مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

"الرصاص الإسرائيلي المتدفق" يغرق في"بقعة الزيت" الفلسطينية

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

مصطفى شفيق علام

shafeqallam@yahoo.com

مفكرة الاسلام: إذا كانت العصابة الإجرامية الصهيونية قد أطلقت على مجزرتها الإرهابية بحق الفلسطينيين في غزة اسم "الرصاص المتدفق"، في حين أطلقت فصائل المقاومة الفلسطينية بقيادة حماس على إستراتيجيتها للرد على ذلك العدوان اسم "بقعة الزيت"، فإن محصلة ما يجري على الأرض في غزة وبعد أسبوع من انطلاق الهجمة البربرية الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني الباسل يمكن تلخيصه في عبارة واحدة هي: "الرصاص الإسرائيلي المتدفق قد غرق في بقعة الزيت الفلسطينية".

وبعيدًا عن لغة الأرقام التي قد تبدو أحيانًا مضللة في التحليل السياسي إذا ما أغفلت واقع طرفي الصراع والتباين في قوة كل منهما، فضلاً عن إمكانية استخدامها كأداة إعلامية للتبرير أو للدعاية أو للحرب النفسية بين كلا الجانبين، فإنه يمكن قراءة المعركة الدائرة في غزة وفقًا لمحورين اثنين يتعلق أولها بالإستراتيجية التي أدارت بها إسرائيل عملياتها العسكرية، ومن ثم يتعلق ثانيها بالإستراتيجية التي واجهت بها حماس ومن ورائها فصائل المقاومة الفلسطينية تلك العمليات.

بالنسبة للمحور الأول، فإنه يمكن القول: إن إسرائيل بدأت عملياتها العسكرية في غزة بناءً على هدف إستراتيجي معلن ألا وهو القضاء على التهديدات التي تمثلها الصواريخ الفلسطينية على المواطنين الإسرائيليين، وإن كان ذلك الهدف المعلن يستبطن داخله ثلاثة أهداف رئيسية هي؛ أولاً: إجبار حماس على إبرام هدنة مجانية مع الكيان الصهيوني دون قيد أو شرط؛ بحيث تجني إسرائيل العسل ويتجرع الفلسطينيون الحنظل. وثانيًا: إضعاف بنية حماس العسكرية أو القضاء عليها إن أمكن. وثالثًا: تفكيك البنية الاجتماعية لقطاع غزة وحمل الشعب هناك على الانفضاض من حول حماس بل والانقلاب عليها إذا دعت الضرورة.

ولتحقيق الأهداف سالفة الذكر – المعلن منها والمستبطن – فقد أدارت إسرائيل عملياتها الإجرامية في غزة وفقًا لإستراتيجية "الرصاص المتدفق" وهو اسم يحمل دلالات عدة، أولها: تكثيف الضربات الجوية والتي بلغت وفقًا لتقديرات المحللين العسكريين نحو 300 طلعة جوية، بحيث يتدفق الرصاص ومن ثم الدمار على كل مكان، وثانيها توسيع رقعة الأهداف الحيوية على الأرض والتي قدرت بنحو 600 هدف مختلف لشل فاعلية حماس، وثالثها التسريع بوتيرة القصف لتحقيق الإنجاز في أقل وقت ممكن عبر القيام بالضربات الجوية ليلاً ونهارًا دون أن يَحُدُها وقت معين.

وإلى جانب الشق العسكري في إدارة العملية، قامت إسرائيل باتباع إستراتيجيتين مكملتين، إحداهما ذات شق إعلامي يستهدف الداخل الفلسطيني لتوهين عزيمة الشعب في غزة وحثه على لفظ حماس، وذلك عبر إسقاط المنشورات التحريضية بالطائرات وإذاعة البيانات التي تدعو إلى الاستسلام وعدم المقاومة عبر موجات الراديو، والثانية ذات شق دبلوماسي يستهدف الخارج عبر تصريحات وجولات خارجية يقوم بها مسئولون إسرائيليون للتبرير لمنطق إسرائيل وشرح وجهة نظرها بشأن عملياتها في غزة، ومن ذلك ما صرحت به وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني في باريس من أن ما تقوم به إسرائيل في غزة لا يخدم إسرائيل وحدها ولكنه يخدم أيضًا مصالح الدول العربية التي ترى في حماس منظمة إرهابية تسعى لتقويض السلام وتهدف بنموذجها إلى نشر العنف في المنطقة.

