مصر وحرب الأشباح

بقلم: محمد سليمان الزواوي[1]
http://www.facebook.com/zawawy.m
مفكرة الإسلام : الكثير من الدماء سالت منذ اندلاع الثورة المصرية في الخامس والعشرين من يناير قبل الماضي، جلها من دماء الأبرياء والأكثر إخلاصًا من أبناء الشعب المصري، من خيرة شباب مصر الذين انتفضوا من أجل الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، زهرة شباب مصر أريقت دماؤهم في ميادين وشوارع التحرير والعباسية وماسبيرو ومحمد محمود وغيرها من ميادين مصر وشوارعها.. الدماء الزكية والأكثر إخلاصًا هي التي تدفع دائمًا الثمن..
ما قبل المخلوع كان لدى أجهزة الدولة المصرية مؤشرات غليان الشارع المصري، فقوة النظام تقاس بعنصرين: مدى تحقيقه لمطالب شعبه ومدى رضاء شعبه عنه، وكلا العنصرين كانا في الحضيض: نظام تفرغ للنهب والفساد حتى لو أدى ذلك إلى تجويع الأطفال والرضع والشيوخ والأكثر ضعفًا بين طوائف الشعب المصري، مؤشر الغليان يرتفع لدى أجهزة الأمن القومي، رئيس طاعن في السن عاجز عن الفعل: ما بين أسرة تريد التوريث وما بين جيش يريد نائبًا قويًّا من صفوفه، الأمن القومي كان ينظر في البدائل وما سمي بخيارات الخروج الآمن من السلطة.
وعلى الجانب الآخر فإن للجيش خططه البديلة في حالة اندلاع ثورات شعبية أو انتفاضات داخلية كبرى، الجيش له أفرع خاصة لفض الشغب والاشتباكات في حالة حدوث تمرد داخلي، الجيش يتدرب على ذلك طوال الوقت وله خططه الكاملة لذلك، فهذا جزء من دوره في حماية الأمن القومي والجبهة الداخلية، أجهزة الأمن القومي لديها خطط بديلة كاملة إذا ما خرجت الأمور عن السيطرة، في حالة وفاة مبارك أو في حالة توريثه الحكم أو في حالة حدوث ثورة شعبية، كل مسار له خطته الكاملة، وهذه ليست توقعات، هذه أبجديات الأمن القومي لأي دولة في العالم. الأمن القومي يتلخص في ثلاث نقاط: حماية الحدود، حماية المصالح، حماية القيم، ويندرج تحت النقاط الثلاث تلك كل الفرعيات الأخرى، فحماية الحدود حتى الآن آمنة نتيجة لتوليفة من الخيارات والتحالفات والاتفاقات، وحماية القيم تدمرت منذ كامب ديفيد وخرجت عن نطاق السيطرة وأصبحت "السموات المفتوحة" تُهطل علينا بكل شاذ وممجوج ـ تدخلت الحركات الإسلامية بقدر ما تستطيع للحفاظ على بيضة الإسلام وقيمه من الهجمة الغربية والانفتاح الاقتصادي بأمراضه الاجتماعية ـ يتبقى حماية المصالح، لذلك كان دائمًا هناك الخطة "ب" لحماية الأمن القومي ومصالح الدولة في مسارات ما بعد مبارك، بصرف النظر عن طريقة غيابه عن المشهد السياسي.
الأمن القومي المصري في حقبة ما بعد كامب ديفيد كان يتمحور حول الولايات المتحدة الأمريكية، مصلحة الدولة المصرية ارتبطت ارتباطًا عضويًّا بالسلاح الأمريكي وبالانفتاح (الاقتصادي وليس السياسي)، أمن مصر القومي ارتبط برعاية الولايات المتحدة لاتفاقية السلام ووقف إطلاق النار بين مصر و"إسرائيل"، انفتحت مصر على العالم حتى جاءت الثورة المصرية، فبرز الإسلاميون في المشهد من جديد.
