مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

هل وقع الإخوان في فخ العسكري؟

7 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

كتبه للمفكرة/ شريف عبد العزيز

shabdaziz@hotmail.com

مفكرة الإسلام : "الرأي عندي ألا تعترضوهم في خرجتهم هذه، فإنهم مثل السيل يحمل من يصادره، وهم في إقبال من أمرهم ولهم نيات تغنيهم عن كثرة العدد، ولهم قلوب تغني عن حصانة الدروع، ولكن أمهلوهم حتى تمتلئ أيديهم بالغنائم، ويتنافسوا على الرئاسة، ويستعين بعضهم ببعض، فحينئذٍ تتمكنون منهم بأيسر أمر" (كارل مارتل) القائد العام للجيوش الإفرنجية المنتصرة على المسلمين في معركة بلاط الشهداء.

لا أدري لماذا قفزت هذه المقولة الإستراتيجية الفذة لذلك القائد العسكري العتيد أمام ذهني مباشرة فور سماعي عن نبأ ترشيح جماعة الإخوان لنائب المرشد المهندس خيرت الشاطر للرئاسة المصرية بعد أكثر من عام من الصمود لضغط شباب الجماعة ومحبيها ورفضها التام لدعم أي مرشح إسلامي أملاً في تحقيق فكرة المرشح التوافقي التي ولدت ميتة ومرفوضة سياسيًّا وشعبيًّا ونخبويًّا، وقد يكون عند جماعة الإخوان المسلمين الكثير من المبررات لتغير قرارهم السياسي والعدول عنه،إلا إنني أعتقد من وجهة نظري أن الجماعة الأكثر تنظيمًا والأكبر عددًا والأبرز سياسيًّا قد وقعت في فخ محكم نصبه لهم العسكر في مصر، وأن الجماعة قد دخلت شركًا لن تخرج منه إلا بخسائر فادحة، وهو ما بدت بوادره ليس في الظهور فحسب ولكن في الانفجار أيضًا.

المجلس العسكري الذي بدا لكثير من المراقبين والمحللين أنه يفتقر للخبرة والكفاءة السياسية اللازمة لإدارة البلاد في هذه الفترة الانتقالية العصيبة والمليئة بالمشاكل والأزمات، قد استطاع أن يخدع الجميع في مصر بعد الثورة، واستطاع أن يلاعب كل أطراف المشهد السياسي من أحزاب سياسية وثوار وقوى شعبية باقتدار وحرفية بالغة، وكانت لعبة التعديلات الدستورية أكبر نجاح للمجلس في خداعه للشعب، إذ شق بها صف الثورة الملتحم، وبذر بذرة الطائفية فيه مرة أخرى، واستطاع أن يحقق بالموافقة عليها كل مخططاته بحق الثورة والثوار، فقد أعطته الموافقة صك شرعية البقاء وأحقية التشريع، فتلاها بإعلان دستوري معيب مليء بالخروق والنقاط البينية التي فتحت الباب على مصراعيه لشتى التأويلات من كل جانب، ولا أكون مبالغًا إذا قلت: إن الإعلان الدستوري كان بمثابة الشرك الذي أجهض كل منجزات الثورة وسمم مكتسباتها، فبعد عام من الثورة لم تحصل البلاد إلا على مضامين فارغة، ومؤسسات حكم منزوعة الصلاحيات، مما أبقى المجلس العسكري سيد قراره حتى هذه اللحظة.

المجلس العسكري كان أمامه بعد السيطرة التشريعية والتنفيذية على مقاليد الأمور في البلاد عقبتان كبيرتان؛ أولهما إنهاء الحالة الثورية المستمرة في ميادين مصر والتي كانت تمثل ضغطًا مؤثرًا على تصرفات المجلس وقراراته، فرغم عشوائية مشهد الثوار، واختلاف تركيبتهم وضبابية الرؤية عندهم، إلا إنهم قد استطاعوا أن يطيحوا بثلاث حكومات متتالية في حين لم يستطع المجلس المنتخب أن يطيح بحكومة واحدة، وقد استطاع المجلس باللعب على أوتار الأمن المفقود والانهيار الاقتصادي والأزمات المتتالية أن يخلي الميادين تدريجيًّا من ثوارها، ثم كانت الضربة القاضية بقضية التمويل الأجنبي المفتعلة أن ينهي الحالة الثورية تمامًا ويخلي التحرير من أي قوى ضاغطة عليه، وأن يظهر الثوار بثوب المتآمرين المأجورين.

