مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

الأبعاد الخفية في اغتيال عماد مغنية

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

عصام زيدان

Essam_zedan30@hotmail.com

اكتنف الغموض حادثة اغتيال القيادي في حزب الله اللبناني عماد مغنية, حينما لزم قادة الحزب الصمت ولم يفصحوا عن مصرعه إلا بعد ساعات طويلة من حادثة انفجار سيارة في العاصمة دمشق.

ولم يشر الحزب من قريب أو بعيد إلى الكيفية التي لقي بها مصرعه, واكتفي فقط بإعلان اغتيال مسئوله العسكري في انفجار بحي تنظيم كفر سوسة بالعاصمة السورية دمشق صباح الأربعاء 13/2، تاركًا حتى الآن تساؤلات حارة على هذا الصعيد تتناقض مع حالة البرود التي كشف فيها عن الحادثة, والغموض الذي يلف رد الفعل المتوقع, مكتفيًا بتوجيه اتهام صريح لإسرائيل بالقيام بعملية الاغتيال.

وسوريا من ناحيتها لاذت بالصمت حيال الحادثة التي وقعت على أرضها, وحيال تفسيرها, تاركة هي الأخرى مزيدًا من الدخان الكثيف والضباب القاتم على الحادثة ودوافعها ومن يقف ورائها, ولم تتجاوز بعد حد الإدانة التي باتت الرد الرسمي على كل حادثة انتهاك للسادة السورية وأراضيها.

ومن خلال هذا الغموض المحيط بالحادثة يمكننا أن نمسك بخيوط من الضوء من خلال التعرض لتلك الجهات التي يمكن أن تقف وراء اغتيال مغنية كونها مستفيدة من حادثة الاغتيال على المستوى العسكري أو الاستخباري أو حتى المعنوي.

من وراء قتل عماد مغنية؟!

عماد مغنية هو ثالث قيادي من حزب الله يتم اغتياله بعد راغب حرب الذي قتل في قريته جبشيت عام 1988وأمينه العام عباس الموسوي الذي اغتالته مروحية عسكرية إسرائيلية جنوب لبنان عام 1992.

ولاشك أن تلك العملية التي تعتبر ضربة كبيرة لحزب الله واختراقًا أمنيًا كبيرًا لصفوفه يمكن لأكثر من جهة أن تكون ورائها, كون مغنية ملاحق من قبل أكثر من جهاز أمني واستخباري, وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل, وبعض الدول الغربية.

1ـ الولايات المتحدة الأمريكية

فالولايات المتحدة قد وضعت مغنية على رأس قائمة أهم المطلوبين لديها ورصدت ما يزيد عن 25 مليون دولار ثمنًا لمعلومات تقود إليه, فكم تدفع في سبيل القضاء عليه؟!

ولعل البيان الذي عبر عن الارتياح بالتخلص من مغنية والذي جاء بعد ساعات من حادثة الاغتيال على لسان المتحدث باسم البيت الأبيض توحي بأن الرجل لم يكن طوي النسيان من الذاكرة الأمريكية, التي تشبعت بلدغات و ضربات حملت مغنية مسئوليتها, ومن ضمنها التفجيرات التي استهدفت قوات المارينز والسفارة الأمريكية في بيروت عام 1983, وخطف مسئول الاستخبارات الأمريكية في بيروت وليام باكلي.

2ـ إسرائيل

أما من ناحية إسرائيل, فهي تلاحق مغنية من سنوات طويلة عانت فيها من الفشل الذريع في الوصول إليه, فهو المسئول من وجه نظرها عن عدة عمليات موجعة على رأسها استهداف مركز لها في العاصمة الأرجنتينية عام 1992.

ورغم غياب اسم مغنية في الفترة الأخيرة فقد عادت حرب صيف 2006 لتضع مغنية من جديد على رأس القائمة المطلوب تصفيتها لعدة أهداف لعل أهمها مسئوليته المباشرة عن إدارة الصراع العسكري خلال تلك المواجهات التي لم تستطع إسرائيل أن تفعل شيئًا كثيرًا حيالها, ومن ثم يهمها كثيرًا على مستوى الدولة أن تسترد جزءًا من هيبتها وقوتها الرادعة في مواجهة حزب الله على الأقل في المستوى الاستخباري بعد فشلها في الميدان العسكري.

وعلى المستوى القيادي في الداخل الإسرائيلي فإن اليد المرتعشة التي يدير بها رئيس الوزراء إيهود أولمرت دفة الأمور بعد مواجهات حزب الله وإدانة تقرير فينوجراد لإدارة الصراع إبان فترة الحرب تجعله في حاجة إلى نصر معنوي يرفع من أسهمه المتداعية ويحفظ ائتلافه الهش.

