متى تتوقف حرب غزة؟

حسن الرشيدي
مفكرة الإسلام: سؤال يتردد بعد كل الدمار الذي حدث لغزة وحدث للبنى التحتية للمدينة وتشريد أهلها وقتل أطفالها ونساءها وخيرة رجالها (الأرقام الرسمية من القتلى حتى مساء الجمعة تتضمن ستة وسبعين طفلا وثمانية وعشرين امرأة) في عملية قتل جماعي ممنهجة ومنظمة قام بها ما يطلق عليه جيش الدفاع الإسرائيلي فالمذابح الإسرائيلية التي لم تتوقف منذ سبعة أيام و التي لم يعهد مثلها في التاريخ أن تحاصر مدينة من الجو و البر والبحر ثم تنهال وتنقض عليها أحدث الطائرات المقاتلة في العالم لتفتك بالناس و الدواب و الشجر و الحجر و لم تترك حتى دور العبادة من المساجد .
وهنا يجيء السؤال متى يتوقف هذا العدوان؟
إن الإجابة المنطقية لكي تتوقف أي حرب لابد من تحقيق أحد من ثلاثة شروط :
أولها: عندما يحقق أحد طرفيها أهدافه .
ثانيها: عندما يمنع طرف الطرف الآخر من تحقيق أهدافه .
ثالثها: عندما تحدث تسوية بحيث يستطيع طرفي القتال إنجاز بعض من أهدافهما .
مع عدم النسيان أن هناك أهدافا إستراتيجية قد تتحقق في هذه الحرب لكل من طرفي القتال أو أطراف أخرى من وراء كواليس اللعب قد تكون مستفيدة من هذه الحرب في تحقيق تلك الأهداف .
فحرب تموز عام 2006 بين إسرائيل وحزب الله توقفت عندما حققت إسرائيل هدفها في إبعاد حزب الله عن التماس معها في جنوب لبنان وإحلال قوات دولية تحول بين تنفيذ الحزب لعمليات ضد الجيش الإسرائيلي و لكنها لم تجهز على قدرات حزب الله العسكرية وفي نفس الوقت فإن الطرف الآخر قد حقق بعض الأهداف حيث أثبت قدراته في ضرب العمق الإسرائيلي بالصواريخ كما أثبت قدرة قواته في إيقاف أي هجوم إسرائيلي بري في الجنوب ولكنه عجز أما الطائرات الإسرائيلية وقوتها التدميرية النارية الهائلة أما على المستوى الإستراتيجي فقد ربحت إيران في أنها أثبتت أنها قادرة على اللعب في الملف الإسرائيلي العربي و هذه ورقة مهمة في مفاوضاتها مع أمريكا لتوزيع كعكة المنطقة بين الطرفين بعد ابتلاع العراق و أفغانستان و الهيمنة على المنطقة برمتها .
فهل تتوافر أي من هذه الشروط على طرفي القتال في غزة وهما إسرائيل المزعومة والفلسطينيين بزعامة حماس؟
بالبحث في الأهداف الإسرائيلية من تلك الحرب نجد أنها تتمثل في التالي: هدف كبير وهو قبول الطرف الفلسطيني الذي لا يزال رافضا للتسوية السلمية بالشروط الإسرائيلية وهدف أصغر وهو التهدئة و ضمان الأمن لإسرائيل. وإسرائيل مستعدة أن تقبل بالهدف الأصغر إذا لم يتسنى تحقيق الهدف الأكبر .
ويبقى الهدف الإستراتيجي الإسرائيلي هو استعادة قدرة الردع الإسرائيلية وقدرتها على ضرب المقاومة و الحد من قدراتها المتنامية في أي وقت و أي مكان .
| حماس ومن معها من فصائل فلسطينية أصغر كالجهاد واللجان الشعبية ترفض التسوية السلمية بالشروط الإسرائيلية وهي تتضمن في النهاية دويلة فلسطينية مقطعة الأوصال |
بالنسبة للهدف الأكبر فحماس ومن معها من فصائل فلسطينية أصغر كالجهاد واللجان الشعبية ترفض التسوية السلمية بالشروط الإسرائيلية وهي تتضمن في النهاية دويلة فلسطينية مقطعة الأوصال ذات روابط محدودة تحت حكم ذاتي بلا جيش أو سياسة خارجية مستقلة تخضع في سياستها أمنية الداخلية لرقابة إسرائيلية صارمة أي سلطة فلسطينية أشبه بمخفر في مدينة أو قسم للشرطة في حي من الأحياء .
و لكن كما أسلفنا إذا لم يتم تحقيق هذا الهدف فإن الأقرب لإسرائيل أو كما قلنا الهدف الأصغر هو محاولة الوصول إلى تهدئة لضمان أمن المدن الإسرائيلية من صواريخ المقاومة وهذا ما تحاول إسرائيل فرضه الآن بعد تيقنها أن حماس لن تمضي معها في تسوية مهينة كما فعلت فتح .
