عالقة تتعدد مسارات حلها وتأخذ مروحية متباعدة الأطراف تبدأ من الحل التوافقي السلمي ولا تنتهي عند مجرد الحوار بالرصاصات والدماء، بل قد تمتد لحرب عالمية ثالثة بحسب المنظور الأمريكي لتلك الأحداث.
ولم يدعْ الرئيس الأمريكي ولا أركان إدارته مجالاً للتخمين بشأن أجندة الجولة التي تشمل في بدايتها "إسرائيل" ثم بعض الدول العربية، التي يجمعها وصف "محور الاعتدال" وهي مصر والإمارات والسعودية إضافة إلى الكويت والبحرين، في مواجهة محور الشر الإقليمي بضلعيه السوري والإيراني.
فقد استبق بوش زيارته بتصريحات أكد فيها أن تلك الجولة تستهدف دفع الجهود من أجل التوصل لاتفاق سلام بين "الإسرائيليين" والفلسطينيين، والتأكيد على الأهمية الإستراتيجية التي توليها إدارته للشرق الأوسط على العموم ومنطقة الخليج على وجه الخصوص، وأن الولايات المتحدة لن تتخلي عن حلفائها في الخليج في مواجهة إيران.
تتركز الزيارة إذن بحسب المعلن على محورين أساسيين:
1ـ دفع عجلة التفاوض بين "الإسرائيليين" والفلسطينيين.
2ـ إيجاد الصيغة المناسبة لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.
ويمكن أن نتناول كلا المحورين، وما يمكن لزيارة بوش أن تساهم فيه، كالتالي:
أولاً: التفاوض بين "الإسرائيليين" والفلسطينيين
لا يمكن لصراع بمثل تعقيدات القضية الفلسطينية، الممتد منذ 60 عامًا، أن ينتهي أو حتى يقترب من الحل بمجرد أن يطل بوش على المنطقة بضع ساعات، فخلال السنوات السبع الماضية من عمر تلك الإدارة الأمريكية لم تكن القضية الفلسطينية محل اهتمامها، بل نراها جعلت جل عنايتها وتركيزها على ما يسمى بالحرب على الإرهاب.
وهذا ما أعلنته وأكدت عليه وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس صراحة في حوار مع هيئة الإذاعة البريطانية (8/1/2008) من أن الزيارة هي فقط مجرد "إعطاء دفعة معنوية لعملية السلام"، ولا يمكن أن تحل تلك القضية من خلال زيارة.
فالقضية الفلسطينية، إضافة إلى اشكالياتها الذاتية التي تراكمت على مدار السنوات الماضية، ليس من المأمول أن يتم التوصل فيها إلى حلول قريبة حتى على الطريقة السلمية التي يسير فيها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت.
فعباس من الناحية الفعلية لا يحكم إلا الضفة الغربية فقط؛ ومن ثَم لا يملك حقيقة المضي قدمًا في أي اتفاق، وأولمرت شعبيته تتدهور منذ حرب لبنان عام 2006 وحكومته الائتلافية هشة؛فكلاهما من الضعف الذي يجعلهيفشل في جمع التأييد لأي تنازلات.
كما أن القضية من المنظور "الإسرائيلي" والأمريكي لم تنضج للحل بعد، ولن تنضج إلا بعد مرور سنوات أخرى عجاف تنتهي فيها من تلقاء ذاتها قضية اللاجئين بموت "حملة المفاتيح"، والقدس من خلال التغيير الديموجرافي والكثافة الاستيطانية، ولا يبقى حينها للمفاوض الفلسطيني شيء يطالب به سوى بقعة من الأرض يعيش فيها وكفى.
وهنا يأتي السؤال: لماذا تركز الإدارة الأمريكية إذن على القضية الفلسطينية في هذا التوقيت؟ وما سر اهتمامها بها في هذه الآونة؛ بحيث تستحوذ على نصف وقت زيارة بوش للمنطقة؟
تنطلق إدارة بوش في رؤيتها للقضية الفلسطينية ومدى ارتباطها بقضايا المنطقة الأخرى من فرضية أن حل تلك القضية الفلسطينية ومحاولة فض الصراع سوف يحشد الحكومات العربية خلف الولايات المتحدة لمواجه الخطر الإيراني، ولما كان الحل ـ كما سبق وأسلفنا ـ مستعصيًا على الأطراف، ولا توجد رغبة حقيقية في إنهائه أمريكيًا وإسرائيليًا في القريب؛ لجأت الإدارة الأمريكية إلى إعطاء زخم إعلامي وهمي باهتمامها بالقضية، وأنها وضعت على قضيب الحل.
فالولايات المتحدة مدركة أنه لا حل الآن، ولا حتى في القريب المنظور، ولكنها فقط تريد تجديد عملية التفاوض وزيادة "جرعة الأمل العربية"؛ رغبة في إعادة تركيز طاقات حكومات المنطقة، وسحبها ناحية الاهتمام بالتهديدات الإيرانية؛ وهو ما قد يفسر بدء الزيارة بـ"إسرائيل" ورام الله قبل الخليج رغم أهميته التي تفوق كثيرًا القضية الفلسطينية عند الإدارة الأمريكية.
ستبقى إذن القضية الفلسطينية تراوح مكانها، وستستغل فقط خدمة لأغراض أمريكية أخرى، ومن ثَم فإن أولئك الطامعين في رؤية الحل ينسال من يد الإدارة الأمريكية، وأولئك الذين يعولون على تلك الزيارة لرؤية مولود جديد يخرج من رحم الصراع الفلسطيني "الإسرائيلي"، عليهم جميعًا أن يستفيقوا من ثباتهم فما ذلك إلا وهم مغطى.
