إسرائيل وسوريا.. من أي حافة يقتربان؟!

عصام زيدان
Essam_zedan30@hotmail.com
مفكرة الإسلام: هل تريد إسرائيل الحرب مع سوريا وتتعجل اللحظة قبل غروب إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش وتبعث الرسائل الاستفزازية وبالونات الاختبار حينًا بعد حين؟! أم أنها تبحث عن السلام في الجهة الشمالية التي سببت لها صداعًا في الرأس ووجعًا في القلب خاصة بعد المواجهات مع حزب الله عام 2006 والتي ما زالت أصداؤها تهز البيت الإسرائيلي الداخلي؟! هل ما زالت إسرائيل مترددة في أمرها تتناوشها سهام الخلافات والصراعات الداخلية ومن ثم تبرز الخلافات على سطح الأحداث مترجمة لما يدور بالداخل؟! هل تبعث إسرائيل رسائل ثقيلة الظل تطرق بها أبواب سوريا لتجرها إلى طاولة المفاوضات؟!
الأمر قد يكون محيرًا، والإجابة عليه ليست يسيرة على كل حال، خاصة مع الإشارات المتضاربة الخارجة من المطبخ الإسرائيلي وصحافته العبرية والممارسات الفعلية من قبل القيادة السياسية الإسرائيلية, والتي في الوهلة الأولى ترى وكأنها سعرت النار ودقت طبول الحرب, في حين أن التصريحات السياسية تحمل دلالات مغايرة.
تاريخيًا توقفت المفاوضات السلمية بين سوريا وإسرائيل عام 2000 بسبب رفض سوريا احتفاظ إسرائيل بالضفة الشرقية لهضبة الجولان، ثم ما لبثت العملية السلمية بينهما أن دخلت في سبات عميق عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما أفرزته من تغيرات دولية تلظت المنطقة العربية بنارها وما زالت، ومن بابها دخلت سوريا في "محور الشر".
واستيقظت الدعوات مجددًا في يناير 2004، حيث أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك أرييل شارون أن إسرائيل مستعدة للتفاوض مع سوريا إذا أوقفت مساعدتها لما وصفها بالمنظمات "الإرهابية" في لبنان وفلسطين.
إعلان تكرر بعدها مباشرة من الرئيس الإسرائيلي السابق موشيه كاتساف الذي وجه دعوة علنية للرئيس الأسد لزيارة القدس والدخول في مفاوضات جادة مع إسرائيل تنتهي بتحقيق السلام، شرط أن تكون مفاوضات من دون شروط مسبقة.
ورئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت في حديث أمام الكنيست صرح بأن اشتراك سوريا في فعاليات مؤتمر أنابوليس الذي عُقد مؤخرًا في الولايات المتحدة قد يكون بداية لاستئناف المفاوضات مع سوريا، وأن ذلك سيكون في مصلحة الكيان الصهيوني، وقال: "لا أعتقد أن هناك مسئولاً واحدًا في إسرائيل لا يعتقد بجدية أن المفاوضات مع سوريا ستكون لها العديد من المزايا والمنافع بالنسبة لصالح إسرائيل. (هأآرتس 6/3).
هذا عن مسار الحديث عن المفاوضات، التي تظهر مدى القبول والرغبة الإسرائيلية في فتح باب التوصل لاتفاق مع سوريا وتبريد هذه الجبهة.
أما على صعيد الممارسات الاستفزازية، فهي كثيرة.. ففي أبريل عام2001 قصفت إسرائيل مركز رادار في البقاع وقُتل جندي سوري.. وفي عام 2003 قصفت الطائرات الإسرائيلية موقعًا مهجورًا في قرية عين الصاحب شمال دمشق.. وفي يونيو 2006 حلقت الطائرات الإسرائيلية فوق القصر الرئاسي في مدينة اللاذقية.. وفي 6 مايو 2007 قصفت الطائرات ما قيل: إنها منشآت نووية سورية..
هذه الأعمال العدوانية والغارات العسكرية تبدو في الوهلة الأولى وكأن هدفها الاستعراض والاستفزاز لعل سوريا تندفع في رد فعل فوري غير محسوب وتشمع فتيل الحرب.
من واقع هذا التناقض على صعيد الأقوال والممارسات يأتي السؤال عن الخيار الإسرائيلي للتعامل مع سوريا.
الخيار السوري إسرائيليًا:
قراءة الواقع السياسي المحيط والمؤثر في العلاقة السورية ـ الإسرائيلية سيعطى دلالات محددة بالنسبة لصانع القرار الإسرائيلي في اتجاه الخيار التفاوضي، على اعتبار أنه يحقق جملة أهداف منها:
1ـ كسر الحماية السورية لحزب الله خاصة بعد مواجهات يوليو 2006 التي أفضت إلى بروز قوة تهدد العمق الإسرائيلي.