وصحيح أن إسرائيل بادرت بعد ساعات من إعلان حزب الله مصرع مسئوله العسكري إلى نفي مسئوليتها عن الحادثة, إلا أن هذا النفي لا يدحض من فرضية كونها وراء الفعل بصورة أو أخرى, فهي على ما يبدو تلجأ إلى سيناريو الغموض والتعتيم الزمني كما كان الحال عقب اختراق المجال السوري وضرب أهداف محددة في العمق, وكما هو معلوم من قبل عن استراتجيها العسكرية المرتكزة على الغموض النووي لا على مستوى الوجود ولكن على مستوى التقدم والإمكانيات.

3ـ الاستخبارات الغربية

الاستخبارات الغربية سايرت الولايات المتحدة في وضع عماد مغنية على رأس قائمة المطلوبين لديها, خاصة فرنسا التي حمّلت من قبل مغنية مسئولية قصف مقر قواتها في لبنان في العام 1983.

ومن المشهود والمعهود أن تلك الاستخبارات تمارس ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 عملياتها ضد الأهداف المطلوبة أو التي هي محل اشتباه من قبلها على نطاق واسع وفي سرية تامة بالتعاون مع الاستخبارات الأمريكية.

ولعل حادثة خطف الملقب بـ"أبو عمر المصري" بتعاون وثيق بين عدة أجهزة استخبارية أوروبية تعطي بصيصًا من الضوء على التعاون الحثيث بين هذه الأجهزة التي تتبع من تصفهم بالمطلوبين والخطرين.

وهذه الفرضية تفتح المجال واسعًا أمام تصور تعاون أو ائتلاف متعدد الجوانب يضم الثلاثي (أمريكا ـ إسرائيل ـ أوروبا) قد تلاقت إرادتهم جميعا على التخلص من هذه الشخصية المزعجة, وكان حصاد العملية نتيجة جهد ثلاثي متناغم من حيث التخطيط والاختراق والتنفيذ.

هل تقف الصراعات الإقليمية وراء مصرع مغنية؟

في جانب الفرضيات المتعلقة بمصرع عماد مغنية, سنجد أن حزب الله قد بات نقطة تلاقي للعديد من الدول الإقليمية التي تتشابك علاقاتها في صورة تعاونية تارة وصراعية تارة أخرى, ونقصد بذلك سوريا وإيران ولبنان.

فحزب الله يعد الأداة والذراع الممتد إيرانيًا وسوريًا في الداخل اللبناني, معطلاً مجرى الحياة السياسية, ومتحديًا كل الأطروحات التي سعت لإيجاد مخرج للأزمة الخانقة في البلاد, وبقيت لبنان رهينة القرار السوري الإيراني.

وكلا الدولتين نجد لها أجندات أخرى إقليمية ودولية ترتبط بصورة ما بالولايات المتحدة والدول الغربية وإسرائيل, ومن هنا يأتي السؤال الافتراضي: هل دارت الدائرة على حزب الله وقياداته وبدأ العد التنازلي للتضحية به على مسلخ المصالح التي لا تعرف صديقًا دائمًا ولا عدوًا يبقي كذلك أبد الدهر؟

وهل لتلك التسريبات حول رغبة إيران في قيادات جديدة لحزب الله أكثر قربًا وتفهمًا لمصالحها من القيادات الحالية السياسية الممثلة في حسن نصر والعسكرية الممثلة في عماد مغنية والتي ترى فيها ولاء للجانب السوري أكثر من الإيراني دور خفي وراء الحادثة, وما قد يستتبعها من أحداث؟!

نعم قد تجد تلك الفرضية ما يدعمها في كون الوصول إلى مغنية الملقب بـ"الثعلب" وتصفيته لابد وأن يكون مصحوبًا بخروقات أمنية واسعة في صفوف حزب الله أو القوى الإقليمية القريبة منه, وتسهيلاً من بعض الأطراف المطلعة, وتطرح تساؤلاً ملغزًا عن كيفية الوصول لمغنية في غيبة من أجهزة الأمن والاستخبارات السورية, مع كونه الشخصية الأهم في الحزب, ولكنها مع ذلك تصطدم بعقبات قد تقف حائلاً دون الاسترسال فيها والوثوق المطلق بها, وتجعلها رهينة الانتظار ربما لسنوات طويلة قبل أن تتكشف بعض الحقائق المتعلقة بالصراع في داخل حزب الله أو عليه.

من يضع الفلفل الحار في أنف حزب الله؟!

