الاتفاقية الأمنية ومستقبل الوجود الأمريكي في العراق

عصام زيدان
Essam_zedan30@hotmail.com
تعد المفاوضات الجارية بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة حول التوصل إلى اتفاق استراتيجي طويل الأمد من أكثر القضايا جدلا على الساحة السياسية العراقية في الوقت الحالي.
وهذه الاتفاقية الأمنية التي تريدها الولايات المتحدة ليست في حقيقتها إلا قطعة البازل الأخيرة التي وضعتها الإدارة الأمريكية الحالية لتكتمل الصورة واضحة جلية, ولتقطع كل الشكوك والظنون التي ساورت البعض قبل الغزو وبعده, مدعين أنه "غزو نظيف" لم يكن ليهدف إلا ليطهر بلاد الرافدين من الديكتاتورية التي تخطت الحدود وراجت تضرب بقواها الدول الصديقة والحليفة.
ولسنا بمعرض تبرئة النظام السابق, أو إدانته, ولكن ما يهمنا التأكيد على أن الدجل الذي مارسته عصابة بوش ـ تشيني لم يكن إلا وليد مؤامرة حيكت ضد العراق, بهدف الوصول في نهاية المطاف إلى إخضاعه للسيادة الأمريكية, لتفعل به ما تشاء بعد ذلك, وهو ما تصبو إليه هذه الاتفاقية الأمنية التي سنتناولها في سياقها التفاوضي القريب, ومضمونها وأهدافها, ثم أخيرا إمكانية تحقيقها.
التطور التاريخي للاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق
الولايات المتحدة تسعى في حقيقة الأمر إلى إبرام اتفاقيتين مع الحكومة العراقية الحالية, وهما:
الاتفاقية الأولى: هي اتفاقية "وضع القوات", وتعرف بـ"صوفا",وهي التى ستوفر أساسا قانونيا لبقاء القوات الأمريكية في العراق بعد 31 ديسمبر موعد انتهاء تفويض الأمم المتحدة.
الاتفاقية الثانية: والمعروفة باتفاقية "الإطار الاستراتيجي", وهي اتفاق واسع المجال طويل الأمد بشأن العلاقة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية بين البلدين.
وهذا ما صرحت بهالمتحدثة باسم السفارة الأمريكية في العراق ميرمابا نانتانغو, لصحيفة الحياة اللندنية (8/6), مؤكدة أن وفد بلادها المفاوض بشأن الاتفاقية العراقية الأمريكية يتكون من فريقين:
الفريق الأول يناقش الإطار الاستراتيجي للاتفاقية, والخطوط العريضة لمجمل العلاقاتالثنائية في كل المجالات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية.
والفريق الثاني يتولى مهمة التفاوض حول الوضع الأمني في البلاد ووضع القوات الأمريكية.
ومرت المعاهدة حتى الآن بثلاث مراحل متتالية:
المرحلة الأولى: نوقشت المعاهدة في صورتها الأولية, في نوفمبر 2007 , من خلال مذكرةتفاهم بين رئيس الوزراء نوري المالكي والرئيس الأمريكي جورج بوش, واتفق الطرفان خلالها على أن تتضمن المبادئ العامة للمحادثات الدفاع عن العراق ضد أي تهديدات وتشجيع الاستثمارات الأمريكية.
المرحلة الثانية:بدأت المفاوضات الفعلية بشأن هذه الاتفاقية, وظهرت في سياقها الإعلامي والتفاوضي في 11 مارس 2008.
المرحلة الثالثة: بدأت منذ بداية شهر يونيو نبرة الحديث حول هذه الاتفاقية تتصاعد, بعد اعتراضات شعبية داخلية, وبعد تخوفات ظهرت من دول إقليمية, باتت تخشى على نفوذها في العراق, ومع اضطرار الولايات المتحدة للتدخل إعلاميا في محاولة لتبييض وجه الاتفاقية, وإزالة الانطباعات التي تولدت عن بنودها التي سربت إلى وسائل الإعلام.
مضمون الاتفاقية الأمنية
لم يعلن حتى الآن بصورة رسمية أي بند من بنود الاتفاقية, ولكن الحديث يدور حول التسريبات الصحفية, وخاصة ما تناولته صحيفة الإندبندنت في عددها الصادر بتاريخ (5/6), والتي ذكرت من بين بنود الاتفاقية الأمنية العناصر التالية:
1ـ ستحتفظ القوات الأمريكية بأكثر من خمسين قاعدة عسكريةتتجمع فيها القوات الموجودة في العراق حاليا, وغالبا ما ستكون خارج المدن, وفي المعسكرات القديمة لقوات الجيش العراقي السابق الذي حله الحاكم الأمريكي بول بريمر عقب الغزو في 2003, سيكون للأمريكيين حق السيطرة الدائمة على قواعدهم.
