دقائق قبل القصف

غزة – مفكرة الإسلام – مراسل مفكرة الإسلام في غزة
خرجت أم محمد عبد القادر بأحفادها وهي تمسك بمنديل رأسها بأسنانها وهي تصرخ في أحفادها: هيا... بسرعة، أحفادها خرجوا من قلب بيتهم الذي يعده العديد من الفلسطينيين النقطة الأكثر أمنًا، فلا يوجد في قطاع غزة ملاجئ أو أماكن أكثر أمنًا كما هو معروف، أحفادها: أسامة وحمزة وعبد الله وسندس، أكبرهم لم يتجاوز الثالثة من عمره وجميعهم خرج في هذا الجو الماطر ولم تتمكن أمهاتهم من إحضار لباس ثقيل لهم لأن المهلة المحددة لقصف بيت الجيران هي عدة دقائق كما حددتها قوات الكيان الصهيوني في اتصال هاتفي قبل لحظات.
الحاجة أم محمد من سكان مخيم النصيرات وسط قطاع غزة من الصعب الحديث معها وهي ترتجف على أحفادها الذين بدا عليهم آثار الخوف والبرد الشديدين، خصوصًا أن القطاع يمر في الوقت الحالي بموجة برد قارس.
كان يتبع الحاجة أم محمد بناتها وزوجات أبنائها بالإضافة إلى أحفادها كما ذكرنا، يشتركون جميعًا في ملامح الخوف على وجوههم، وكذلك كل واحدة منهن تحمل في يدها بطانية وبعضًا من الملابس ويبدو عليهم جميعًا أنهم لم يتمكنوا من وضع أمتعتهم و ملابسهم في أكياس أو حقائب نظرًا لضيق الوقت، فدقائق تفصلهم عن سقوط الصاروخ، وليس عجيبًا؛ فشظايا الصواريخ والحجارة الثقيلة المتناثرة ربما يصل مداها لمئات الأمتار بعيدًا عن مركز الاستهداف.
أما في منطقة السوارحة الواقعة غرب مخيم النصيرات وسط قطاع غزة فقد خرج معسكر السوارحة برجله ورجاله وشيوخه وأطفاله بعد تلقي عائلة الشهيد جهاد أبو سويرح مكالمة هاتفية من قبل الكيان الصهيوني تنذر بقصف المنزل في الدقائق القادمة، للقارئ الكريم منطقة السوارحة حالها كحال بقية المناطق في قطاع غزة – أكبر معتقل في العالم – منطقة مكتظة بالسكان ولاسيما في منطقة البيت المستهدف، عندها نزح السكان ولكن إلى أين سينزحون؟؟؟!!
في قطاع غزة لا توجد مناطق محايدة ليلجأ إليها السكان، ولا يوجد ملاجئ وهو أصلاً محاصر منذ أكثر من عامين ولم يدخل لقطاع غزة سوى الفتات.
المواطن زياد تحدث لمفكرة الإسلام بينما كان مهرولاً يحمل في يمينه طفله الذي لم يتجاوز السنتين في حين يحمل في يده الأخرى بطانية وأمتعة: أنا ذاهب لبيت أخي في المنطقة الغربية، وكما تعرف لا يوجد مكان آمن في غزة، فالله هو حسبنا!! وبينما يحاول استكمال حديثه إذ به يصرخ في ابنتيه الصغار يحثهما على الهرولة بسرعة حتى يتمكن من الوصول إلى بيت أخيه قبل أن تتم عملية القصف، وحينها لن يعرف أين بقية أفراد عائلته.
في هذه الأثناء وقبل لحظات من عملية القصف المتوقعة قام المواطن عبدالرحمن 64 عامًا بفتح جميع شبابيك بيته قبل أن يغادر البيت هو وزوجته وأبناؤه في خطوة يعمد الغزيون على فعلها بسبب القصف الصهيوني المتواصل، والذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى تهشم الشبابيك الزجاجية، ولكن الطامة الكبرى تكون في حال كون سقف البيت من ألواح الأسبست كما هو الحال بالنسبة إلى المواطن العجوز عبد الرحمن الذي هجّر من أرضه عام 1948م، ويسكن في بيت متهالك زاده القصف الصهيوني المتواصل تهالكًا، وأصبح متماسكًا بدعاء صاحبه له ليلاً.
أنهى الحاج عبد الرحمن حديثه وقد أمسك بطرف جلابيته: حسبي الله ونعم الوكيل على كل من ظلمنا وكان له يد في هذه الجريمة ضدنا، حسبي الله ونعم الوكيل
هذا وخرج سكان منطقة السوارحة واقترب صوت الطائرات الصهيونية واقترب معها........