أما ثاني العقبات فكانت الشعبية الكبيرة لجماعة الإخوان المسلمين في أوساط المصريين وهي الشعبية التي مكنتهم من حصد غالبية مقاعد البرلمان بغرفتيه، ومكنتهم من قبل من تأجيج الحالة الثورية التي بدأت خافتة في يوم 25 يناير، ثم استحالت لطوفان جارف يوم 28 يناير اقتلع المخلوع ورجاله في أيام معدودات، فشعبية الإخوان وقدرتهم على التحشيد والتنظيم كان هاجس المجلس العسكري الرئيس، ومن ثم لم يستطع العسكر أن يصطدموا مع الإخوان في بداية الثورة، واتبعوا سياسة الاسترضاء والنفس الطويل مع القوى الإسلامية التي تسيطر فعليًّا على الشارع، ثم كانت المؤامرة التي تستهدف مصداقية الإخوان بفخ بالغ الإحكام والدهاء في نفس الوقت، فالمصداقية والثقة هي التي أعطت للإخوان شعبيتهم الجارفة بين أوساط المصريين، وكان الإخوان قد تعهدوا للجميع شعبًا وقوى سياسية أنهم لن يستولوا على الأمور كلها وحدهم، تعهدوا بتطبيق مبدأ المشاركة لا المغالبة، ومن أجل تأكيد ذلك تعهدوا بثلاثة أمور رجعوا عنها كلها؛ فقد تعهدوا بالترشح على 30% من مقاعد البرلمان، فلم يلتزموا بالأمر ورفعوها إلى 75%، ثم تعهدوا بعدم المطالبة بتشكيل الحكومة، وإذا بهم يحاربون من أجل تشكيلها والإطاحة بحكومة الجنزوري، وتعهدوا بعدم الترشح على منصب الرئاسة وإذا بهم يدفعون بأقوى وأفضل كوادرهم في سباق الترشح، وهو ما أدى لحالة استياء شعبية وسياسية ونخبوية وإسلامية عارمة ضد الإخوان المسلمين.

المجلس العسكري ليستدرج الإخوان إلى هذا الفخ الخطير، اتبع ثلاثة أساليب خبيثة ماكرة تؤدي في مجملها ونهايتها لإجبار الإخوان على اتخاذ القرار المصيري بترشيح الشاطر، هذه الأساليب هي:

الأول: أسلوب تفريغ المضامين بسحب الصلاحيات من كل مؤسسات الدولة، فالمجلس قد شل حركة البرلمان تمامًا وجعله عاجزًا عن اتخاذ أي قرارات جوهرية ومنقذة لورطة المصريين وأزماتهم العنيفة، مما جلب على أعضاء المجلس وغالبيتهم من التيار الإسلامي الكثير من الانتقادات الشعبية المريرة، وسرت حالة من فقدان الثقة في مقدرة الإسلاميين عمومًا والإخوان خصوصًا على تحمل المسئولية، وفي نفس الوقت وبالتوازي مع هذا القصور المهني المفتعل للمجلس، شنت وسائل الإعلام التابعة للمجلس العسكري والقوى العلمانية والليبرالية حربًا ضروسًا على الإخوان استهدفت أداءهم البرلماني وركزت على فكرة الاستحواذ والهيمنة، وبالغت وسائل الإعلام في تشويه الإخوان حتى وصفتهم بمستنسخ الحزب الوطني البائد، وساعدهم في ذلك الأعضاء الليبراليون في المجلس الذين تعمدوا تعويق عمل المجلس وتعطيل أداء لجانه بشتى الطرق، والمحصلة النهائية شلل في عمل البرلمان وإساءة بالغة لأعضائه.