أما المحور الثاني، والمتعلق بإستراتيجية حماس لمواجهة العدوان الإسرائيلي، فقد أطلقت عليها اسم "بقعة الزيت" وهو اسم ذو دلالة أيضًا، حيث يعني الانتشار المتأني والتدريجي والفاعل في ذات الوقت، وهذا ما حدث بالفعل، حيث تميزت الإستراتيجية الحمساوية بثلاثة أبعاد وهي؛ الامتصاص، والتأمين، والرد.

أما الامتصاص، ونعني به هنا استيعاب ضربات العدو، فقد نجحت حماس وفصائل المقاومة في التعاطي مع همجية ضربات العدو التي اتسمت بالكثافة والبربرية بما يتوافق وإمكانياتها بحيث لا تنال هذه الضربات من البنية الأساسية البشرية والمادية للمقاومة، وهذا ما حدث بالفعل، فلم تنل الضربات الإسرائيلية رغم قوتها من بنية المقاومة أو رموزها، اللهم إلا استشهاد القيادي في حماس نزار ريان مع أسرته حينما استهدف الطيران الإسرائيلي منزله حيث رفض الشهيد نزار مغادرته مع علمه بأنه مستهدف. وأما التأمين، فنعني به الحفاظ على الجبهة الداخلية - والتي هي ظهر المقاومة – موحدة دون انشقاق رغم ما تقوم به إسرائيل بشكل مباشر تارة وباستخدام محمود عباس وسلطته العميلة تارة أخرى لتحقيقه، وهذا ما نجحت فيه حماس بالفعل، وخير مؤشر على ذلك ما أعلنه رئيس وزراء حكومة حماس إسماعيل هنية من تلقيه رسالة من رءوس كنسية في غزة مفادها إننا معكم وكلنا فداء لغزة. ويأتي بعد ذلك الرد، فبعد نجاح حماس في امتصاص ضربات العدو وتأكدها من صلابة الجبهة الداخلية، بدأت إستراتيجية زخ إسرائيل برشات صاروخية متدرجة لا نقول إنها مدمرة تمامًا ولكنها مُقلِقة بالدرجة التي أجبرت إسرائيل على الاستعداد لما هو أسوأ بإعادة فتح المخابئ والملاجئ في المدن الجنوبية وحتى تل أبيب لحماية مواطنيها من تلك الصواريخ. والحقيقة أن حماس وفصائل المقاومة ترتكز عبر هذه الصواريخ – التي تبدو في نظر البعض بدائية – إلى إستراتيجية توازن الرعب، فإذا لم تكن هذه الصواريخ بقادرة على إلحاق دمار شديد بالعدو فإنها على الأقل ترعبه وتخيفه بل وتزعزع جبهته الداخلية بالفعل، تلك الجبهة التي لا تستطيع الصمود أمام ضربات المقاومة مع بساطتها والتي لا تطيق العيش في الملاجئ لفترات طويلة، وما حدث في حرب صيف 2006 على لبنان خير دليل على ذلك، وربما هذا ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي المستقيل إيهود أولمرت إلى طمأنة شعبه عبر التأكيد على أنه لا يرغب في إطالة أمد العملية العسكرية التي تخوضها قواته في غزة.

هذا على الجانب الميداني في إدارة حماس للمعركة، أما على الجانبين الإعلامي والسياسي فقد أدارتهما أيضًا بمهارة بما يتناسب مع المتاح من إمكانيات، فعلى الصعيد الإعلامي، نجحت حماس في مخاطبة الرأي العام الخارجي عبر إبراز مشاهد الدمار التي طالت المنازل والمساجد والمنشآت المدنية، مع إبراز أكثر كثافةً لصور الشهداء الأبرياء لاسيما من الأطفال والنساء للتأكيد على وحشية الهجمات الإسرائيلية، وبيان زيف ادعاءاتها بأنها تستهدف كوادر وبنية حماس والمقاومة. كما نجحت أيضًا في مخاطبة الداخل الإسرائيلي عبر اختراقها للإذاعة الإسرائيلية أكثر من مرة وبث بيانات للمواطنين الإسرائيليين بأن الأسوأ قادم، وأن المقاومة ستصعد من ضرباتها وأنهم سيكونون أول الضحايا، وذلك بهدف تكوين رأي عام داخلي ضاغط يرفض الاستمرار في تلك العمليات الدائرة في غزة.

وعلى الصعيد السياسي، فقد كسبت حماس نقطة مهمة أمام الداخل الفلسطيني والمحيط العربي عبر إعلانها الاستعداد للحوار مجددًا مع السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس مع تأكيدها على أن الأولوية الآن يجب أن تكون تحقيق التكاتف الداخلي لوقف العدوان على غزة.

