مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

كيف يدير العسكر المرحلة الانتقالية؟

7 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

كتبه للمفكرة / شريف عبد العزيز

shabdaziz@hotmail.com

مفكرة الإسلام : لا شك أن لنظام المخلوع مبارك الكثير من الرزايا والمصائب بحق الشعب المصري بكافة شرائحه، ففساده لم ينحصر في جانبه المالي أو الاقتصادي فحسب، ولكن امتد لشتى مناحي الحياة المصرية، ومن أعظم رزايا هذا النظام وأشدها تأثيرًا وضررًا على المشهد السياسي الآن في مصر؛ رزية التجهيل الواسع الذي أصاب كثيرًا من المصريين بشتى شرائحهم، وبغض النظر عن مستواهم العلمي والثقافي والاجتماعي، وتجفيف فرص الوعي الاستراتيجي وغلق مصادر المعلومات في شئون البلاد الهامة والمؤثرة، خاصة جانبها السياسي والأمني، حتى أنه قد فرض على الحياة الثقافية والسياسية ستارًا حديديًّا ألقى خلفه كل المحاولات الأكاديمية الجادة في بناء أو صياغة الرؤى الإستراتيجية الحقيقية والمفيدة في البلاد، حتى أصبح الجهل الشديد والمركب والفراغ المعرفي والثقافي هو سمة الشعب المصري خلال فترة حكم الطاغية مبارك.

وبسبب هذا الخواء المعرفي الهائل كانت تفاجئنا من حين لآخر تصورات سياسية أقل ما يقال عنها: إن تجافي أبسط قواعد التحول الديمقراطي والعلاقات السياسية الرابطة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية المستقرة معرفيًّا وتجريبيًّا في الدول المتقدمة سياسيًّا أو الناجحة وفقًا للمصطلح الأمريكي، بل حتى تطعن في ماهية مصطلح الديمقراطية ذاتها تطبيقًا وتنظيرًا، وإن كان هذا قد حدث من مختصين في السياسة، فما بالكم بعامة الشعب البسيط الذي يتأثر سريعًا بضغوطات القصف الإعلامي، فإن هناك بعض التصورات والمقولات التي تنتشر الآن في الساحة المصرية لتسويق نموذج الهيمنة العسكرية والذي يعتبر بمثابة التحدي السافر للأساس الإستراتيجي الذي قامت عليه ثورة 25 يناير وهو التخلص من حكم العسكر الممتد لستة عقود خلت في البلاد، والأدهى أن هذا الطرح بدأ يجد له صدى داخل أوساط الشعب المصري وشريحة مؤيدة تتسع كل يوم.

الثورة المصرية كانت حدثًا فريدًا واستثنائيًّا في المنطقة العربية والإسلامية مثل صدمة لدوائر الاستخبارات الداخلية والخارجية، حتى أنها أيضًا كانت بمثابة المفاجأة المدهشة للمفكرين والمصلحين والدعاة الذين أجمعوا على استحالة حدوث هذا التغيير بهذه التعبوية الشعبية، ووضعوا العديد من السيناريوهات للتغيير لم يكن من ضمنها يومًا الثورة الشعبية، لذلك بدأت محاولات الاحتواء لتلك الثورة المباركة سريعًا ووضعت عدة نماذج لاحتواء الحراك الشعبي العارم، كان المفضل منها ما يجري تطبيقه الآن في البلاد وبغاية الإتقان والحرفية، وهو إستراتيجية استيعاب القوى السياسية ممثلة في الأحزاب الإسلامية من أجل القبول بالنظام العالمي للمنطقة وعدم العبث بالملفات السيادية من علاقات خارجية إقليميًّا ودوليًّا، والقبول بفكرة الضامن العسكري الذي يضمن التزام القوى السياسية بتعهداتها. وبالفعل أبدت القوى السياسية كلها بما فيها الإسلامية قبولها وتجاوبها مع فكرة الإبقاء على ملامح السياسة الخارجية كما هو ـ ولعل ما حدث في الأزمة الأخيرة مع السعودية خير دليل على الالتزام بمنظومة العلاقات الإقليمية كما هي ـ في حين أبدت القوى السياسية مقاومة شديدة تجاه الشطر الثاني من إستراتيجية الاحتواء والمتعلق بفكرة الضامن أو الوصي العسكري للدولة.