2ـ ستكون القوات الأمريكية قادرة على تنفيذ اعتقالات للمواطنين العراقيين وغيرهم, وشن حملات عسكرية دون مشاورة الحكومة العراقية.
3ـ سيتمتع الجنود الأمريكيون, والشركات الأمنية التابعة للولايات المتحدة بحصانة قانونية تحميهم من المساءلة من قبل أجهزة الأمن والقضاء العراقية،وتمنع محاكمتهم أمام محكمة جرائم الحرب التي تشكلت عام 2004.
4ـ القيام بأعمال عسكرية دون إذن حكومةبغداد لمكافحة "الإرهاب", سواء في الداخل أو خارج حدود العراق.
5ـ ضمان السيطرة على الأجواءالعراقية البرية والبحرية والجوية, بما يضمن كفاءة وفاعلية هذه العمليات, واحتفاظ القوات الأمريكية بالإشراف على وزارتي الدفاع والداخلية لعشر سنوات مقبلة.
فجوهر هذه الاتفاقية كما يبدو هو فقط مجرد الانتقال من حالة احتلال وفقا لتفويض دولي, إلي حالة وصاية أمريكية مباشرة.
أهداف الإدارة الأمريكية من وراء إبرام الاتفاقية الأمنية
تتنوع الأهداف والغايات التي تدفع الإدارة الحالية لإبرام مثل هذه الاتفاقية, وهذا ما يمكن تناوله في شقيه الداخلي والخارجي على النحو التالي:
أولا:ـ الأهداف الداخلية:
حرص إدارة بوش على توقيع الاتفاقية لتبدو وكأنها أنجزت في العراق قبل نهاية مدة حكمه لها أهداف داخلية أمريكية تتعلق بالمنافسة الحزبية والانتخابات الرئاسية المقبلة منها:
1ـ من شأن توقيع الاتفاقية أن يصعب على رئيس ديموقراطي قادم، إذا فاز باراك أوباما، سحب القوات الأمريكية من العراق بسرعة كما تعهد.
2ـ هذا الاتفاق سيعد دعما للمرشح الجمهوري جون ماكين الذي يريد إبقاء القوات الأمريكية في العراق حتى إنجاز المهمة.
ثانيا:ـ الأهداف الخارجية
هذه الاتفاقية لها كذلك أهداف خارجية أكبر من تلك الأهداف الداخلية الحزبية:
1ـوضع أسس قانونية والتمهيد لبقاء القوات الأمريكية دون سقف زمني على الأراضي العراقية بعد 31 ديسمبر المقبل، وهو تاريخ انتهاء مهلة التفويض الذي منحته الأمم المتحدة لهذه القوات في قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي.
2ـ البقاء الدائم في العراق, لضمان عدم حدوث أي تغيرات في بنية النظام الحالي, والذي تدرك الولايات المتحدة قبل غيرها انه مجرد هيكل فارغ المضمون, لا يقوى على البقاء إلا بدعم أمريكي مباشر, و إلا خر صريعا.
3ـ عدم إتاحة الفرصة للنفوذ الإيراني بالتمدد وكسب موطئ قدم مريح في العراق, بحيث تبدو أنها الفائز الوحيد من هذا الغزو, مع وضعها تحت ضغط وتهديد مباشر, من قبل تلك القوات المرابطة في العراق, والتي تتكامل مع القواعد الأخرى فيالخليج، لضمان وضع المنطقة ككل في السلة الأمريكية دون منازعة غربية أو إقليمية.
4ـ ضمان السيطرة على الآبار العراقية لأبعد مدى, وبأسعار تفضيلية, وتامين منح الشركات الأمريكية حقوقا وامتيازات, عن غيرها من الشركات التي لا يمكن أن تدخل المجال إلا بضوء أخضر من قبل الولايات المتحدة, كونها المتنفذ الرئيس في البلاد.