الإسلاميون كانوا قسمين: قسم عمل بالسياسية وأولئك صرحوا بعدم المنافسة على كل المقاعد ولن يطرحوا مشرحًا للرئاسة، الإخوان المسلمون، والقسم الثاني السلفيون بكل أطيافهم، كانوا في الظل السياسي ولم يكن "يؤبه لهم" سياسيًّا، لتحدث المفاجآت المدوية: السلفيون يصبحون ثاني أكبر كتلة برلمانية، الإخوان المسلمون يدخلون على "جل" المقاعد الفردي والقائمة، انقلبت الطاولة.. تم استدعاء الخطة "ب" من جديد. المجلس العسكري هو رأس السلطة التنفيذية بتكليف المخلوع، المجلس يريد تسليم السلطة طبقًا لجداول زمنية يتم "مطها" بناءً على الحاجة، المجلس له مستشارون ـ من الأمن القومي بالطبع ـ هم أنفسهم من حقبة المخلوع، حقبة كان أكثر ما يميزها هو التزوير الفاضح، ولكن هناك بعد آخر مهم: الثغرات القانونية وتلفيق التهم ومفاتيح المحاكم العليا في البلاد ووضع رجال مبارك على قمتها، ثم القوات غير النظامية ـ البلطجية ـ لدى وزارة الداخلية، أو ما يمكن الاصطلاح على تسميتهم بـ "الأشباح".
حروب الأشباح هي نمط معروف من الحروب العسكرية التي تستخدمها الاستخبارات من أجل التمهيد لغزو دولة، أو التغطية على فشل الخطط العسكرية، أو لعدم استفادة الخصم من الأخطاء المرتكبة، وتستهدف البنى التحتية الاجتماعية والسياسية للهدف المراد إخضاعه أو تدميره أو الهيمنة الشاملة عليه، استخدمتها كثيرًا الولاياتُ المتحدة فيما يعرف بالحروب القذرة للاستخبارات، ومصطلح "حرب الأشباح" صكه الكاتب الأمريكي ستيف كول في كتابه: حروب الأشباح: التاريخ السري للسي آي إيه، وأفغانستان وابن لادن، من الغزو السوفيتي حتى 10 سبتمبر 2001". هذا الكتاب فصَّل فيه المؤلف تلك الحروب السرية للاستخبارات الأمريكية، فللتمهيد لغزو دولة يتم شن سلاسل من التفجيرات والعمليات التخريبية والاغتيالات السياسية والعسكرية ولرموز المجتمع (يحدث هذا الآن في إيران) وحدث في العراق بعد فشل الخطط الأمريكية المسبقة للسيطرة على البلاد وإخراج حكومة موالية لها، فالفوضى هي المناخ الأنسب لتتحكم فيها القوى الاستخباراتية عن طريق التفجيرات المخططة.
الاستخبارات الأجنبية عندما تستهدف دولة فإن المشهد يصبح دمويًّا للغاية، أما المخابرات الوطنية للدولة إذا أرادت أن تستخدم حروب الأشباح للسيطرة على الأحداث والتحكم فإنها لا تسكب الكثير من الدماء في عملياتها ضد أبناء شعبها، ولكنها تستخدم الحرائق والإشاعات والفوضى والبلبلة السياسية والإعلامية، والأخبار الكاذبة والملفقة وقد يصل الأمر إلى الاغتيالات السياسية، فالدماء السياسية ستمثل عنوان المشهد النهائي في مسرحية حرب الأشباح، وسيتم استخدامها عندما لا يكون هناك حلول بديلة للتحكم في سير الأحداث، ولنسقط هذا على ما يحدث في مصر الآن.. فما حدث هو أن الثورة انحرفت عن المسار "المقبول" لأجهزة الأمن القومي: رجل "توافقي" يأتي إلى سدة الحكم (البرادعي مثلاً)، تستطيع وكالات الأمن القومي أن "تبصره" بالمشهد الداخلي والخارجي، و"ضرورة" اتخاذ إجراءات خارجية، وأيضًا داخلية بالضغط على بعض الأزرار من أجل تحجيم جماعات وطوائف وكيانات، ثم برلمان بلا أغلبية مطلقة ـ ولكنه منزوع الأسنان على أي حال بضوابط ونتيجة استشارات قانونية "خبيرة" بالمشهد السياسي طوال ثلاثين عامًا، وبوضع السم والترياق في نفس الحقيبة إذا لزم الأمر: برلمان شعبي، ولكن ورقة حله في المحكمة الدستورية، لدى رجلنا "الصدوق القديم رفيق السلاح"، مرشحون إسلاميون، ولكنْ منزوعو الدسم والشرعية إذا استدعى الأمر، بوسائل شتى، قانونية وغير قانونية.
