مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

عشية العرس الرئاسي.. هل ستدفن مصر النظام القديم؟

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

كتبه للمفكرة/ شريف عبد العزيز

shabdaziz@hotmail.com

مفكرة الإسلام : يوم الأربعاء الموافق 23 مايو سنة 2012 ستكون مصر والمصريون وكذلك منطقتنا العربية والإقليمية على موعد مع حدث استثنائي لم تشهده البلاد ولا أهلها أبدًا من قبل، فلأول مرة في تاريخ مصر القديم والمعاصر يخرج المصريون بكل حرية وأمان وبكامل إرادتهم لاختيار من يرأسهم في الأربع سنوات مقبلة، في واحدة من أعظم منجزات الثورة المباركة التي قام بها المصريون، فلأول مرة يكسر المصريون طوق العبودية السياسية والصمت الانتخابي القسري لقرون، ويثورون على فكرة الحاكم الأوحد الذي لا يُسأل عما يفعل، لأول مرة يجد المصريون أنفسهم أمام العديد من المرشحين الذين يخطبون ودهم ويعرضون برامجهم وتاريخهم وذممهم المالية بكل شفافية، ويتزلفون إليهم بالوعود والتعهدات القاطعة، بل لأول مرة نجد المصريين يقولون لهذا المرشح الرئاسي أو ذاك: نقبلك أو نرفضك، وحتى يقذفونه بالحذاء اعتراضًا عليه، وذلك كله بعد مخاض عسير وصراع إرادات مرير بين القوى السياسية والثورية من ناحية والمجلس العسكري وسدنة النظام القديم من ناحية أخرى، وليس في أصل الحدث نفسه الاستثنائية وحدها ولكن في تفاصيله أيضًا، فلأول مرة يتنافس هذا العدد الكبير من المرشحين ـ 11 مرشحًا بعد تنازل اثنين منهم ـ وعلى أجندة وأيدلوجيات متباينة، ففيها الإسلامي الحزبي والإسلامي المستقل والاشتراكي الحزبي والاشتراكي المستقل، وكذلك العسكري وكذلك فلول النظام البائد، ومن الاستثنائية في الحدث أيضًا أن متصدري السباق حتى الآن هما المرشحان الإسلاميان ـ مرسي وأبو الفتوح ـ وهما أيضًا المرشحان الأوفر حظًّا في التنافس على سباق الإعادة، وهذا بغض النظر قطعًا عن الاستطلاعات المضروبة التي دأبت وسائل الإعلام الداخلية والخارجية على نشرها، والتي افتضحت فضيحة نكراء مع ظهور نتائج التصويت بالخارج، فإن ظلت الأمور تسير في مجراها الطبيعي ولم تحدث مفاجآت غير متوقعة تفسد بهجة هذا العرس الانتخابي، فإن مصر ستكون على موعد جديد مع قيادة غير مسبوقة للبلاد؛ على الأغلب هي قيادة التيار الإسلامي.

وبغض النظر عن اسم المرشح الفائز واحتمالات فوزه من الجولة الأولى أو الإعادة والسيناريوهات الكثيرة التي قيلت في الأيام الماضية من قبل مئات الألوف من المحللين المصريين، بعد أن حولت الثورة قطاعًا واسعًا من شبابها إلى نشطاء سياسيين ومحللين إستراتيجيين، فإن أهم وأعظم أولوية للقيادة الجديدة في مصر تتمثل في ضرورة إنهاء العلاقة مع النظام القديم والقطيعة التامة مع سياسات وطرق وأساليب مبارك في الحكم والقيادة وإدارة ملفات البلاد السيادية ومراكزها الحيوية، فهذا هو الاختبار الحقيقي والتحدي الأكبر لمدى نجاح التحول الديمقراطي في مصر أو إخفاقه، كما يدل على الانتهاء الفعلي من المرحلة الانتقالية التي طالت وكثرت أزماتها وأصبحت مصدر تهديد للمنجز الثوري في البلاد.