فالصراع الدائر اليوم في مصر هو صراع الإرادات بين المؤسسة العسكرية التي تعرقل المسار الديمقراطي لانتقال السلطة في البلاد وبين القوى السياسية التي تقف عاجزة عن الانتقال إلى المرحلة التالية وهي مرحلة "تثبيت الديمقراطية"، فالثورة لا تكتمل وتتيح لمرحلة سياسية ونهضوية مقبلة إلا بتفكيك مراكز القوة الأساسية للنظام السابق، ولو عندنا مراكز لا يمكن تفكيكها كالمؤسسة العسكرية، فإعادة هيكلة العلاقة بينها وبين النظام الديمقراطي الناشئ أمر حتمي وهو ما لا يمكن تحقيقه حتى الآن؛ لأنها ببساطة هي من تدير المرحلة الانتقالية وتتحكم فعليًّا في مجريات الأمور.

وبجانب الضغط المؤسسي للعسكر يوجد عدة أطراف على المستوى المحلي لا تريد الانتقال لمرحلة تثبيت الديمقراطية، منها رموز النظام في سجون مصر وبقاياه من كبار المسئولين الموالين له في المؤسسات السيادية للدولة، وعلى رأسها المؤسسات الأمنية والاقتصادية، وأباطرة المال الفاسد وشبكات مصالحهم من تجارة المخدرات والسلاح والآثار، أضف إلى ذلك كله شريحة لا يستهان بها من الشعب المصري قد تعودت على الفوضى والعشوائية وعقليته لا تنصاع إلا للبطش والقسوة، وهي الشريحة التي تحن الآن لأيام مبارك النحسات.

والعسكر في مصر يعتمد في سيطرته على المشهد السياسي على العديد من الأدوات التي تكرس هيمنته ووصايته على المرحلة الانتقالية وتساعده في تعويق الانتقال لمرحلة تثبيت الديمقراطية؛ ويدير بها المرحلة الانتقالية بكفاءة عالية بغية تمديدها قدر المستطاع للحصول على مكتسباته التي يهدف إليها كاملة، من هذه الأدوات:

أولاً: الآلة الإعلامية القوية؛ فقد استطاع العسكر توظيف أكثر من عشرين قناة فضائية مصرية، وخمس عشرة صحيفة يومية وأسبوعية، وعشرات المواقع الإلكترونية، ومئات الإعلاميين في المقروء والمسموع والمرئي، تناغمت فيما بينها على حالة عصف ذهني عنيف بعقول المصريين التي أصبحت في مرمى نيران مئات الأخبار المكذوبة والباطلة والمشوهة كل يوم من أجل تشويه التيار الإسلامي واتهامه بالاستغلال والانتهازية وسرقة الثورة والقفز على أصحابها الحقيقيين، والتشويش على أدائه البرلماني والسياسي لصرف الناس عن اختيارهم مرة أخرى، واستغلال الأخطاء الفردية من منتسبي هذه التيارات في تعميمها على التيار بأسره، وتضخيم الأحداث الصغيرة، وذلك في منظومة متكاملة بلغت حد الهوس تجاه التيار الإسلامي، وقد آتت هذه الأداة تحديدًا أكلها وتضررت سمعة التيار الإسلامي بشدة من جراء هذه الحملات الشرسة، خاصة في ظل غياب الإعلام الإسلامي الرشيد الذي يجابهه هذا التشويه العاتي.

