قواعد الاشتباك المصرية
محمد سليمان الزواوي[1]
مفكرة الإسلام : لا يمكن لدولة بحجم مصر أن تظل تعتمد في تفسيرها لكل ما يحدث بها من انتهاكات على نظرية المؤامرة ونظرية "الطرف الثالث" الذي يندس ويعبث دائمًا بأمن الوطن. لا يمكن لأي سلطة حاكمة تعتلي سدة الحكم في مصر أن تظل في هذا العجز عن الفعل أو عن رد الفعل أو عن التفسير لما يحدث من كوارث تحيق بأمن مصر وتهدد بأن تدفعها إلى هوة سحيقة. مصر ليست الكونغو ولا هايتي ولا الصومال. مصر دولة محورية يرتبط بمستقبلها أمة وهي دولة مركز في محيطها شاء من شاء وأبى من أبى. ومن يعتلي سدة الحكم في مصر يجب عليه أن يعي هذه الحقيقة أو يتنحى غير مأسوف عليه.
لا يعقل أن جيشًا بحجم الجيش المصري يستلم مسئولية تأمين البلاد في واحدة من أخطر منعطفاتها التاريخية ويعلل بأن هناك أطرافًا خارجية مندسة هي التي تشعل الحرائق وتدفع للبلطجية وتحرض على استمرار حالة الفوضى في البلاد، فبالرغم من أن الجيش المصري لم يستلم من قبل مهام شرطية إلا أنه وبحكم احترافيته يجب أن يكون جاهزًا لكل الاحتمالات؛ فالجيش المصري من ضمن مهامه الأساسية هي حفظ الأمن الداخلي سواء في حدوث اضطرابات جسيمة مثل تلك التي تقع حاليًا، أو في حالة ما بعد الحروب وتدمير البنية التحتية وانتشار الفوضى في البلاد لأي ظرف آخر، فما يحدث من فوضى هو مسئولية السلطة الحاكمة في مصر الممثلة في المجلس الأعلى ورئاسة الوزراء، سواء في اندلاع الفوضى أو في الطريقة العقيمة والوحشية لإخمادها.
ومن يتتبع كافة مشكلات مصر في حقبة ما بعد الثورة والتعامل الأمني مع المشكلات السياسية يدرك أنها ليست مشكلة بل أزمة مزمنة: في اعتصامات التحرير وأزمة السفارة "الإسرائيلية" ثم أزمة ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء؛ نمط يتكرر بدون أن تعي السلطة الحاكمة الدرس وبدون أن تغير من تكتيكاتها؛ وفي كل الحالات يسقط شهداء من الجانبين، والنمط المتكرر هو ممارسة أقصى درجات ضبط النفس ثم الاقتحام بكل وحشية وقسوة ضد المتظاهرين، والتفسير معروف ومنطقي: السلطة الحاكمة في مصر وبسبب الضغط الشعبي والإعلامي تمارس أقصى درجات ضبط النفس، ولكن تلك ليست هي الحالة بين الجنود على الأرض؛ فبينما يمارس المجلس الأعلى للقوات المسلحة ضبط النفس وسياسة النفس الطويل فإن الجنود على الأرض يصلون إلى أقصى حالات الضغط العصبي بسبب طول فترة الاعتصامات وبقائهم الطويل في الشارع المتوتر "مشدودين" باللغة العسكرية ومطالبين بعدم الرد على الاستفزازات أو استخدام أي نوع من أنواع السلاح، ويستمر الشحن مع ضبط النفس ليصل إلى مداه، وحينئذ تقرر السلطة الحاكمة فض الاعتصام فجأة وبالقوة! فكيف يتوقع عاقل أن يتصرف الجنود ـ المتوترون ـ بعقلانية، وهم يسمعون ليل نهار من أعلى مراكز صنع القرار في السلطة بوجود مخربين وقلة مندسة قد تطلق عليهم النيران أو تستهدف أمنهم الشخصي في حين يسلحهم الجيش بمجرد العصي؟!
إنه نمط متكرر في كل الأحداث السابقة، ضبط نفس يعقبه انفجار وقتل وترويع يصل إلى الدهس بالمدرعات! فالمجلس العسكري كما هي مسئوليته تأمين مصر ومنشآتها فهو مسئول عن تأمين أفراد القوات المسلحة وكذلك كافة أفراد الشعب، ومن الواضح أن هناك فوضى في حالة صنع القرار في مصر وهي التي أفرزت كل تلك المشاهد الدامية والأنفس التي تزهق بسبب سوء إدارة المرحلة الانتقالية، فلم يكن التخبط فقط في اختيارات رئيسي الوزراء أو في مستشاريهم بدءًا من الجمل وانتهاء بالسلمي، ولم يكن فقط في استجابة المجلس الأعلى للضغوط من كافة الاتجاهات الإسلامية والليبرالية ومحاولة تلبية طلبات الجميع وهو ما خلق حالة الفوضى الحالية، ولكن في الأهم من ذلك كله وهو قواعد الاشتباك مع المتظاهرين والمتعصمين، ويبدو أن من كتب تلك القواعد وكيفية التعامل مع أحداث الشغب كتبها في حقبة المخلوع ولم يتم تعديلها حتى الآن.
