مصر.. الدعوة ومحرقة السياسة

إعداد: عبد الرحمن ضاحي
سؤال يخالج فكر كثير من الإسلاميين بعد إعطاء الربيع العربي الضوء الأخضر لهم بممارسة العمل السياسي، بعد قمع واستبداد طال لعشرات السنين.
فقد شكَّل حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإخوانية الحكومة في المغرب التي يرأسها الآن عبد الإله بن كيران بعد فوزه في الانتخابات البرلمانية، وفي تونس فازت حركة النهضة بزعامة راشد الغنوشي في انتخابات المجلس التأسيسي وقامت أيضًا بتشكيل الحكومة، أما في مصر فقد شاركت الجماعات الإسلامية في العملية السياسية بذراعيها السلفية والإخوانية فكوَّن الإخوان حزب الحرية والعدالة، وخرجت عدة أحزاب سلفية أشهرها النور والأصالة وأخيرًا حزب الأمة المصرية.
ولكن دخول التيار الإسلامي عالم السياسية نتج عنه قصور شديد في الجانب الدعوي الذي كان ركنًا ركينًا في سلوك هذه الجماعات قبل الربيع العربي ومنه تستمد قوتها الآن في الجانب السياسي، كما أن الأداء السياسي له أثر على وجود الإسلاميين في الشارع.
هل أثرت السياسة على الدعوة؟
فاجأ الربيع العربي التيار الإسلامي بالتغيير ولم يجد من دخول عالم السياسة بُدًّا، فخرجت أغلب الأحزاب من رحم الجماعات، وحدث ما يسمى بـ"النقلة النوعية الخاطئة" حيث تم نقل عدد كبير من العاملين في القطاع الدعوي للعمل بها ولدعمها، ما أدى لتشتيت المجود بين الحزب والجماعة، فتجد الكادر الدعوي المنقول لممارسة السياسة يعطي عطاء الخمسين في المائة في الجهتين، فلا سياسة قطع ولا دعوة أبقى، مما يكون له أثر سلبي على الأداء الدعوي والسياسي في آن واحد.
وقد قال الدكتور عطية عدلان عضو مجلس الشعب المصري ورئيس حزب الإصلاح السلفي لـ"مفكرة الإسلام": إن العمل السياسي أثَّر على العمل الدعوي سلبًا لسببين؛ أولاً أن الإسلاميين جميعًا انشغلوا بالعمل السياسي وشغلوا كل قواعدهم به بشكل أضعف اهتمامهم بالعمل الدعوي، أما ثانيًا فهو أن العمل السياسي للإسلاميين فيه شيء من الارتباك، وهذا القدر من الارتباك أدى إلى حملة إعلامية شديدة على الإسلاميين مما أضعف الثقة فيهم في الشارع المصري، وهذا بلا شك سيكون له أثره سلبًا على الدعوة.
كما رأى الشيخ حاتم الديب عضو مجلس شورى الدعوة السلفية أن العمل السياسي أثر على العمل الدعوي بشكل كبير في المرحلة ما بين الثورة ووقتنا هذا وذلك بسبب الدخول المفاجئ في المشاركة السياسية بقوة بعد أن فتح الله على الجميع بأن يشارك كل فصيل ويطرح فكرته فكان قبولاً واسعًا لحزب النور وهو ما جعل الضغط أكبر على الدعوة السلفية وجعل التركيز أكبر على الجزء السياسي مراعاة لأولوية الوقت.
بينما رأى الأستاذ حسن الرشيدي مدير المركز العربي للدراسات الإنسانية أن العمل السياسي أثر على العمل الدعوي خاصة بعد دخول التيار السلفي الساحة السياسية وقال في تصريحه لـ"مفكرة الإسلام" بأن ذلك يرجع أولاً لقلة الخبرة في العمل السياسي والممارسات الخاطئة، كما أن من أسباب التأثر مزج العمل السياسي بالدعوي وعدم الفصل الإداري بين العمل الحزبي بالتحديد والعمل الدعوي.
وتابع الرشيدي أن عدم إسناد العمل السياسي لأهل التخصص عامل هام في التأثير بالسلب على الدعوة، فالداعية والعالم عمله الوعظ والإرشاد، أما السياسية فلها أهلها، وهو علم له أصوله ومناهجه، لا يقوم بهذا العمل إلا متخصصون في هذا المجال، فالرئيس الأمريكي نفسه يرجع إلى مراكز الأبحاث و الدراسات، فوجب على كل كيان إسلامي أن تكون له هيئة سياسية استشارية.
وقد رأى مراقبون أن ربط العمل السياسي بالدعوي له مساوئ عدة، فإما أن تقيد الدعوة بثوابتها مرونة الحزب السياسي، إما أن يفرض الحزب نفسه على الجماعة بمرونته فيؤثر على ثوابت الدعوة وقيودها ويصير الأمر متميعًا، وقد تجلى هذا الخطأ حين حرَّمت الجماعات الدعوية النظام الديمقراطي - "حكم الشعب لنفسه" - كأسلوب للحكم في حين مارس الحزب الخارج من رحمها الديمقراطية بكل قوة، فكان له أثر سلبي على ثوابت الجماعة من جانب وتأثير على مرونة الحزب من جانب آخر .
أضف أيضًا أن الجماعة تكون لها مكتسبات كثيرة من أنشطة دعوية وخيرية تمثل لها عبئًا كبيرًا لا تقدر من خلاله على المراوغة والمخاطرة السياسية كالحزب .
