هل تحل القاذفات الإستراتيجية أزمة الاحتلال في العراق؟!

مفكرة الإسلام:
كتبه / علي صلاح
هي حرب صليبية قالها بوش وأكدها مسئولو إدارته ليس فقط بالكلام ولكن بالأفعال، لكنها حرب لا أخلاقية أيضًا، فالدولة التي قذفت المدنيين بالقنبلة النووية في هيروشيما ونجازاكي في الحرب العالمية الثانية خوفًا من خسارتها للحرب وقتلت وشوهت عشرات الآلاف منهم يمكن أن تفعل أي شيء لحفظ ماء وجهها الذي أوشك على الانسكاب إلى آخر قطرة في العراق.. الإدارة الأمريكية غير مستعدة للاعتراف بهزيمة في العراق وهي على وشك الرحيل فيلتصق بها العار طوال التاريخ كما هو الحال في حرب فيتنام التي ما زالت تلقي بظلالها القاتمة على المجتمع الأمريكي بأسره, ومن هنا كان استخدام الاحتلال للقاذفات الإستراتيجية- وهي قاذفات تتميزبإمكاناتها الضخمة وقدرتها على التخفي والمناورة وحمل الأطنان منالقنابل في الحمولة الواحدة - للمرة الأولى منذ أن أعلن الرئيس جورج بوش نهاية العمليات العسكرية في العراق في يونيو 2003، حيث نقلت وكالات الأنباء أن جيش الاحتلال أعلن أن مقاتلاته قصفت حوالي أربعين موقعًا وصفها بأنها ملاذ آمن لتنظيم القاعدة في ضواحي بغداد الجنوبية. وأشار بيان عسكري لجيش الاحتلال إلى أن "مقاتلات من طراز "بي -1" و "إف 18" قصفت لمدة عشر دقائق حوالي أربعين هدفًا في منطقة "عرب جبور". وصرح الكونولونويل تيرري قائد الفرقة الثانية في جيش الاحتلال لمراسل صحيفة النيويوركتايمز الأمريكية بأن العمليات تهدف إلى تهيئة المنطقة إلى استقبال قوات "تحالفدولية".
| الإدارة الأمريكية غير مستعدة للاعتراف بهزيمة في العراق وهي على وشك الرحيل فيلتصق بها العار طوال التاريخ كما هو الحال في حرب فيتنام التي ما زالت تلقي بظلالها القاتمة على المجتمع الأمريكي بأسره.. |
وأكد جيش الاحتلال إنه الهجوم الجوي الأكبر فيالعراق منذ أشهر، ويأتي ذلك بعد إعلان "دولة العراق الإسلامية" أنها تمكنت من إسقاط مقاتلة F16 وطائرتين أباتشي خلال الفترة القليلة الماضية. إن استخدام مثل هذا النوع من الأسلحة يتم لحسم المعارك مثل ما حدث في أفغانستان وحرب الخليج الثانية ومعركة احتلال العراق، إلا أن ما قام به الاحتلال هذه المرة كان ضربًا لأهداف بسيطة على الأرض بقنابل زنتها أربعون ألف رطل وتبع ذلك إعلان عن الهجوم في وسائل الإعلام وهو ما يشير إلى أمور من أهمها:
أولاً: فشل الاحتلال في مواجهة المقاومة على الأرض رغم مدرعات الهامر والهامفيز مرورًا بالكاسحاتوانتهاءًا بمدرعات الـ F16 التي لم تصمد أمام عبوات المقاومة،وتم تدميرها بجميع أنواعها.
ثانيًا: تفوق المقاومة ووصولها إلى مستوى الجيوش النظامية المتمركزة على الأرض وفشل السلاح الجوي التقليدي من النيل منها لذا رأى الاحتلال استخدام أسلحة غير تقليدية.
ثالثًا: ضعف التحالفات التي حاول الاحتلال استخدامها لمواجهة المقاومة مثل عناصر الجيش والشرطة العراقية ومجالس الصحوة.
رابعًا: محاولة التغطية على عظم خسائر الاحتلال في العراق رغم الخطة الأمنية الجديدة ونشر المزيد من الجنود.
خامسًا: رفع الروح المعنوية لجنوده بعد حالات الانهيار والاضطراب التي يعاني منها عدد كبير منهم وشعورهم بفداحة الهزيمة وانتظار الموت بين لحظة وأخرى.
سادسًا: محاولة التأثير على سير الانتخابات الداخلية الأمريكية والتي يواجه فيها حزب الرئيس بوش منافسة عنيفة من الحزب الديمقراطي الذي يعارض مواصلة الولوغ في المستنقع العراقي.