الثاني: أسلوب التلغيم قبل التسليم، وذلك بافتعال الأزمات الكبيرة التي لا يرى أثرها إلا في المستقبل، بحيث تتراكم الأزمات والمشاكل المستقبلية وتستعصي على الحل، مما ينذر بفشل أي حكومة قادمة، فقروض ضخمة بشروط مجحفة وتصدير للأزمات بحلول تخديرية، وتعطيل لكل المشاريع الناجحة وإبقاء للمسئولين الفاسدين في مناصبهم، والاستجابة لأي مطالب فئوية وكلها مالية مما أرهق ميزانية الدولة، فهل يعقل أن تقوم حكومة برفع الرواتب والحوافز لموظفي الدولة وفي نفس الوقت تخفض الضرائب وهي من الإيرادات السيادية للدول في وقت تعاني فيه مصر من انهيار اقتصادي؟ بالجملة تفننت حكومة الجنزوري في إفساد مستقبل مصر وتبويره بشتى الطرق، مما جعل الإخوان والسلفيين يصرون على المطالبة بسحب الثقة من حكومة الجنزوري والتشدد في هذا الأمر، وقد قابل المجلس هذا الطلب بالرفض التام بل والإصرار على الرفض، مما زاد من حدة التوتر السياسي في البلاد، وأعلن الإخوان عن قدرتهم على تشكيل حكومة إنقاذ وطني تشترك فيها أطياف الحياة السياسية، وهنا برز دور الإعلام في حملة ضد الإخوان بأنهم قد نكصوا عهدهم لعدم المطالبة بتشكيل الحكومة، وامتلأت الحياة السياسية بالأكاذيب والدعايات الباطلة ضد الإخوان والتيار الإسلامي عمومًا.

الثالث: أسلوب الانسداد السياسي المؤدي لشلل تام في الحياة السياسية في البلاد، وذلك بتعطيل عمل اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور بعدما اتفق على آلية تشكيلها وعملها بين القوى السياسية، إذا بالمجلس العسكري يضغط على الأعضاء العلمانيين في اللجنة - وعددهم 52 عضوًا من أصل مائة - للانسحاب من اللجنة والاعتراض على طريقة تشكيلها رغم موافقتهم الأولية واشتراكهم في التصويت عليها، وقد كشف عن هذه الضغوط النائب محمد أنور السادات الذي ذكر أن شخصية سيادية قد اتصلت به من أجل الانسحاب ولكنه رفض؛ ولأن العلمانيين والليبراليين كانوا ومازالوا دمى بيد الطغاة وأكبر أعوان وأنصار لأي نظام استبدادي، فقد أخذوا في الانسحاب بصورة أوشكت على إسقاط اللجنة بالكلية، مما أضفى على الحياة السياسية شللاً تامًّا قد يؤذن في أي لحظة بالانفجار.

بهذه المكيدة الخبيثة شديدة الدهاء استطاع المجلس العسكري أن يستدرج بل يُلجئ الإخوان إلى هذا القرار الخطير، ودهاء المكيدة في إلزامها للإخوان اتخاذ هذا القرار وهم يعلمون مدى ضرره وخطورته، فالإخوان لم يكن لهم بد من اتخاذ هذه الخطوة المفصلية في حياتهم السياسية، وأيًّا ما كانت نتيجة الانتخابات فالإخوان هم الخاسرون، فسواء نجح الشاطر أو خسر فالمحصلة النهائية خسارة التيار الإسلامي كله والإخوان خصوصًا، والنجاح الكبير للمجلس ومرشحه للرئاسة وهو بالمناسبة عمرو موسى وليس عمر سليمان، والأنكى من ذلك أن هذه الخطوة ستؤثر على التيار الإسلامي كله، فسوف تتفتت الأصوات بين عدة مرشحين إسلاميين، وتقل حظوظ معظمهم، وستخلق حالة من التلاسن والشقاق الحاد بين أنصار كل مرشح وهو ما حدث فعلاً، فموقع الفيس بوك لم يهدأ أو ينم رواده منذ الإعلان عن ترشيح الشاطر، بل إن التلاسن سيصل للمرشحين أنفسهم كما حدث من المستشار العوا الذي اتهم الإخوان بعقد صفقة مع العسكري من أجل تفتيت الصوت الإسلامي في الانتخابات.