أدرك ذلك عبد الإله بن كيران رئيس الوزراء المغربي وأمين عام حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية حين برر استقالته من حركة "التوحيد والإصلاح" الدعوية بـ "حتى يترسخ السلوك السائد داخل الحزب والمبني على الفصل بين النشاطين الدعوي الذي تقوم به الحركة، والسياسي الذي يمارسه حزب العدالة والتنمية السياسي".
وتمم رئيس حركة التوحيد والإصلاح محمد الحمداوي على معنى الاشتراك في الأيديولوجيا بقوله: "إن التمايز بين حركته مع حزب العدالة والتنمية الحاكم في المغرب لا ينفي وحدة المشروع والاشتراك في الأهداف".
المخرج من الأزمة:
وعن المخرج من الأزمة قال الأستاذ حسن الرشيدي: "أرى أن المخرج من الأزمة أن ينتهج الإسلاميون سياسة "طرق الأبواب" وهو أن ينزلوا للقرى والشوارع ويصححون للناس المفاهيم المغلوطة من الإعلام الموجه، بمعنى أدق أن يقوموا بعمل "إعلام غير مباشر".
ثانيًا أن يشرع الإسلاميون بالعمل المؤسسي الاحترافي كأن يتبنوا مشروعًا إعلاميًّا محترفًا يوفر لهم الطرح الجيد لقضاياهم من غير تزييف أو تشويه.
أما الدكتور عطية عدلان فقد قال: "أولاً لابد من إعادة ترتيب أوراق الأعمال بين العاملين للإسلام، بحيث تخصص فرق للعمل في الدعوة وتخصص فرق أخرى للعمل في السياسة، وأن يكون بينهما تنسيق، ثانيًا أن يتخذ العمل السياسي إجراءات من شأنها أن تحدث في الرأي العام حالة من التغيير السريع، فالإجراءات النمطية السياسية داخل وخارج البرلمان مع الحملات الإعلامية تضعف الشعبية بلا شك، ولكن يجب أن تتخذ قرارات شبه ثورية، تؤدي إثبات صدق الإسلاميين".
وأردف قائلاً: "أرى أن يراجع العمل الإسلامي منهجيته وطريقته في العمل السياسي".
بينما رأى الشيخ حاتم الديب أن الفصل الإداري بين الحزب والجماعة هو الحل، بشرط ترك الحزب لكوادر إسلامية رائدة تضمن عدم خروج الحزب عن المنهج القويم وترفع من على كاهل الدعوة التركيز في الفرع السياسي والتركيز في الدعوة بشكل أكبر مما كانت عليه قبل الثورة لانفتاح المجال وعدم وجود تضييق أمني كالسابق.
الراشد يعلمنا معنى التوازن:
ولعل ما طرحه الراشد في سلسلته "إحياء فقه الدعوة" كان أنموذجًا جيدًا دل على فهم ووعي وإدراك بمعنى التوان بين العمل السياسي والدعوي، بل التوزان بين كل جوانب العمل الإسلامي.
فليست الدعوة الإسلامية حزبًا سياسيًّا، وإن كانت ساعية إلى الحكم، في انتباه تحذر معه أن تلهيها الأحداث عن خطها التربوي، وواجبها العبادي.
ولا هي مجمعًا فقهيًّا محضًا، أو كلية شريعة، أو دارًا للإفتاء، وإن كانت تحرص على الثقافة الشرعية، والسير على بينة من السنة الغراء، في بعد عن الجدل في الفروع، وعن الترف الفكري المثبط لهمتها في التجميع وقيادة العامة.
ولا هي دار نشر، أو وكالة إعلامية، وإن كانت الصحافة وملاحقة الأحداث وبيان حكم الإسلام فيها من تمام واجباتها.
ولا هي بعد ذلك منظمة فدائية، أو مؤسسة عسكرية، أو فرقة كشفية، وإن كان الجهاد أصلاً من أصولها، والألعاب الرياضية أسلوبًا من أساليبها، في غير ما تورط في عنف ومجازفة واستعجال.
كما أنها ليست جمعية خيرية، أو وزارة أوقاف، وإن كانت تأخذ بيد اليتيم والفقير، وتسعف المريض، وتساهم في بناء بيوت الله.
نعم ليست الدعوة شيئًا من ذلك، ولكنها كل ذلك، فإن تزاحمت الحاجات، وقصرت الطاقات: كان تقديم الأهم وفق نظرة نسبية، تبعًا لميزان التوفيق بين المصالح والمفاسد المتعارضة، بإهدار كل مصلحة صغيرة يؤدي الحرص عليها إلى تفويت مصلحة أكبر منها، واحتمال اليسير من المفاسد، لدرء ما هو أعظم.
كلمة أخيرة"
وأخيرًا وليس آخرًا.. فحري بالإسلاميين أن يدركوا أن العمل السياسي هو وسيلة وليس غاية في حد ذاتها، ولابد من وضع العمل السياسي في نصابه الصحيح حتى لا يختل الميزان، فالإسلام دين متكامل قائم على أصول وثوابت لا يطغى أحدها على الآخر.
وليس خطأ أن تكون للجماعات ذراع سياسية ولكن مع مراعاة إسناد الأمر لأهله والاستعانة بأهل التخصص في المجال امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وقد قال الشاعر:
للحرب والضرب أقوام لها خلقوا ... وللدواوين كتاب وحساب
ولعل التيار الإسلامي يلتفت إلى تقوية إعلامه ليوفر له الطرح السليم لقضاياه، ومحاولة لنشل العقول المستلبة من الإعلام المناهض لإقامة المشروع الإسلامي ولصد الضربات الموجهة له من أعدائه.