الهاشمي ورفض قانون الانتخاب

عصام زيـدان
مفكرة الإسلام : في خطوة أثارت ردود فعل متباينة، نقض نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي، قانون الانتخابات الجديد، الذي صادق عليه مجلس النواب العراقي في الثامن من الشهر الجاري، والذي من المفترض أن تجرى الانتخابات البرلمانية على أساسه في الفترة بين 18 و23 يناير القادم.
وهذا النقض أثار عدة تساؤلات عن الأسباب التي دعت الهاشمي إلى مواجهة البرلمان وتسعير هذا الصراع السياسي، وما الذي يدعو الحكومة الحالية بقيادة نوري المالكي للتواطؤ مع البرلمان لتبرير القانون المثير للجدل، ولماذا هذا الاهتمام بالانتخابات البرلمانية المقبلة؟
بداية نقول أن الانتخابات البرلمانية القادمة ستتحدد إلى حد كبير من سيحكم العراق خلال عملية انسحاب القوات الأمريكية التي تلوح في الأفق نهاية العام المقبل، كما أنه وللمرة الأولى سيكون للناخبين خلال هذه الانتخابات القدرة على اختيار المرشحين وليس مجرد الأحزاب، وهو ما يبرر ذلك الجدل السياسي العنيف بشأنها.
أما عن الأسباب التي دعت الهاشمي لنقض هذا القانون، نتوقف بداية عند التعديل الذي أرسله إلى البرلمان يوم 15 نوفمبر الجاري، وهو الذي ارتكز على ثلاثة محاور رئيسية:
المحور الأول: زيادة نسبة المقاعد التعويضية للمهجرين.
المحور الثاني: يقوم على إنصاف بعض المكونات الاجتماعية بزيادة حصصها في القوائم التعويضية.
المحور الثالث: يهدف إلى إنصاف القوائم الصغيرة بهدف تعويضها.
وقد صرح الهاشمي في مؤتمر صحفي، إنه اعترض على البند الأول من القانون، واقترح زيادة نسبة مقاعد المهجرين العراقيين ضمن المقاعد التعويضية من 5 في المائة إلى 15 في المائة، وإنصاف بعض المكونات الاجتماعية بزيادة حصصها من المقاعد، وإنصاف القوائم الانتخابية الصغيرة.
وطالب الهاشمي بزيادة مقاعد المسيحيين لترتفع من خمسة مقاعد إلى ستة مقاعد وزيادة تمثيلهم في البصرة أيضا بعد ما كانت في كل من بغداد ونينوى وكركوك ودهوك وأربيل، كما شدد على ضرورة زيادة حصة الايزيديين من المقاعد في نينوى لترتفع من مقعد إلى مقعدين، وعلى أهمية زيادة مقاعد الصابئة المندائين لتصبح مقعدين في بغداد والبصرة بعد ما كانت مقعد واحد في بغداد.
ويصر الهاشمي، كذلك، على منح العراقيين الذين فروا للخارج في أعقاب الغزو عام 2003 صوتا أكبر، يناسب حجمهم، كون القسم الأكبر من العراقيين الذين اتخذوا مأوى مؤقت في الخارج من السنة، حيث أكد في مقابلة مع الجزيرة الفضائية أنه مصر على تعديله الخاص بالنسبة الممنوحة للعراقيين بالخارج،وتساءل عن كيفية اختزال عدد المقاعد الممنوحة للعراقيين في الخارج رغم تزايد أعدادهم.
وفي تصريح لصحيفة "الشرق الأوسط" قال إن "القضية اليوم هي أكبر من مهجري الخارج لأنها تتعلق بقيمة الصوت الانتخابي العراقي التي ينبغي أن تكون واحدة ومتكافئة بين كل العراقيين لأن قيمة الصوت الانتخابي هي من الثوابت الوطنية".