ثانيًا: الفلول؛ وهو مصطلح جديد ظهر في مصر بعد الثورة، تمامًا مثل ظهور مصطلح النفاق في المدينة بعد الهجرة النبوية وإقامة دولة الإسلام الوليدة هناك، ويشمل كل من له علاقة ومصلحة وارتباط ما بالنظام السابق، وقد أخذ الفلول شكل تنظيمات سياسية ممثلة في أحزاب قامت على بقايا الحزب الوطني وبنفس كوادره ورجاله، حتى بلغ عدد الأحزاب السياسية التي خرجت من رحم الوطني وعلى نفس نهجه ومبادئه قرابة العشرة أحزاب في دراما سياسية لا يوجد مثلها إلا في جمهوريات الموز العربية، هذه الأحزاب قامت بدور كبير في تعويق الأداء البرلماني للمجلس الذي يهيمن عليه التيار الإسلامي، وإعادة إنتاج النظام السابق، واستدعاء منظومة القيم السلبية الموروثة من أيام المخلوع، كما تبلور الفلول شعبيًّا في عودة قواعد الحزب الوطني المنحل لجمع التوكيلات ودفع الرشاوى وتسيير فرق البلطجية التابعة للنظام السابق وجهاز أمنه الآثم في إشاعة الفوضى وافتعال الأزمات في محطات الوقود والمخابز والأفران وغيرها من السطو المسلح وسرقة السيارات وخطف المواطنين، وإشعال الفتن والخصومات وأخيرًا مسلسل إشعال الحرائق في مصر.

ثالثًا: الثغرات الدستورية والقانونية؛ فقد كانت الموافقة على التعديلات الدستورية بمثابة شرارة البدء لتمكين المجلس العسكري من إحكام قبضته على البلاد، إذ أعطت هذه الموافقة صك الشرعية للعسكر الذي خول له حق التشريع، فأصدر إعلانًا دستوريًّا صبغت بنوده بمهارة فائقة وشيطانية متعمدة، فجاء مليئًا بالثغرات القانونية والدستورية والنصوص المبهمة حمَّالة الأوجه، هذه الثغرات والنصوص جعلت كل الاحتمالات مفتوحة أمام إجهاض مكتسبات الثورة القليلة وتسميمها مثل حل البرلمان وتمديد الفترة الانتقالية، كما استخدمها العسكر في فرض حالة من الانسداد السياسي بتعويق عمل البرلمان من أجل سن القوانين وكتابة الدستور ومحاسبة الحكومة التي تتفنن في خلق المشاكل وتصدير الأزمات.

رابعًا: ضعف الأداء السياسي؛ فالتيار الإسلامي في مجمله حديث عهد بالعمل السياسي، وتشكلت العديد من أحزابه من رحم العمل الدعوي الذي يختلف بالكلية في أبجدياته وأدواته وأولوياته وآلياته عن العمل السياسي، فتداخلت القرارات والمصالح الدعوية مع القرارات والمصالح السياسية، لذلك ارتكبت العديد من الأخطاء السياسية الفادحة، ساهمت في تدعيم مركز العسكر، ومن أبرز هذه الأخطاء حالة الثقة المفرطة من جانب الإسلاميين تجاه وعود العسكري بالتسليم، وهي الثقة التي جعلت التيار الإسلامي يساهم بقوة في إنهاء الحالة الثورية، أيضًا التوجس غير المبرر تجاه بعض الملفات الحاسمة مثل ملف تطهير المؤسسات الرسمية من فلول النظام وتفكيك مراكز القوى القديمة، وأيضًا الإصرار على المسار الأوحد للثورة حيث كانت تطرح سياسيًّا أملاً سياسيًّا وحيدًا، والمسار الانتخابي، وبهذا الأمل أمكن تبرير كل أخطاء هذا المسار، بدءًا من القبول بإدارة العسكر للمرحلة الانتقالية، وتفكيك الثورة، ثم الاستقطاب الأيديولوجي والتعجيل بالانتخابات مع ما يمثله هذا التعجيل من مشكلات خاصة بالتوافق وكتابة الدستور في وجود العسكر، وأخيرًا التقاطع والتنافس الحزبي بين التيارات الإسلامية وهو الذي أفقدها القدرة على الاجتماع على مرشح واحد في سباق الرئاسة.