بعيدًا عن ذلك المشهد "السيادي"، كانت الحركات الإسلامية فوق جبل الرماة: ملتزمة باتفاقاتها مع الحركة الوطنية المصرية، ملتزمة بنسبة 30% من مقاعد البرلمان، وعدم طرح مرشح رئاسي، كان الجو مفعمًا بالوطنية والفرح من جميع أبناء الشعب، فكان ذلك الخيار مناسبًا للجميع: الإسلاميون يبنون قوتهم تدريجيًّا لعدم تفزيع الداخل والخارج، الطوائف السياسية الأخرى تبني قوتها تدريجيًّا، الأمن القومي يحافظ على تحالفات مصر وعلى مصالحها. ثم فجأة انحدر بعضهم من قمة الجبل لجني الغنائم: شيوخ كثيرون يتشاورون لعقد صفقات وتدشين أحزاب وعمل هيئات وكيانات، تفريخ لأحزاب سلفية كثيرة متباينة ومتضادة في بعض الأحيان، وشرذمات داخل الحركات الإسلامية وعنتريات وشخصيات "مارقة عن الصف"، ثم تقدم مرشحون للرئاسة على غير المخطط له: أكثر من مرشح إسلامي، ثم انهيار تفاهمات الأحزاب حول البرلمان، ليس 30% ولكن 90% من المقاعد سنترشح عليها، المرشحون الإسلاميون على الرئاسة في صدراة الاستطلاعات والمشهد كله، الصورة صبغت بالإسلامية في حقبة ما بعد الثورة في سفح الجبل عند وادي الغنائم، لم يكن هذا هو التخطيط الأولي، ولكن بريق الغنائم عند سفح الجبل في الوادي المبهر فعل فعله.
نعود إلى الأروقة "السيادية": مشهد يتشكل بصبغة إسلامية، تحالفات دولية تتفكك من القريب والبعيد، نداءات تدوي داخل مؤتمرات "أكبر الفصائل الإسلامية" وبرضا الجميع بمن فيهم أعلى رمز في ذلك الفصيل: "على القدس رايحين شهداء بالملايين"، "الخلافة ستقوم، لن تكون عاصمتها القاهرة، ولكن القدس" [تكبير]، الأروقة السيادية تراجع حساباتها: هل نحن مستعدون؟ إنها الطبول تدق، نظرة إلى الخزينة، وأخرى إلى السلاح "الأمريكي" في المخازن العطشى إلى قطع غيار دائمة ومتجددة من "العم سام"، نظرة إلى الوشائج بين القريب والبعيد وتخلِّي الكثيرين عن الدولة المصرية؛ الإجابة واضحة: عن أي حرب تتحدثون؟ عن أي قدس ستذهبون إليها شهداء بالملايين؟ أي خلافة؟! فكانت النتيجة المنطقية لتلك الأجهزة: استدعاء الأشباح والخطة "ب".
الأمن القومي له أفرعه ورجاله داخل كل مؤسسات الدولة الهامة، لاسيما الداخلية والخارجية والإعلام، تتقاطع الخطط والأهداف والأشخاص أيضًا، فالأمن الداخلي ليس مهمة وزارة الداخلية وحدها، ولكن هناك ضباط اتصال في الوزارات السيادية (لا يتم الاتصال بالضرورة بوزراء تلك الوزرارات) مع مؤسسات الأمن القومي، التي تربط الأمن الداخلي بوزارة الدفاع بالمقاومة الشعبية في حالات الحروب، بالإعلام بوزارة الداخلية بقادة القوات "شبه العسكرية" مثل الأمن المركزي، وفرق البلطجية وغيرها من الأدوات، التي كان يمتلك معظم مفاتيحها فلول النظام السابق، بأموال بلا حساب ـ رسمية وغير رسمية وشرعية وغير شرعية ـ لينتج لنا في النهاية تلك التوليفة من المشهد الدامي الحالي على الأرض المصرية.