سابعًا: محاولة التأثير السلبي في نفوس عناصر المقاومة عندما يرون استخدام أنواع من الأسلحة ذات الطبيعة الهجومية الشرسة.
ثامنًا: تكريس أسطورة الرجل القوي لتخويف بقية دول العالم التي تعاني من الرغبة الأمريكية الجامحة لتسيير الأمور حسب مصالحها دون النظر لأي اعتبارات أخرى.
اعتاد بعض المسئولين الأمريكيين في الآونة الأخيرة التصريح بتحسن الأوضاع الأمنية في العراق وانخفاض عمليات المقاومة إلا أن المعطيات على الأرض تكذب هذه الادعاءات, ومن هذه المعطيات هذا الاستخدام المفاجئ للقاذفات الإستراتيجية. كما أكد قائد القوات الأمريكية في العراق أن الهجمات ضد قوات بلاده باستخدام القنابل الخارقة للدروع، قد تزايدت بحدة مجددًا، في يناير الجاري.
| العراق سوف يظل التحدي الرئيس والأخطر لمن يخلف الرئيس الأمريكي "جورج بوش" في البيت الأبيض حيث سيتعين عليه إصلاح الضرر العميق الناجم عن حرب لم يكن ثمة داع لخوضها ولا هي أديرت بكفاءة.. |
لقد أفاد عدد من المحللين العسكريين بأن الخبرة العسكرية العراقية التي اكتسبها الجيش العراقي على مدار عشرين سنة قبل الغزو الأمريكي الأخير كانت سببًا من الأسباب الرئيسة في قوة المقاومة العراقية وتفوقها على الاحتلال الأمريكي، خصوصًا في مجالي الخبرة الميدانية القتالية والخبرة الهندسية العسكرية، ولقد استفادت فصائل المقاومة بهذه الخبرة حيث انضم عدد غير قليل من هؤلاء لفصائل المقاومة, وهو ما يعضد القول بأن المأزق الذي تعيشه قوات الاحتلال في العراق يدخل مراحل حرجة, وقد يتبع ذلك المزيد من استخدام الأسلحة الجديدة.
التحدي في العراق ما زال هو الأقوى للولايات المتحدة, فقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن العراق سوف يظل التحدي الرئيس والأخطر لمن يخلف الرئيس الأمريكي "جورج بوش" في البيت الأبيض حيث سيتعين عليه إصلاح الضرر العميق الناجم عن حرب لم يكن ثمة داع لخوضها ولا هي أديرت بكفاءة.
وطالبت الصحيفة مرشحي الحزبين لانتخابات الرئاسة القادمة بضرورة التحدث أكثر مع الشعب الأمريكي بشأن موعد سحب القوات، والكيفية التي سيتم بها ذلك والطريقة التي سيعالجون بها العلاقات مع العراق والمنطقة.
| المنطقة تمر بحالة غير مسبوقة فهناك القضية الفلسطينية وسيطرة حماس على غزة وتنامي الدور الإيراني, والفراغ السياسي في لبنان, وتوتر العلاقات مع مصر بعد أزمة الأنفاق وتخفيض المعونة.. |
من جهة أخرى, تزامن الإعلان عن استخدام القاذفات الإستراتيجية مع زيارة الرئيس الأمريكي للمنطقة وهي رسالة تحمل الكثير من المعاني في وقت ترى فيه واشنطن أن المنطقة تمر بحالة غير مسبوقة من عدم الاستقرار الغير مريح لها فهناك القضية الفلسطينية وسيطرة حماس على غزة وتنامي الدور الإيراني ونمو نفوذها في العديد من دول المنطقة, والفراغ السياسي في لبنان والتصارع بين الموالين لسوريا والمعارضين لها وسط حالة من العنف, وتوتر العلاقات مع مصر بعد أزمة الأنفاق وتخفيض المعونة... دعت الإدارة الأمريكية في وقت سابق إلى الفوضى الخلاقة ولكن الفوضى بدأت تخرج عن الأطر التي أرادتها واشنطن والشعور بالخطر بدأ يتسرب إلى صانعي القرار في البيت الأبيض.
قد يرى البعض أن من الحكمة أن تعيد الولايات المتحدة صياغة سياستها في المنطقة بعد أن تأكدت أن هؤلاء "البدو الأجلاف" لن يسلموا لها كما كانت تتوقع ولكن من قال إن هذه الإدارة تتسم بأي قدر من الحكمة... إن الولايات المتحدة تعيد سيرة الإمبراطوريات الزائلة لذلك ستستمر في غيها حتى تزول والمفاجأة أن الزوال سيكون من هنا.