وسبق وأن قلنا في عدة مقالات سابقة بخصوص الشأن المصري بعد الثورة بأن الثورة قد وقعت في خطأ تكتيكي كبير عندما تباطأت في تفكيك مراكز القوى القديمة القائمة على الفساد المؤسسي المستشري في مفاصل الحياة المصرية بشتى مجالاتها السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا التباطؤ تم تبريره من قبل مسئولي التيار السياسي في الأحزاب الإسلامية على أنه نوع من المصالحة الشعبية وتجاوز مشكلات الماضي وطي الملفات القديمة فتح صفحات جديدة، مما جعل الفترة الانتقالية تطول ومراكز القوى القديمة تستعيد قوتها ونفوذها مرة أخرى، مما يزيد قضية التخلص من النظام القديم تعقيدًا وصعوبة على أي قيادة جديدة في البلاد، ولكنها لن تكون مستحيلة بمشيئة الله في ظل وجود رؤية وإستراتيجية واضحة المراحل والخطوات.

فالنظام القديم قد اعتمد في إدارته للبلاد على أدوات للهيمنة والسيطرة جعلت من البلاد أشبه بالإقطاعية الخاصة، والجميع فيها يتنافس من أجل راحة الزعيم وتأمين ملكه ورئاسته والقضاء على كل ما يكدر صفو أوقاته ويقلق باله ويعكر مزاجه، اعتمد على وسائل إعلام مضللة تعبث بعقول الشعب، وكتيبة من الأقلام المأجورة توجه الرأي العام حيث يريد الزعيم، وتطمس الحقائق وتروج للأكاذيب والشائعات وتكرس الشهوات وفنون اللذة والانشغال بالتوافه، اعتمد على مسئولين نافذين في هيكل الجهاز الإداري في البلاد يوظفون كل أجهزة الدولة من أجل خدمة الزعيم وحماية فساده وإثرائه على حساب الشعب الكادح، اعتمد على أكاديميين متلونين وقانونيين مرتشين ومعممين فاسدين في تفصيل القوانين وتشويه المناهج التعليمية وإصدار الفتاوى المضللة وتبرير القمع والطغيان والاستبداد باسم الدين، اعتمد على أجهزة أمنية واستخباراتية باطشة، مهمتها حماية أمن النظام وتكميم أصوات المعارضين بأي طريقة، اعتمد على رجال أعمال فاسدين لا يهمهم إلا مصالحهم الخاصة ومص قوت المصريين وخيراتهم، اعتمد عليهم في تمويل حملاته ورحلاته ونزواته هو وحاشيته ومشاطرتهم فيما يسرقونه من المصريين البسطاء، اعتمد على علاقات خارجية قائمة على الذل والتبعية والانبطاح والانصياع التام لأوامر أمريكا و"إسرائيل" وأوروبا، من أجل نيل الرضا والدعم والسكوت على بطشه بشعبه وديكتاتوريته واستبداده وجرائمه بحق مصر والمصريين، اعتمد على حالة اليأس والانهزامية التي احتلت نفوس المصريين وحواجز الخوف التي أوقفت عزائمهم حتى جاءت لحظة الحسم في 25 يناير الماضي.

القيادة الجديدة في مصر عليها أن تعي ضرورة التخلص من كل هذه السياسات والأدوات التي أفسدت الحياة السياسية وملأتها بالأصنام والمحرمات والمقدسات التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، فلابد أن يكون لها الرئاسة القادمة من تصحيح دور الإعلام المصري الذي فاق في كذبه وانحيازه وتضليله إعلام جوبلز الهتلري واستعادة دوره الوطني الرشيد في توعية الشعب وتثقيفه، بحيث يكون إعلام لمصر والمصريين لا إعلام للسيد الرئيس، علي القيادة الجديدة استعمال الكوادر الشابة المؤهلة والقادرة على تفهم مطالب المرحلة ومقتضياتها في أجهزة الدولة من أعلاها إلى أدناها، وتطهير مؤسسات الدولة كلها من الفاسدين والمرتشين ويتامى مبارك خاصة في الأجهزة الأمنية والذين يحاولون باستماتة الإبقاء على النظام القديم، على القيادة الجديدة واجب في غاية الأهمية وهو تصحيح العقلية المصرية التي تضررت بشدة من أثر الفساد والاستبداد السابق، وأصبحت تحتاج لعلاج طويل المدى للتخلص من الآثار المباركية الخبيثة، والتي أصبحت لا تفهم إلا لغة البطش والقهر والاستعباد، ولعلنا نلحظ ذلك في وجود كثير من المصريين الذين يريدون التصويت للفلول ـ موسى وشفيق ـ في انتخابات الرئاسة.