فالمواجهات التي وقعت في يوليو 2006 بين إسرائيل وحزب الله تعدت في تأثيرها الأبعاد العسكرية والسياسية، فإضافة إلى ما خلفته على الصعيد السياسي والأمني العسكري فقد انكسر من خلالها مفهوم الردع الذي يشكل عمود الفسطاط بالنسبة لإسرائيل، وهذا ما يعنى ضرورة إعداد العدة لمواجهة هذه الآلة العسكرية المهددة للعمق الإسرائيلي.
وكون سوريا أحد أقطاب الحماية لحزب الله، إضافة إلى إيران، فإنه من المفيد إسرائيليًا محاولة تحييدها من خلال إشراكها في عملية تفاوضية يجعلها عاملاً مهدئًا على الجبهة الشمالية وداخل لبنان على نحو ما حدث مع مصر والأردن، وقد يفرز هذا التحييد واقعًا جديدًا في جنوب لبنان ينتهي بتفكيك سلاح حزب الله.
2ـ الخيار السوري قد يستتبعه تغيرات إستراتيجية تساهم في تفكيك تحالفها مع إيران وإعادة دمجها في محور الاعتدال العربي.
ففك الارتباط الإستراتيجي بين سوريا وإيران ربما يكون على رأس الأولويات بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة أيضًا، حيث تشكل سوريا قنطرة إيران للتمدد العربي، وفك الدولتين عن بعضها سيلقي بأثره على المشروع الإيراني المتنامي، ويفرض عليها عزلة إقليمية قد تكون تمهيدًا لما هو أسوأ، كما يضمن هذا التفكيك بقاء سوريا في المحضن العربي الآمن على المصالح الغربية والمتفهم لدوره حيال إسرائيل خاصة فيما يتعلق بالشق الأمني.
3ـ الظرف الزمني المواتي:
فقد دعا يوئيل ماركوس في مقال بصحيفة هآأرتس العبرية (27/3)، إلى الشروع في مبادرة سياسية جديدة تنطوي على التفاوض مع سوريا، مؤكدًا أن الوقت مناسب جدًا لإسرائيل في ظل ما تعانيه سوريا من عزلة وما تكنه لها "الدول المعتدلة" من كراهية كي تدعو سوريا إلى الانضمام إلى من وصفهم بالأخيار والسعي لدى الإدارة الأمريكية حتى تبارك هذا التفاوض.
4ـ قد يفيد التفاوض مع سوريا من وجه النظر الإسرائيلية في التأثير على الملف الفلسطيني من أكثر من زاوية.
التفاهم أو التوصل إلى آلية للحوار والتفاوض مع سوريا سيضعف الموقف الفلسطيني التفاوضي، وربما الجهادي كذلك.. وإضعاف المفاوض الفلسطيني يتأتي من إبقائه وحيدًا وأخيرًا في الميدان، على اعتبار أن إسرائيل أنهت صراعها مع مصر والأردن, وما بقي عالقًا حتى الآن سوى الملف السوري والفلسطيني.
وإضعاف حركات المقاومة الفلسطينية مثل حماس والجهاد والتي تتخذ من سوريا مقرًا لها، سيكون بتحييد حليفها الوحيد، حيث تعتبر سوريا البلد العربي الذي يحتضن قيادات المقاومة الفلسطينية.
5ـ السلام مع سوريا سيفتح باب التطبيع العربي إلى حد كبير.
رغم التطبيع الحادث بين غالب الدول العربية وإسرائيل، وهي المكاسب التي تجنيها إسرائيل مباشرة بعد كل مؤتمر يعقد للسلام مع الفلسطينيين، إلا أن أبواب التطبيع قد تكون مشرعة بصورة أكبر وأكثر علانية في حال التوصل إلى اتفاق مع سوريا بما يشجع الأطراف المترددة في الانخراط في دولاب التطبيع.
وعلى الرغم من هذه السلة الجيدة من الأهداف، إلا أن حكومة إيهود أولمرت تبدو عاجزة عن تحريك المسار السوري،على الأقل من الناحية العلنية، في الوقت الحالي، لعدة أسباب:
1ـ تدرك الحكومة الحالية بعمق أن أي تنازل قد يؤلب عليها مواجع عدة وقد لا تستطيع أن تجني من ورائها مكاسب حقيقية، في ظل وضعيتها السياسية الداخلية الهشة.
2ـ العقبة الأمريكية الرافضة لأي تقارب مع نظام الرئيس الحالي بشار الأسد، والساعية لعزله إقليميًا ودوليًا وتحميله كافة القضايا المعلقة في لبنان فلسطين.
وماذا عن سوريا؟!
بالنظر إلى الموقف السوري سنجد أن دمشق أعلنت في منتصف 2003 رغبتها في استئناف العملية السلمية مع إسرائيل، وفي نهاية العام ذاته جدد الرئيس بشار دعوته، حين أعلن لأول مرة أن سوريا لم تطرح شروطًا مسبقة لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل، ما فسر إسرائيليًا بأن دمشق قبلت بالعودة إلى المفاوضات من نقطة الصفر.