مستقبل الاتفاقية الأمنية
الولايات المتحدة وضعت ثقلها وراء إبرام هذه الاتفاقية خاصة "وضع القوات", ومن الناحية النظرية البحتة (وليس الواقعية) تقابلها ثلاث عقبات:
العقبة الأولى: الرفض العراقي
من تأمل المشهد في سياقه التفاوضي يدرك أن المالكي أنهى إبرام الاتفاقية, ولم يعد هناك من سبيل إلا إخراجها بصورة تبدو مقبولة من الأطراف الداخلية, ومهدئة من روع الأطراف الخارجية, وهو ما يقوم به المالكي حاليا,وبدا أنه الهدف الوحيد لزيارته لإيران, والتي يسعى لطمأنتها على أن العراق لم يكون منصة لضرب طهران!!
ومن قبل كانت زيارته ولقاءه بالمرجع الشيعي على السيستاني, في العراق, والذي لزم حتى اللحظة الصمت ولم ينطبق ببنت شفه!!
ولا يخفى أن الولايات المتحدة تمارس أكبر قدر ممكن من الضغوط لإنجاز الاتفاق بصورته الحالية, أو إضافة رتوش تجميلية فقط, ليس لإجبار الحكومة على التوقيع, وإنما لإعطائها مبررات التوقيع, وتتركز هذه الضغوط في نواحي عديدة لعل أهمها الأتي:
1ـ تتحفظ الولايات المتحدة على نحو خمسين مليار دولار من أموال العراق في بنك الاحتياطي الفدرالي بنيويورك, كما يستغل المفاوضون الأمريكيون وجود عشرين مليار دولار أخرى على ذمة أحكام قضائية ضد العراق بالولايات المتحدة للضغط على نظرائهم العراقيين لقبول الاتفاقية.
2ـ العراق ما زال يعتبر تهديدا للأمن والاستقرار الدولي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة, والمفاوضون الأمريكيون يقولون إن ثمن خروج بغداد من الفصل السابع هو التوقيع على هذا التحالف الإستراتيجي, و إلا بقي العراق في ظل هذه الوضع الاستثنائي, الذي لن يرفع إلا بطلب من الحكومة الأمريكية.
الحكومة الحالية إذن لا تملك إلا أن توقع على الاتفاقية في نهاية الأمر، لأنها في النهاية، تستمد الدعم من الأمريكيين بالأساس, ولا يستطيعون الحفاظ على وضعهم بدون ذلك الدعم, كما أن شركاء الحكم الأكراد يؤيدونها.
العقبة الثانية: الرفض الإيراني
الرفض الإيراني لم يكن في حاجة إلى تجميل فقد أعلنه صراحه المرشد الأعلى الثورة,على خامئني, وحث الحكومة العراقية لرفض التوقيع على الاتفاقية الأمنية مع واشنطن, معتبرا أن وجود القوات الأمريكية هو "المشكلة الرئيسية".
ومخاوف إيران التي ساهمت من قبل في جلب القوات للعراق وأفغانستان, بالنسبة لهذه الاتفاقية تتركز في أمرين اثنين:
الأول: مخاوفها من ازدياد حدة التوتر مع الولايات المتحدة بشأن برنامجها النووي, وهو ما قد يقود إلى مواجهات تستخدم فيها القوات الأمريكية العراق كقاعدة ومنصة لضرب طهران.
الثاني: تحجيم دور إيران ونفوذها في العراق, خاصة بعد السيطرة الأمريكية طويلة الأمد على آبار النفط.
ولكن في كل الأحوال, فإن إيران لن تقوى على معارضة الرغبة الأمريكية هذه, وقد تقبل بترضيات أمريكية وعراقية في النهاية.
العقبة الثالثة: معارضة الحزب الديموقراطي
أما بالنسبة للتحفظات الداخلية والعراقيل التي يمكن أن يصنعها مجلس النواب أو الشيوخ في ظل السيطرة الديموقراطية, سنجد أن الإدارة الحالية تغلبت على هذا الوضع بتوصيف الاتفاقية على أنها تحالف استراتيجي, وليست اتفاقية حتى لا يضطر لرفعها لمجلس الشيوخ للموافقة عليها.
إذن باعتبار ضغط واشنطن المكثف من ناحية, وضعف الحكومة العراقية زاوية أخرى، والقدرة على التغلب على العراقيل الداخلية فإن الاحتمال الأرجح تمرير الاتفاق بعد إجراء تغييرات شكلية فقط, وهو ما يعنى أننا بصدد ولاية "أمريكية جديدة" في قلب الخليج العربي.