ثانيًا: مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة
لا أحد يمكن أن يقلل من التعاون السابق بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، والذي تُرجم عمليًا وعسكريًا قبل وفي أثناء الحرب الأمريكية، التي أسفرت عن تنحية نظام طالبان في أفغانستان عام 2001، ثم في الحرب على العراق 2003؛ والتي أسفرت عن سقوط نظام الرئيس صدام حسين.
ولا جدال في هذا التعاون وغيره لكن الوضعية الإقليمية التي خلّفها سقوط النظامين السابقين، مع الطموح الإيراني في بسط النفوذ والهيمنة على الخليج، وإصرارها على المضي قدمًا في مشروع البرنامج النووي، وتقاطعها مع المشروع الأمريكي في لبنان والعراق أسفر عن شكل جديد من العلاقات المتأرجحة بين الجانبين.
فالولايات المتحدة باتت تنظر لإيران على أنها ضلع رئيس في فشل مشروعها في العراق، وأنها مسئولة مسئولية مباشرة عن عرقلة التوافق اللبناني على رئيس جديد، وتساهم إلى حد كبير بجانب المحور السوري في تصلب حركات الجهاد الفلسطينية، وأنها تُحدث خللاً في ميزان القوة بالسعي للهيمنة وامتلاك النووي؛ وهو ما يعنى أن مواجهتها أصبح أمرًا ضروريًا وحتميًا للأمن القومي الأمريكي، وأنه بات مفتاح حل العديد من قضايا المنطقة بما يتوافق والمزاج الأمريكي.
وقد عبّر عن هذا نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني في مايو الماضي من على متن حاملة الطائرات المرابطة بمياه الخليج العربي، مؤكدًا أن الولايات المتحدة سوف تقف مع حلفائها بالمنطقة في مواجهة التهديدات الإستراتيجية، وأنها سوف تعمل مع تلك الدول في منع إيران من امتلاك أسلحة الدمار الشامل والسيطرة على المنطقة.
وهو ذات المعنى الذي أكدت عليه وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، رغم تباينهما في إستراتيجية التعامل مع هذا الملف الشائك، من أن إيران تشكل التحدي الرئيس للولايات المتحدة ودول منطقة الشرق الأوسط.
وإزاء هذه الرؤية الأمريكية لقضايا المنطقة ودور إيران فيها تأتي زيارة بوش؛ حيث يسعى خلالها إلى استغلال ثقله الشخصي وبأسلوب لي الذراع لكسب مؤيدين وداعمين من المحور العربي لمواجهة هذا الطموح الإيراني.
ولكن مهمة تكوين "صف عربي" لمحاصرة إيران ومواجهتها، والتي من أجلها جاء بوش للمنطقة، أصبحت أكثر صعوبة من أي وقت مضى لعدة أسباب منها:
1ـ التقرير الذي أصدرته المخابرات الأمريكية، والذي أكد أن إيران أوقفت برنامج الأسلحة النووية في عام 2003، فيما يتناقض مع تأكيدات الرئيس الأمريكي السابقة بأن النظام الإيراني ينتهج برنامجًا لصنع قنبلة نووية.
فهذا التقرير يلقي بظلال من الشك حول الموقف الأمريكي، وبالضرورة سيترك آثاره على الخيار العربي ومدى تجاوبه مع الرغبات الأمريكية بشأن مواجهة إيران.
فبعض الدول العربية قد تنظر إلى تقرير المخابرات الأمريكية ببعض الارتياح، مفضلة الاحتواء لا المواجهة، وفي ذلك يقول "وين وايت"، نائب المدير السابق بمكتب مخابرات الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأمريكية، إن معظم اللاعبين العرب لا يريدون حقًا مواجهة مع إيران. وبوش ربما تكون لديه صعوبة في الحصول على بيانات تأييد علنية من الحلفاء العرب بشأن إيران... فالكثير من هذه الدول سيفضل الاستيعاب على المواجهة، وقد تُرجم ذلك عمليًا بالفعل في قرار السعودية دعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لأداء شعائر الحج، وهي المرة الأولى التي توجّه فيها الدعوة رسميًا إلى رئيس إيراني لأداء الحج. (رويترز8/1/2008)
2ـ لم يتبقَ لبوش في سدة الرئاسة الأمريكية إلا أشهر معدودة تجعل من المخاطرة التورّط معه وموافقته على مواجهة إيران، فغالب دول المنطقة توجه اهتمامها إلى المرشح الذي سيخلف بوشفي الرئاسة في يناير القادم.
3ـ الأنظمة العربية قد تكون قلقلة بشأن النفوذ الإيراني ولكن لكل منها مخاوفه، ورؤيته للتهديد الذي يمكن أن تشكّله إيران مستقبلاً.
فالمملكة العربية السعودية والبحرين تتخوفان من استغلال إيران العنصر الشيعي لإحداث اضطرابات داخلية، أما عن مصر والأردن فثمة خشية من أن يهدد الصعود الإيراني مكانتهما في المنطقة، والإمارات لها نزاع جغرافي مع إيران يتمثل في الجزر المحتلة، وبقية الدول الخليجية لا تعاني من مشكلة حقيقة مع إيران حتى الآن.
ومن الصعب التغلب على هذا التباين وصهره في بوتقة واحدة لمواجهة النفوذ الإيراني؛ خاصة وأن الأنظمة العربية ـ وخاصة في الخليج ـ تتوجس من التصعيد الأمريكي وما زالت تجربة العراق ساخنة ودماؤها لم تجف بعد.