أيضًا في جانب الفرضيات تلك المتعلقة بحادثة الاغتيال يأتي السؤال عمن يهدف إلى وضع الفلفل الحار في أنف حزب الله ويجره مجددًا إلى مواجهة مع إسرائيل؟!

فهل ثمة أطراف إقليمية تسعى لإيقاد حرب وكالة جديدة بين حزب الله وإسرائيل من خلال الاستفزاز عالي النبرة باستهداف قادة الحزب ليأتي الرد متناسبًا مع الهدف, ثم تصب نتائج تلك المواجهات في مصلحتها بصورة أو أخرى؟!

فالخدمات التي يقدمها حزب الله لبعض القوى الإقليمية جعلت منه خادمًا وحدًا لأسياد كثر قد تتعارض مصالحهم أحيانًا وتتوافق أحيانًا أخرى, وعليه في كل مرة أن يدفع الثمن وعليهم في كل مرة كذلك أن يحصدوا الثمار.

فهل ثمة من يتعجل نمو الثمار ويرى في الشتاء القارص فرصة مواتية للبذر حتى إذا ما أتى لهيب الصيف تكون الفرصة السانحة للحصاد؟!

يبقى القول في النهاية أن اغتيال مغنية باب مفتوح لاحتمالات لا تنتهي, وقد يكون من المبكر جدًا الاستقرار على فرضية واحدة أو الركون إليها باطمئنان.

وبقدر تعدد تلك الفرضيات تتعدد كذلك السيناريوهات المتعلقة برد الفعل المتوقع من قبل الحزب, وبما يمكن أن تكون عليه تطورات الأحداث في المنطقة الحبلى بالأحداث المصيرية والخطيرة.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 14 فبراير 2008
  1. كيف تتحكمين في نفسك؟قصة لأغرب اسم لجامع في العالم يسمى "صانكي يدم": يروى الأستاذ الفاضل أورخان محمد علي في كتابه الشيق "روائع من التاريخ العثماني" قصة جامع يسمى "صانكي يدم" وترجمتها بالعربية: كأنني أكلت أو أفترض أني أكلت. ووراء هذا الاسم الغريب تختفي قصة أغرب زهرة · 9 د قراءة
  2. من الذي قتل مغنية؟حسن الرشيدي istratigi@hotmail.com مفكرة الإسلام: في أحيان كثيرة تكون لحرب المخابرات دلالات سياسية معينة يمكن أن تكشف كثيرا من خبايا السياسة وأسرارها خاصة التي تتم خلف الكواليس فالسياسة المعلنة والتي تأتي من التصريحات والزيارات والأقوال ليس مقالات وتحليلات · 5 د قراءة
  3. المؤمن الفعال بين الأنا والنحنالتوازن هو الفطرة: من عجائب التكوين البشري أن الله تعالى قد أمد النفس الإنسانية بمجموعة من الغرائز تشبه الخطوط الدقيقة المتقابلة المتوازية. كل غريزتين منها متجاورتان في النفس، وهما في الوقت ذاته متقابلتان في الاتجاه مثل: الخوف والرجاء.. الحمهارات إدارية · 4 د قراءة
  4. "إسرائيل" تدرس نشر قوات دولية بغزة إذا أسقطت حماسذكرت صحيفة "هآأرتس" أن الحكومة الصهيونية تدرس فكرة نشر قوات دولية في قطاع غزة، إلا أن ذلك، برأي المسئولين الأمنيين، لا يمكن إلا في حالين: إذا قامت القوات الصهيونية باجتياح قطاع غزة، أو حدوث تمرد على سلطة حماس يمكّن السلطة الفلسطينية من العوالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  5. نصر الله يهدد إسرائيل ويرفض يد الحريري الممدودةهدد "حسن نصر الله" الأمين العام لحزب الله "إسرائيل" بالرد على اغتيال "عماد مغنية" القائد العسكري للحزب، رافضًا في الوقت ذاته دعوة "سعد الحريري" للحوار. ووجه نصر الله كلمة عبر شاشة عملاقة إلى المشاركين في تشييع جنازة عماد مغنية، وبينهم وزير العالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  6. أدوية الصرع تزيد من الرغبة في الانتحارحذرت وزارة الصحة الكندية مرضى الصرع من الأدوية الخاصة بهذا المرض، بعد أن أظهرت دراسة قامت بها هيئة الأغذية والعقاقير الكندية، أن تلك الأدوية تزيد من الرغبة في الانتحار ومن السلوك الانتحاري. وقالت الوزارة: إن هيئة الأغذية والعقاقير توصلت إلىعلوم و صحة · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: الأبعاد الخفية في اغتيال عماد مغنية