إنه صراع إرادات ـ ومصالح أيضًا ـ فالفساد كان ضاربًا بأطنابه داخل كل مؤسسات الدولة، والأمن القومي لم يكن استثناءً؛ حسين سالم كان عضوًا بالاستخبارات العامة المصرية، تقاطعت مصالح الأمن القومي مع الأمن الشخصي مع الربح المادي، شبكة المخلوع بالأساس هي شبكة مصالح ومنتفعين من كافة أجهزة الدولة، "النظام" لم يسقط، نظام كامب ديفيد لا يزال بكامله موجودًا بالأفكار المؤسِّسة له وبأدبياته وبمصالحه وشبكات فساده وعلاقاته الداخلية والإقليمية والدولية، بأقطاب الإعلام والصحافة والصناعة والاقتصاد، الحزب الوطني "لم يحل"، ورجالاته وأزلامه وبلطجيته في قلب كل أزمة وفاجعة، لا يزالون يحملون بطاقات الهوية محتفظين بها ولا تزال "جواز المرور" والفرخة التي تبيض لهم ذهبًا، المتحولون في الإعلام يريدون الثورة ولكن برؤيتهم، ثورة داخلية، إصلاح داخلي كما كان يحدث داخل أروقة الحزب الوطني من العناصر المحسوبة على المعارضة "الداخلية"، الأزمة أكبر من المجلس العسكري، الذي ربما يريد تسليم السلطة، ولكنَّ جزءًا من الخطة الكبرى هو ألا يعلم المجلس العسكري بالضرورة بكامل تفاصيل الخطة، إنهم واجهة شريفة نزيهة يصابون بالبلبلة أيضًا مثل الجميع، واجهة لامعة تخاطب الإعلام والصحافة، ولكن عندما تصل البلبلة إلى أشدها يتوارون عن الساحة يفكرون، ما يحدث ليس منطقيًّا أن يكون مصادفة، الأمور غير واضحة وغير مقنعة وغير مبررة، والإجابات لا تأتي من مستشاريهم من "الجهاز"، وهم بسابق خبراتهم وخلفياتهم العسكرية والسياسية يعلمون ما يدور ويصمتون ويتفاعلون ويتصرفون بناء على ذلك طوال الطريق.
تلك هي أبعاد الأزمة بكاملها، تلك هي منطقة تلاقي الخيوط، عندما تتجمع المياه من كل الروافد في النهر الكبير، في أمن مصر القومي، فالأزمة مصرية الطابع بامتياز، الكل مشارك فيها من كل التيارات، من كل الأحزاب السياسية ومن كل الائتلافات، الفساد ليس بعيدًا عن أي "جهاز" أو "فصيل" أو "تيار"، الأكثر إخلاصًا يدفعون الثمن، والأكثر براءة يراق دماؤهم، والأكثر إيمانًا يُزجُّ بهم في معارك غيرهم، في محرقة المخلصين، أما الأكثر فسادًا وكذبًا فلا يزالون يتربحون من الأزمة: أروقة ومكاتب وأحزاب وفضائيات وأموال من الشرق والغرب، مصر في أزمة بسبب أبنائها، بسبب ضبابية الصورة وفساد الذمم، بسبب عدم وضع استراتيجيات وتوحد الصفوف حول الحد الأدنى من المشترك، أزمة مصرية الطابع بسبب عقود الفساد التي أتلفت جسور الحوار وعقول المحاورين، وخلفت وراءها وحوشًا ضارية.