وأخيرًا وبعد قراءتنا للواقع الميداني لموقعة غزة بعد أسبوع من بدايتها، وإذا كانت إسرائيل لم تنجح في تحقيق أيٍ من أهدافها، فلم يتوقف إطلاق صواريخ المقاومة الفلسطينية على البلدات الإسرائيلية بل ازدادت كثافتها، ولم تتغير إستراتيجية حماس إزاء التهدئة بل باتت أكثر تشددًا، ولم ينقلب الشعب الفلسطيني على حماس بل اتسعت شعبيتها بشكل لافت لا في الأراضي الفلسطينية وحدها ولكن خارجها أيضًا، فهل تقدم إسرائيل على الخطوة الأعنف التي تُلَوِّحُ بها بين الحين والآخر وهي التوغل في غزة بريًا لإنجاز تلك الأهداف؟ على الرغم من رفض الكثير من العسكريين الإسرائيليين أنفسهم لتلك الخطوة، مع تأكيد قادة المقاومة الفلسطينية أنهم ينتظرون تلك اللحظة بالفعل وتوعدهم بتكبيد إسرائيل خسائر فادحة إذا أقدمت على ذلك، سؤال لن تجيب عنه غير حكومة إسرائيل ثلاثية الرءوس، وإن كان الجميع بات يدرك الآن ـ وبدون شعارات ـ أن المقاومة باقية ومنتصرة وأن الاحتلال مهما تعاظم فإلى زوال.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 3 يناير 2009
  1. أحدث الصور لمذبحة غزةأحدث الصور لمذبحة غزة تواصلت المذابح والمجازر الصهيونية البشعة على المسلمين في قطاع غزة كما تواصلت الحملة الصهيونية القذرة على المساجد والمآذن تدميرا , مع استهداف المدنيين والأطفال والنساء والشيوخ , كل هذا في ظل صمت عالمي ورسمي قاتل .. لمتاغزة في وجه الاحتلال الصهيوني · 1 د قراءة
  2. غزة.. متى تنطفئ النيران؟الخبر: مفكرة الإسلام : ارتفع عدد الشهداء جراء العدوان "الإسرائيلي" المستمر على غزة إلى 434 بعد استشهاد مقاتلين اثنين من كتائب عز الدين القسام الليلة الماضية، فيما بلغ عدد الجرحى نحو 2280. التعليق: كتبه/ علي صلاح كلما اندلعت النيران في إحدى حدث وتعليق · 4 د قراءة
  3. حالة تأهب حول منزل "باراك" بعد أنباء عن دخول استشهادي فلسطينيكثفت شرطة الاحتلال "الإسرائيلي" وجودها في مدينة القدس المحتلة وسط حالة التأهب القصوى على خلفية ورود إنذارات بدخول استشهادي فلسطيني إلى المدنية يعتزم تنفيذ عملية ردًا على العدوان المتواصل على قطاع غزة. وبحسب وكالة "قدس نت" قالت مصادر الاحتلاحدث الساعة · 1 د قراءة
  4. استشهاد قيادي عسكري بحماس والقسام تعلن صد قوة برية للاحتلالأعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مقتل أحد قادتها العسكريين في هجوم جوي، بينما قال الجناح العسكري للحركة: إنه صد فجرا توغلا حاول عناصر قوة خاصة من الجيش الصهيوني القيام به واجتياز الحدود مع القطاع. وقال متحدث باسم كتائب عز الدين القسام: حدث الساعة · 1 د قراءة
  5. المقاومة تقصف "سديروت" ومبنى المخابرات "الإسرائيلية" في كيسوفيمأعلنت مجموعات الشهيد أيمن جودة التابعة لكتائب شهداء الأقصى مسئوليتها عن قصف مبنى المخابرات "الإسرائيلية" في كيسوفيم بفلسطين المحتلة عام 1948 بثلاث قذائف هاون من عيار 100 ملم. وذكرت الكتائب أن الوحدة الصاروخية التابعة لها تمكنت من إطلاق تلك حدث الساعة · 1 د قراءة
  6. الظلام يلف مدينة غزة.. وإغلاق معبر رفح بعد قصف "إسرائيلي" مكثفواصلت قوات الاحتلال "الإسرائيلية" قصفها للبنى التحتية في قطاع غزة، وأكدت مصادر فلسطينية محلية أن مدينة غزة ستغرق في الظلام الدامس بعد استهداف الاحتلال لمحطة توليد الكهرباء. كما تسبب القصف "الإسرائيلي" المكثف الذي تعرضت له المنطقة الحدودية بغزة في وجه الاحتلال الصهيوني · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: "الرصاص الإسرائيلي المتدفق" يغرق في"بقعة الزيت" الفلسطينية