ووضع نقض الهاشمي الانتخابات البرلمانية أمام تحديات دستورية، أحدها شرط أن يقر قانون للانتخابات قبل 60 يوما من التصويت، وهناك قيد دستوري آخر وهو ضرورة إجراء الانتخابات بحلول نهاية يناير، وأي موعد بعد 24 يناير سيكون مثيرا للجدل بسبب أحدى المناسبات الدينية الشيعية.
وهذه التحديات جعلت الأرجح تأجيل الانتخابات التشريعية، حيث قال رئيس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات فرج الحيدري إن إمكانية إجراء الانتخابات في يناير "تلاشت على كل حال"، كما رأى المسئول بمفوضية الانتخابات قاسم العبيدي أنه من المستحيل إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، مشيرا إلى أنه سيتم انتظار نتيجة الصراع السياسي الراهن قبل تحديد موعد جديد.
وحقيقة لم يكن أمام نائب رئيس الجمهورية إلا نقض الفقرات التي هُضمت بها حقوق المهجرين في قانون الانتخابات، ولو لم يتخذ قرار النقض لارتكب خطأ تاريخيا على المستويين الشخصي والوطني، حيث تعد عملية الالتفاف على المقاعد البرلمانية المخصصة لعراقي الخارج وغالبيتهم من "المهجرين السنة" واحدة من أخطر محطات الإقصاء والتهميش، وتعكس تصرفا يحمل صفة طائفية من قبل بعض الأطراف التي تريد الاستئثار بالحكم في العراق.
فهناك نحو مليوني عراقي في سوريا والأردن وحدهما، وهذا يعني وجوب تخصيص عشرين مقعدا لهم في البرلمان، وليس بضعة مقاعد، ولكن يراد حرمانهم من حقوقهم لأنهم من شريحة يراد إقصاؤها، حيث ترغب الحكومة والبرلمان في حرمان سنة العراق من الإدلاء بأصواتهم والمشاركة في تقرير مستقبل البلد.
ولذلك تعرض الهاشمي لهجمات وانتقادات حادة، لأنه يحاول جاهدا إجهاض محاولة تحويل اجتثاث البعث إلى محاولة لإقصاء أهل السنة، وفضح محاولة خلط الأوراق التي تتقنها بعض الأطراف التي تسيطر على مقاليد الحكم في بغداد.
أما عن الحكومة وتواطئها مع البرلمان لتمرير القانون، فقد وُصف قرار الهاشمي بالمؤامرة لخدمة البعثيين وحُمل مسؤولية إعادة الأوضاع إلى المربع الأول، وهذا ما ورد تحديدا على لسان رئيس الوزراء نوري المالكي الذي وصف موقف الهاشمي بأنه "يشكل تهديدا خطيرا للعملية السياسية والديمقراطية"، وقال في تصريح نقلته للجزيرة نت إنه "فوجئ بإعلان النقض للقانون، الأمر الذي يشكل تهديدا خطيرا للعملية السياسية والديمقراطية ولم يقم على أساس دستوري متين ولم يراع المصلحة الوطنية العليا".
ومن ناحيته، قال أحد النواب المحسوبين على الطائفة الشيعية إن قرار الهاشمي سيؤدي إلى تأجيل الانتخابات وتعطيل العملية الديمقراطية، معتبرا القرار بأنه "أدخل العملية السياسية برمتها في نفق جديد".
وطالب في حديث للجزيرة نائب الرئيس أن "يقدر الحرج الذي سيؤدي إلى تأجيل الانتخابات ما يعطي رسالة خاطئة وخطيرة من ظهور اصطفافات طائفية".
وهذا التصريحات من قبل المالكي ومن يدعمه في البرلمان العراقي تؤكد مجددا أن ما يقال عن عمليات الدمج وإقصاء الطائفية ليست إلا عناوين براقة تقف من ورائها عملية خداع كبرى تهدف في النهاية إلى تنحية السنة ومنعها من المشاركة في عملية الحكم.
وأخيرا نقول أن قانون الانتخابات الحالي ومحاولة اجتثاث البعثيين يعد بمثابة غطاء للهيمنة والطائفية على العراق وإقصاء أهل السنة عن الحكم.