نحن بحاجة إلى وقفة مع النفس، ومراجعة الخيارات والاستراتيجيات والتكتيكات، بحاجة إلى أن نميز الغث من السمين والخبيث من الطيب، نحن بحاجة إلى الرجوع إلى الوراء خطوات، الرجوع حتى مساء 11 فبراير 2011 مع خلع المخلوع؛ والتفكر: المشهد سيزداد سوءًا في الأيام المقبلة، طبقًا لسيناريو حرب الأشباح، فإن القادم أسوأ كلما اقتربنا من انتخابات الرئاسة، سندخل مرحلة الدماء السياسية، مصرع الدكتور علاء فايز رئيس جامعة عين شمس المنتخب والموالي للثورة ربما لا يكون مصادفة، الأشباح لن يسمحوا برئيس إسلامي أو حتى يساري، لذلك على القوى المختلفة أن تصحح أخطاءها مرة ثانية، ومراجعة المهم والأهم، المناصب لم تكن يومًا هي الأهم، هي مهمة، ولكن تشكيل وعي وقيم المجتمع والتأثير فيه بالرسالة الناصعة الربانية هي الأهم، اليوم يجني الإسلاميون عمل عقود من الدعوة والتربية والاجتهاد والتضحيات، الحفاظ على المنهج والاستمرار في إصلاح الأمة هو الأهم، الاحتفاظ بالصورة الناصعة لعالم الدين وشيخ المسجد ومن يعتلون المنبر هي الأهم، المزاج الإسلامي العام للشعب المصري ـ والذي ظهر جليًّا في الاستفتاء الدستوري والانتخابات ـ لم يأت نتيجة العمل السياسي، ولكن نتيجة العمل الدعوي والتربوي والإنساني المخلص، السياسة خصمت من الرصيد، واليوم تخصم من الأرواح وترمل النساء وتيتم الأطفال، تحطم في عنفوانها زهرة شباب مصر من المخلصين الذين يحاربون الأشباح بلا راية واضحة مرفوعة، الكثير من التجار يدخلون على الخط، ويموت المخلصون الأنقياء من جديد.
لا يجب توجيه اللوم إلى "الجهاز"؛ فمع تشابكات المصالح والفساد هناك نظرة أمن قومي نهائية ومحاولة الحفاظ على ما تبقى من حطام دولة مبارك، بالحفاظ على توجه الدولة المصرية و"سلميتها" التي هي مصدر أمنها القومي، وعلى شبكة تحالفاتها الحالية، لا يمكن إزالة عمود الخيمة غربي الصنع قبل أن يتم وضع عمود بديل من أي صناعة أخرى إن وجدت! ناهيك عن الأزمة الاقتصادية التي تلوح في الأفق وتهدد بتدمير الأخضر واليابس على الأرض المصرية، كما أن الخيار الأفضل لدى الكيان الصهيوني هو ألا يخوض حربًا مع مصر، ولكن أن "تقع" مصر اقتصاديًّا وأن تغوص في فوضى لا نهائية، وحيرة كبرى لا تخرج مصر منها ـ أما من وجهة نظر "الجهاز" ـ فإن حرب الأشباح للتحكم في الخيوط وللخروج بأقل الخسائر ربما يمثل الطريق بالنسبة لهم، ففوضى متحكم فيها يتم سوقها سوقًا طبقًا لرؤية جامعة، ثم الضغط على أزرار بعينها ـ ربما تمثل ذروتها اغتيالات سياسية، ربما تؤدي إلى الطريق المرغوب: فرض الأحكام العرفية وحل البرلمان وإلغاء انتخابات الرئاسية أو حتى الانقلاب عليها حتى بعد تمامها بمبرر الفوضى المصطنعة في النهاية، ويتولى الجيش السلطة من جديد واستمرار السيطرة على البلاد، وانظروا جيدًا إلى النموذج الباكستاني.
"إنهم" يحاربون عن علم وخبرة وصف موحد ويعدون مسرح القتال و"غرفة العمليات" بمنتهى التنظيم، فالأهداف والمكتسبات ودورة الفساد واضحة، أما "نحن"، أما الحركة الوطنية المصرية بكافة اتجاهاتها، فهي مشتتة مشرذمة ليس لديها أولويات ولا خطط ولا أجندات موحدة ولا صورة متكاملة عن الأوضاع، تونس استطاعت أن تحدث اتفاقات وتفاهمات بين الفصائل المختلفة للحركة الوطنية وتقاسموا المشهد، هذا التنظيم وتوحد الصفوف أدى إلى تقليل الخسائر وحرق المراحل والإنجاز في النهاية، لا حل لمصر سوى مظلة جامعة للحركة الوطنية، تقارب الأجندات والاتفاق على الحد الأدنى من المشترك من جديد، من هنا فقط يبدأ الطريق، وإلا، ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية، فسيتحول المشهد إلى الدموية السياسية، ولا أحد سيكون بعيدًا عن رصاص الأشباح، اغتيال الرموز السياسية مع "اقتراب" الإسلاميين من كرسي الرئاسة، أو تزوير الانتخابات لأحد الفلول المقربين من "الجهاز" سيقلب الطاولة، وسيفجر الأوضاع، كما أن الأمر لن ينتهي مع انتخابات الرئاسة؛ فحتى لو جاء رئيس غير متوافق مع رؤية أصحاب المصالح، فإن السيطرة على الأجهزة الأمنية والسيادية بالدولة ستظل بعيدة عن كافة القوى الوطنية، وستستمر حروب الأشباح.