والخلاصة أن العسكر لن يقبل بكيان سياسي مدني قوي، ولذلك فوسائل التحجيم السياسي والأمني والتفخيخ الداخلي والحرب الإعلامية سواء بحدها الهادئ أو العنيف تبقى حاضرة بقوة من أجل تمديد المرحلة الانتقالية وتعويق الانتقال لمرحلة تثبيت الديمقراطية، وهذا يوضح عدم جدوى الطرح الداعي إلى التدرج ومحاولة اختراق الكيانات السيادية والعسكرية وأن التغلغل بها كفيل لحسم النضال السياسي؛ لأن العسكر لا يبقى متفرجًا ولكنه يأخذ احتياطات دفاعية؛ بل وهجومية كذلك.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 6 مايو 2012
  1. بالفيديو.. تمرد في صفوف الأمن المركزي بالقاهرةتمكنت مجموعة من قوات الجيش المصري من السيطرة على تمرد قام به جنود الأمن المركزي بمعسكر العبور، بعد مقتل أحد جنود المعسكر على يد أحد الضباط في ساعة مبكرة من فجر اليوم الأحد. ووفقًا لشهود عيان، فإن التمرد بدأ في قطاع 25 يناير للأمن المركزي بطالعالم العربي والإسلامي · 3 د قراءة
  2. وفاة ملكة إسبانيا إيزابيلا الكاثوليكية15 جمادى الآخرة 910 هـ ـ 26 نوفمبر 1504م مفكرة الإسلام : إيزابيلا الكاثوليكية ملكة قشتالة أكبر الممالك الصليبية في إسبانيا، وزوجة فرناندو ملك أراجون، وبزواجهما اتحدت إسبانيا النصرانية لأول مرة منذ الفتح الإسلامي، وكان هذا الزواج سنة 875هـ ـحدث في مثل هذا اليوم · 1 د قراءة
  3. مصر وحرب الأشباحبقلم: محمد سليمان الزواوي [1] http://www.facebook.com/zawawy.m مفكرة الإسلام : الكثير من الدماء سالت منذ اندلاع الثورة المصرية في الخامس والعشرين من يناير قبل الماضي، جلها من دماء الأبرياء والأكثر إخلاصًا من أبناء الشعب المصري، من خيرة شبابمقالات وتحليلات · 14 د قراءة
  4. جندي أفغاني يطلق النار على جنود الناتو ويقتل واحدًاذكر المتحدث باسم قوات الاحتلال الأجنبية في أفغانستان أن أحد جنود هذه القوات قد قتل اليوم الأحد جراء إطلاق جندي من الجيش الأفغاني النار على عدد من الجنود. ووفق وكالة فرانس برس قال المتحدث باسم القوة الدولية: "شخص يرتدي زي الجيش الوطني الأفغاآسيا واستراليا · 1 د قراءة
  5. الجثث المتعفنة كارثة جديدة تواجه حمص وتثير الهلع بين أهلهامفكرة الاسلام: أثارت عشرات الجثث المتعفنة في قبو المستشفى الوطني في مدينة حمص السورية المنكوبة الهلع بين أهالي المدينة، بسبب الرائحة الكريهة واحتمالات انتشار الأمراض في المدينة. واكتشف النشطاء السوريون في مدينة حمص عشرات الجثث المتعفنة في قالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  6. نواب الإخوان يطلبون استجواب "العسكري" حول أحداث العباسيةتقدم عدد من نواب البرلمان المصري عن حزب الحرية والعدالة بطلبات استجواب لعدد من أعضاء المجلس العسكري الحاكم، وطلبات استدعاء للحكومة، للمساءلة بشأن أحداث وزارة الدفاع يوم الجمعة. وأكد النائب البرلماني عن حزب الحرية والعدالة "أسامة يحيى" أن عدمواجهات وزارة الدفاع في مصر · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: كيف يدير العسكر المرحلة الانتقالية؟