فيجب على المجلس الأعلى أن يسن قواعد اشتباك جديدة وأن يوضحها بجلاء للشعب ولأفراد القوات المسلحة، ويجب أن تكون متدرجة في القوة وأن تخضع للرقابة سواء من المؤسسة العسكرية أو من المؤسسة القضائية ويجب أن يسبق فض الاعتصام الكثير من الإجراءات الأمنية التي تمنع تحول الوضع إلى الاشتباك الدامي كما شهدناه في الأيام الماضية منذ اندلاع الثورة المصرية؛ فيجب التفرقة بين الوقفات السلمية وغير السلمية، وكلاهما له قواعد اشتباك مختلفة، وكلاهما يجب أن يخضع لمراقبة السلطات وتوضيح طبيعة تلك الوقفات من وجهة النظر الأمنية أمام الرأي العام، وأن يتم توضيح كيفية التعامل مع تلك الوقفات، لتحذير المسالمين من الدخول في الاعتصامات غير السلمية والتحذير قبل أن يتم فض الاعتصام بالقوة، ويجب تهيئة الرأي العام وحشده مع فض الاعتصامات بالقوة وتوضيح أن هناك عناصر مخربة بالصور والأدلة وذلك "قبل" أن يتم فض الاعتصام وليس بعده.
ويجب التعامل السياسي والإعلامي مع تلك المشكلات وعدم تركها حتى تتفاقم وتصل إلى درجة الغليان ثم يتم أمر الجيش بـ "فض الاعتصام بالقوة" دون مراعاة لأي قواعد في الاشتباك، وأن الهدف النهائي ليس قتل المعتصمين ولكن تفريقهم والقبض على المخربين منهم وحاملي الأسلحة والمتورطين في إحراق المنشآت، وبالرغم من أن ذلك يتطلب عقلاً ووعيًا من الجنود إلا أن الضامن في ذلك هو وضع قواعد اشتباك سليمة وأن يقوم الضباط على تنفيذها وذلك كله في إطار من الرقابة القضائية والعسكرية على الأداء، في ظل بيئة إعلامية وسياسية ممهدة ومؤيدة لفض الاعتصامات بالقوة غير المفرطة؛ فالجنود بشر مختلفو الطبقات من التربية والتعليم والفهم والطبائع؛ فمنهم من يقوم بعمل إشارات إباحية للمتظاهرين ومنهم من يقذفهم بالحجارة ومنهم من يستخدم أقصى درجات القوة ومنهم من يستر عورة مسلمة، ومنهم إذا أعطيته سلاحًا محشوًا فسوف يفرغه في جسد أول شخص يستفزه؛ فهم عينة من المجتمع الذي صنعه مبارك بكل عواره، وفي مرحلة الثورة يجب القضاء على ذلك العوار بوضع قواعد صحيحة للاشتباك من السلطة الحاكمة التي ائتمنها الشعب، وليس الاستمرار على قواعد اشتباك النظام القديم عدو الشعب الذي ثار عليه.
فالمجلس العسكري مسئول أمام الشعب عن سقوط الدماء من الجانبين، كما أنه مسئول عن الإفصاح عن سير التحقيقات في كافة الأحداث الدامية السابقة أمام الرأي العام ومحاسبة المسئولين عن ذلك، ومحاكمة مستخدمي الذخيرة الحية ضد المعتصمين ومن أعطاهم الأوامر بذلك حتى لو كانوا في أعلى هرم السلطة في مصر، كل ذلك بعيدًا عن فرضيات المؤامرة ونية الفلول لإشعال الأوضاع أو اتهامات المجلس بأنه راغب في السلطة ويريد فوضى في البلاد، فنحن نتعامل بالمنطق وبالتدرج المنطقي للأحداث؛ فالفلول موجودون ولهم أجنداتهم ومؤامراتهم، والمجلس قد يكون راغبًا في السلطة أو على الأقل يريد وضعية أفضل للجيش ـ كما أن جميع الفصائل تريد وضعية أفضل لها تحت الشمس في مصر الجديدة ـ، فالفوضى موجودة بأعلى درجاتها وكذلك المؤامرات من كل جانب؛ لذلك يجب أن يكون الشعب هو حامي ثورته وأن يفرض إرادته التي أطاح من أجلها بنظام بائد، ويجب أن يضع قواعد الاشتباك التي تحمي أمنه وشرعيته الثورية، ويمنع كذلك كيد الكائدين وطموح الطامحين بالرقص على جثة الوطن.
[1] باحث في العلوم السياسية ومدير تحرير "مفكرة الإسلام".