من ضمن أهداف حرب الأشباح هو استدراج الفصائل إلى التحول إلى العنف، مفتاح نجاح الثورة المصرية هو سلميتها، بمجرد أن يتحول بعض الأفراد إلى عدم السلمية سندخل حينئذٍ منطقة نفوذ الأشباح، وستتحول الحرب لصالحهم بصورة جذرية، وسيتم اتخاذ كافة الأساليب التي عجز عنها نظام مبارك في الثورة من أجل وأدها، وسيتم شرعنة استخدام القوة أمام الداخل والخارج، وسيتم الوصول إلى الهدف النهائي: فرض الأحكام العرفية وإلغاء الانتخابات واستمرار سيطرة الجيش، لذا يجب على العقلاء أن يلفظوا أيَّ من يدعو لاستخدام القوة أو الخروج المسلح سواء فعلاً أو لفظًا.
إن الساحة مليئة بالتناقضات والإخفاقات و"التحليلات" المتضاربة للأحداث، وهناك الكثير من "الدخلاء" أيضًا ممن تركوا الوعظ والإرشاد وارتقوا مرتقى السياسة الصعب والوعر، أولئك سيدمرون البلاد إذا لم نأخذ على أيديهم، أصحاب الرؤية المشتتة دائمًا ما يكون صوتهم عاليًا وحديثهم أشبه بالصراخ، هناك أطراف تحاول أن تحول دفة الصراع في اتجاه المجلس العسكري، العلاقات المدنية العسكرية هي إشكالية منذ عقود طويلة وحتى يومنا الراهن في كل دول العالم، القضية مع المجلس العسكري ليست قضية تسليم سلطة، القضية هي تلك العلاقات المدنية العسكرية مثلما هو الحال في معظم دول العالم، ولكن الخطأ أن يتم تصوير ذلك الصراع على أنه حول تسليم السلطة، فحتى لو تم تسليم السلطة سيظل صراع الإرادات ساريًا داخل الدولة المصرية، هي قضية قديمة ولن تحل قريبًا، فالمعضلة الأساسية وأزمة مصر الحالية ليست مع المجلس العسكري، ولكن مع من هم فوق المجلس العسكري، وهم الذين لا يريدون تسليم السلطة، فلا يجب تشتيت الجهود واستنزاف الأوقات والأموال والطاقات بعيدًا عن مسرح الصراع.
نحن بحاجة إلى: "غرفة عمليات" وطنية، وتوحيد الصفوف داخلها، مطالب عقلانية رشيدة، تدرج في "التمكين"، ترتيب الأولويات، تقسيم الكعكة بعيدًا عن الفلول، إبعاد أصحاب التصريحات النارية غير العقلانية، فمن غير المتوقع أن تنتهي حرب الأشباح قريبًا حتى في ظل أفضل الاحتمالات وهو فوز رئيس ثوري بالرئاسة ـ إسلاميًّا كان أو غير إسلامي ـ فحينئذٍ ربما تبدأ الحرب على جبهات أخرى كثيرة أهمها الجبهة الاقتصادية التي بدأ نزيفها الآن من حكومة الجنزوري بسفه الإنفاق في بعض المشروعات من أجل تسليم الحكومة القادمة الخزائن خاوية، وأخيرًا، وللاحتياط، على الجميع البدء سريعًا في تشديد الحراسة على الرموز السياسية من كافة الاتجاهات تحسبًا للمرحلة القادمة من حرب الأشباح.
[1] باحث في العلاقات الدولية، ومدير تحرير "مفكرة الإسلام".