وكما الحال بالنسبة للطرف الإسرائيلي فثمة أسباب تدفع سوريا إلى المبادرة بعقد اتفاق سلام مع إسرائيل، منها:
1ـ تضعضع موقفها في لبنان وشبح المحكمة الدولية والعزلة الإقليمية.
ربما يكون السلام مع إسرائيل منهيًا لهذه العزلة الدولية والإقليمية، ويعيد ترتيب علاقاتها مع الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، ويعيد لدمشق بعضًا من وزنها الإقليمي الذي افتقدته في السنوات الأخيرة جراء ذلك الحصار.
2- تحريك ملف هضبة الجولان الساكن بما يعزز من مصداقية النظام في الداخل.
خاصة إذا توج الاتفاق بعودة جزء من الهضبة المحتلة أو تفاهمات أخرى يجري تسويقها على اعتبار أنها استرداد للأرض وتحرير لها، على نحو اتفاقية كامب ديفيد التي أعادت سيناء إلى السيادة المصرية ولكنها بقيت في النهاية منزوعة السلاح.
3ـ صيانة النظام وحفظه من الترددات الأمريكية المتربصة له.
وقد لا نبالغ إذا ما قلنا: إنه حتى وفي الوضع الحالي البادي للناظر أنه داء مفرط بين تل أبيب ودمشق فإن إسرائيل تعد صمام الأمان للنظام السوري من التهور الأمريكي.
ولكن الأمر لا يبدو يسيرًا للنظام السوري، فالتغيرات الإقليمية عقدت المشهد السياسي في المنطقة وأصبحت الملفات متداخلة، وبرزت من ثناياها عدة صعوبات تعرقل عملية التفاوض في اللحظة الراهنة من وجه نظر القيادة السورية, منها:
1ـ تحريك المسار السلمي مع "إسرائيل" سترتب عليه التزامات في فلسطين ولبنان قد تكون مكلفة كثيرًا، فالمطلوب من سوريا وقف دعمها للفصائل والمنظمات الجهادية في فلسطين، وإعادة النظر في علاقتها مع إيران، فضلاً عن تفكيك شبكة حزب الله العسكرية.
2ـ سوريا لا تثق بالوعود الأمريكية الإسرائيلية، ولا تفتأ تذكر بالوعود المطلقة منذ سنوات بالنسبة للقضية الفلسطينية ولم يستجب لها، وهو ما عزز قناعتها بأن أية محاولة لإعادة التفكير في علاقتها مع حلفائها يجب أن تكون من نتائج السلام مع إسرائيل وليس مقدمة له، وهو ما قد يتعارض مع الرؤية الأمريكية والمطالب الأولية لإسرائيل.
3ـ التفاوض في ظل وجود إدارة أمريكية أقل عدوانية من إدارة الرئيس الحالي جورج بوش قد يكون الخيار الأفضل للحصول على مكاسب أكثر وتجنب تعنت الإدارة المحافظة التي ستغرب في مطلع العام.
الرؤية الأمريكية للعلاقات السورية الإسرائيلية:
لاشك أن الموقف الأمريكي يلقي بظلاله على مستقبل العملية التفاوضية بين سوريا وإسرائيل، وحتى اللحظة ما زالت الولايات المتحدة تراهن وتمارس أدوارها (نظريًا) من أجل التوصل لاتفاقية سلام فلسطينية ـ إسرائيلية رغم صعوبة القضية، وتجمد الموقف السوري وتعرقل انطلاقه.
وقد تعالت الأصوات داخل الإدارة الأمريكية للتركيز على المسار السوري لحلحلة الأوضاع في المنطقة، ومن هذه الأصوات كان السيناتور الأمريكي آرلن سبكتر الذي برأيه أنه لا وقت أنسب من الوقت الحالي للتوصل إلى اتفاقية سلام بين سوريا وإسرائيل، وساق عدة أسباب ترجح ضرورة تنشيط المفاوضات السورية الإسرائيلية، كونها تصب في المصلحة الأمريكية، منها رغبة الرئيس بوش في تحقيق إنجاز دبلوماسي في السياسية الدولية, وهو ما لم يتحقق ولن يتحقق في المسار الفلسطيني.
أما عن العقبة في قيام إدارة بوش بهذا التحرك قال سبكتر: إن بوش لن يضيع وقته في عملية السلام إذا لم تكن هناك جدوى عملية على الأرض، رابطًا بين تحقيق أي تقدم وحل كثير من المشاكل، منها مشكلة لبنان, بالإضافة إلى مشاكل أخرى تتصل بعلاقة سوريا مع حزب الله في لبنان وحركة حماس. (الشرق الأوسط 31/12).
في ضوء هذه المعطيات بدت فرص السلام والحرب بين سوريا وإسرائيل، وإن كانت الأولى أقرب ولكنها ما زالت بعد متأرجحة، نظرًا لحاجة كل طرف إلى حسم موقفه داخليًا وخارجيًا، فيما بدت الولايات المتحدة وكأنها حجر العثرة أمام انطلاق العملية التفاوضية العلنية حتى الآن.