لذلك كانت إسرائيل متمسكة بالتهدئة التي كانت سارية وكانت راغبة في استمرارها والتي نقضتها حماس لأسباب سنتناولها فيما بعد.
| وافقت حماس على التهدئة في السابق ولكنها لم تجن منها الشيء الكثير ونظرت إلى التهدئة في أنها تأكل من رصيدها الإستراتيجي فهي لا تضرب صواريخ وتمنع الفصائل الأخرى من ضربها على المستوطنات نظير لا شيء |
بينما حماس تحاول من خلال إنهاء التهدئة تحسين شروطها فقد وافقت حماس على التهدئة في السابق ولكنها لم تجن منها الشيء الكثير ونظرت إلى التهدئة في أنها تأكل من رصيدها الإستراتيجي فهي لا تضرب صواريخ وتمنع الفصائل الأخرى من ضربها على المستوطنات نظير لا شيء فإسرائيل تضرب المقاومة متى شاءت وأكثر من عشرة آلاف أسير في سجون الاحتلال لا يزالون يقبعون خلف الأسوار و يعاني أهلهم كما أن الحصار مستمر بل اشتد بعد الهدنة فلا يخرج أحد أو يدخل إلا بعد معاناة و توسل إلى ذلك الطرف ووساطات يمينا و شمالا و مع هذا الطرف أو ذاك حتى الطعام و الوقود و البضائع و بات الناس و الفصائل الأخرى تحمل حماس مسئولية هذه الأوضاع المتردية و هنا أدركت حماس أن هذه الهدنة هي في حقيقتها استنزاف لقدراتها و خصما من رصيدها فكان لابد من عدم تجديدها و النظر في شروط جديدة.
ولكن هل تحقق الحرب بمستوياتها الحقيقية الجارية الآن والمتمثلة في الضربات الجوية المكثفة فقد ركزت القوات الإسرائيلية على تدمير المواقع الأمنية والعسكرية لحماس وتجريدها من عناصر الدعم اللوجستي لإدامة المعركة وشل منظومة الاتصالات لحرمانها من القدرة على إدارة العمليات من المقرات والوسائل المعدة مسبقاً وبذلك تفقد حماس السيطرة على الوضع تدريجياً لعدم وجود فسحة للمناورة التكتيكية لمجابهة تطورات الموقف. ومحاولة أن تدفع حماس الثمن غاليا لكي تلتزم بالتهدئة بالشروط الإسرائيلية؟
| القيادة الإسرائيلية وحلفاؤها قد وضعت أهدافاً كبرى للهجوم على قطاع غزة ثم تقلصت الأهداف للأهداف الصغرى |
لقد كانت القيادة الإسرائيلية وحلفاؤها قد وضعت أهدافاً كبرى للهجوم على قطاع غزة ثم تقلصت الأهداف للأهداف الصغرى فإن هذه الجولة يمكن أن تنتهي بفرض حقائق كبرى جديدة.
ويكاد يجمع المراقبون أن الصمود الفلسطيني بزعامة حماس لم يجد نفعا حتى الآن وتزايدت المطالب داخل إسرائيل بضرورة الاجتياح البري لاكتمال أهداف هذه الضربة .
فالاجتياح البري ينهي سيطرة حماس على القطاع ومن ثم تسليمها إلى سلطة عباس والانسحاب منها بعد ذلك. ولكن هذا السيناريو هو بسيط فقط على الورق ولكن على أرض الواقع هناك ما يحول بينه وبين إنجازه أو إنجازه على النحو المرضي عنه إسرائيليا فدخول مدينة مثل غزة تضم أكثر من مليون ونصف إنسان داخل مساحة صغيرة من الأرض والمنازل الكثيفة حيث لا تدخل الدبابات وقدرات الطائرات متدنية لابد وأن يلحق خسائر بشرية.
| حماس متجذرة في المجتمع الفلسطيني وستستمر حرب العصابات ضد الاحتلال وأعوانه بل يتحدث كثير من المراقبين اليهود على أن إسرائيل و لو احتلت غزة فإنها لا تستطيع البقاء فيها لفترة طويلة |
لذلك يطرح بعض الإستراتيجيين اليهود حلا آخرا يعتمد على الدخول المحدود واحتلال أجزاء وإزالة حماس منها ثم الانسحاب منها أي اقتحام تدريجي على طريقة قضم المناطق. ولكن خطورة هذه الحلول أنها تتجاهل أن حماس متجذرة في المجتمع الفلسطيني وستستمر حرب العصابات ضد الاحتلال وأعوانه بل يتحدث كثير من المراقبين اليهود على أن إسرائيل و لو احتلت غزة فإنها لا تستطيع البقاء فيها لفترة طويلة فهي انسحبت منها أصلا في السابق لتتخلص من أعباءها وإن هي سلمتها إلى عباس وزمرته فإنها لا تضمن أن تعود حماس وتنتصر عليهم و تعود إلى السيطرة مرة أخرى على القطاع.