وإن ما يتعرض له الإخوان من حملة ضارية وعاتية ليست من وسائل الإعلام فحسب ولكن من داخل صفوف الإخوان أنفسهم وشباب التيارات الإسلامية والشعب المصري اليوم، لهو نتيجة طبيعية لترددهم طويلاً في اختيار من سيدعمونه في سباق الرئاسة، وإصرارهم على فكرة التوافقي المشوهة المرفوضة، نتيجة طبيعية لإصرارهم على التقية السياسية في عصر لم يعد ثمة أسرار أو صفقات تعقد خلف الأبواب المغلقة، فنحن في عصر مكشوف لا ينفع فيه إلا وضوح الرؤية والثبات على المبدأ مهما كانت التبعات.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 2 أبريل 2012
  1. الحرب الثانية بين باكستان والهندمنذ أن انفصلت باكستان عن الهند ومنطقة كشمير تمثل بؤرة الصراع الأبدي بين البلدين، والذي هو في حقيقة أمره، ليس صراعًا على الحدود أو الأملاك، إنما هو صراع عقدي ديني بين الإسلام والوثنية الهندوسية، ولأن الدول الأوروبية وأمريكا وروسيا، لا يريدونحدث في مثل هذا اليوم · 2 د قراءة
  2. "جوجل" تخدع العالم بـ"سيارة المكفوفين"خدعت شركة جوجل العالمية المواقع والصحف الإخبارية في العالم، بما يسمى بـ"كذبة أبريل" حيث نشرت خبرًا بعنوان: "جوجل تبتكر نظامًا يتيح للمكفوفين قيادة السيارة". والطريف في الأمر أن الخبر حمل تفاصيل لا يمكن التشكيك بمصداقيتها، كما تضمن فيديو يُظمنوعات · 1 د قراءة
  3. التحولات البنيوية للحركة الإسلامية المصريةبقلم: محمد سليمان الزواوي* ميدان التحرير.. تلك الحالة المركزية في السياسات المصرية، هو ليس مجرد ميدان، ولكنه بؤرة ضوء سطع في ليل القاهرة المعتم، بؤرة اجتذبت إليها جميع الناشطين و"الحركيين" من كافة التيارات والمشارب السياسية والدينية المصريةمختارات وحوارات · 10 د قراءة
  4. النهضة التونسي: الإسلام المرجعية الأساسية للدولةشدد عضو المكتب التنفيذي في حزب النهضة في تونس عبد الحميد الجلاصي على أن الحزب ما زال يؤكد أن الإسلام هو المرجعية الأساسية للدولة ولهوية الشعب. وقال الجلاصي - في تصريح خاص لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" اليوم الاثنين -: "حين يقال: إن الالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  5. مرتكب مذبحة النرويج خطط لاغتيال باراك أوباماكشفت التحقيقات مع أندريس بيهرينج بريفيك مرتكب مذبحة النرويج العام الماضي أنه خطط لاغتيال الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلا أنه لم يقم بعملية الاغتيال لعدم جدواها. فقد نقلت وكالة أنباء "نوفوستي" الروسية عن تقارير إخبارية من النرويج أن بريفيك أفريقيا وأوربا · 1 د قراءة
  6. يديعوت: المصريون يرفضون تأجير مقر لسفارة "إسرائيل"مفكرة الإسلام (خاص): ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن هناك دلائل على توتر العلاقات بين مصر و"إسرائيل" على خلفية عدم إيجاد مكان بديل للسفارة "الإسرائيلية" في محافظة الجيزة. وأشارت الصحيفة إلى أن البعثة الدبلوماسية للسفارة "الإسرائيلية" بالقاهرالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: هل وقع الإخوان في فخ العسكري؟