وأخيرًا على القيادة الجديدة واجب هو الأهم في المرحلة المقبلة وهو تفكيك النطاقات المحجوزة للعسكر واختراقها بصورة تضمن الاستقرار والسلام الاجتماعي ودون صدام مع العسكر يقود لحرب أهلية، والانتقال السلمي للعسكر من سدة القيادة إلى مكانهم الطبيعي في الثكنات والثغور، ورفض أي صورة من صور الوصاية أو الهيمنة العسكرية على غرار عسكر أتاتورك أو عسكر ضياء الحق، ومنع تدخلهم في الملفات السيادية للبلاد إلا المتعلقة بالأمن والدفاع عن البلاد، ودون هذا التفكيك سيظل شبح العسكر يقلق مكان القيادة الجديدة، وعلينا ألا ننسى أن نفوذ العسكر قد أجهض التحول الديمقراطي في 55 دولة من أصل 60 دولة قامت فيها ثورات شعبية خلال الأربعين سنة الماضية، ولا يصح أبدًا بعد هذا الجهد العظيم والدماء الطاهرة التي أريقت من أجل بناء مصر الجديدة أن يبقى في مصر أي علائق بالنظام القديم أو فلوله، فهذه المهمة الكبرى للقيادة القادمة وأم المعارك في مصر الجديدة.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 22 مايو 2012
  1. مثيرًا عاصفة انتقادات.. زعيم سياسي جزائري يزور "إسرائيل"كشفت وسائل الإعلام الجزائرية عن زيارة يقوم بها حاليًا فرحات مهني - زعيم حركة انفصالية تدعو لاستقلال منطقة القبائل في الجزائر - إلى "إسرائيل". وذكرت وسائل إعلامية أن هذه الزيارة أثارت سيلاً من الانتقادات ضد فرحات الذي وعد في إحدى المرات بفتحالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  2. الرئيس الفرنسي الجديد يضع شروطًا لتمويل أفغانستانأعلن الرئيس الفرنسي الجديد فرانسوا هولوند أن باريس طلبت أن تساهم بأقل من 200 مليون دولار في تمويل طويل المدى لأفغانستان، مشترطًا لذلك أن تعرف بلاده أولاً كيفية إنفاق هذه الأموال. وذكرت وكالة رويترز أن الولايات المتحدة لا ترغب في أن تتحمل الالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  3. قراصنة مغاربة يخترقون مواقع تابعة لحكومة الجزائرقام قراصنة مغاربة يطلقون على أنفسهم اسم منظمة "قوات الردع المغربية" بشن هجوم على مواقع رسمية جزائرية، من بينها موقع تابع لوزارة المالية، حيث تمكنوا من الاستيلاء على الموقع لأكثر من يومين. وذكرت صحيفة "وقت الجزائر" الصادرة صباح اليوم الثلاثاالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  4. صدامات بين الأمن الإيراني ومتظاهرين في مدينتي تبريز وأورميةنشبت صدامات بين قوات الأمن الإيرانية ومتظاهرين في مدينتي تبريز وأورمية مركزي محافظتي أذربيغان الشرقية والغربية اللتين تقطنهما القومية التركية الآذرية في شمال غرب إيران. وكان الناشطون المدنيون في المحافظتين قد دعوا إلى تظاهرات سلمية مساء الاالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  5. شباب الإمارات ينتفضون على "التهم المعلبة" عبر تويترمفكرة الاسلام: رفض شباب الإمارات ما أسموه "التهم المعلبة" التي تواجههم بها السلطات في مواجهة حراكهم المستمر من أجل الإصلاح لتحرير الحياة المدنية في المجتمع الإماراتي من قبضة الأمن. واستعرض الشباب عبر الشبكة الاجتماعية "تويتر" معظم التهم التالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  6. الجنزوري: لن يُسمح للمنتقبات بالتصويت دون تأكد من هويتهنَّمفكرة الاسلام: أكد د. كمال الجنزوري - رئيس مجلس الوزراء المصري - أنه لن يُسمح للنساء المنتقبات بالتصويت في انتخابات الرئاسة إلا بعد التأكد من هويتهن. وكتب الجنزوري على الصفحة الرسمية لرئاسة مجلس الوزراء المصري على موقع التواصل الاجتماعي "فيانتخابات الرئاسة المصرية · 2 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: عشية العرس الرئاسي.. هل ستدفن مصر النظام القديم؟