أمريكا تريدها صفوية

حسن الرشيدي
istratigi@hotmail.com
لا يزال كثير من المراقبين في حيرة من تفسير الأحداث المتسارعة و المتضاربة في العلاقات بين الولايات المتحدة و إيران فحين غزت الولايات المتحدة أفغانستان حدث توافق أمريكي إيراني على ضرورة التخلص من نظام طالبان و ساعدت إيران القوات المتحالفة بتوفيرها طائرات لنقل مقاتلي التحالف الشمالي إلى المواقع الأمامية لتشديد الحصار حول كابول و لكن في أعقاب هذه المساعدة العلنية جاء تصريحات الرئيس الأمريكي بوش ليدخل إيران في محور الشر وفي نفس الوقت الذي ظل فيه الصوت الإيراني مرتفعا في وصف أمريكا بالشيطان الأكبر و في ظل الأجواء الملبدة بين البلدين فوجئ الجميع بالمساعدة الإيرانية للولايات المتحدة عند غزوها للعراق و بعدها بسنوات عاد التوتر مرة أخرى ليكون سيد الموقف بين البلدين بين اتهامات أمريكية لإيران بالتدخل في الشأن العراقي و محاولة الحصول على سلاح نووي بينما إيران ترد و تطالب أمريكا بالانسحاب من العراق .
و في خضم هذه البلبلة و التذبذب لا يسع المرء إلا البحث عن موقع إيران في الإستراتيجية الأمريكية ليدرك ما تمثله إيران بالنسبة للولايات المتحدة و طبيعة التعامل الأمريكي معها و إلى أي مدى يمكن أن يصل .
أولا/ إيران في الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط :
يجمع المراقبون السياسيون على وجود هذه الثلاثية من الأهداف التي تبغي الإدارة الأمريكية تحقيقها في المنطقة و هي: إسرائيل، والنفط، و محاربة الإرهاب ولكن خلافهم حول أولويات هذه الأهداف وترتيبها؛ والتي تصب في النهاية لتحقيق الهدف الرئيسي الذي عبر عنه بوش في خطابه في احتفال البحرية الأميركية في فلوريدا يوم بقوله: نرغب أن نكون بلداً فوق الجميع هذه الثلاثية في الأهداف نابعة من الشخصية الأمريكية التي جرى تشكلها عبر التاريخ الأمريكي منذ قدوم المهاجرين الإنجليز و نزول الرجل الأبيض على شواطئ ما عرف فيما بعد باسم أمريكا حيث شكلت ثلاثية المال و القوة و الدين الشخصية الأمريكية على مدار التاريخ و عند تطبيق معالم الشخصية الأمريكية تلك على أهداف الإدارة الأمريكية بالنسبة للشرق الأوسط تتجلى هذه الثلاثية بشكل قاطع فالتراث الديني في أمريكا يستمد أصوله من المذهب البروتستانتي في انجلترا و ارتحل إلى أمريكا ؛ والذي نشأ مع حركة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر في القرن السادس عشر و أسهمت هذه الحركة في بعث اليهود من جديد و بذلك نفهم الحرص الأمريكي على وجود إسرائيل أما القوة الغاشمة الأمريكية و حرب الإبادة التي شنها الكاوبوي الأمريكي على سكان أمريكا الأصليين من الهنود الحمر تتجلى بشكل صريح في الحرب التي تشنها على ما تزعمه أنه إرهاب أما حب المال و السيطرة على مصادره فإن تجلياتها الحديثة تظهر في حب السيطرة على منابع النفط و طرق الوصول إليه .
و لكن ما هو موقع إيران من تلك الأهداف الأمريكية؟
بالنسبة للنفط فإن إيران من كبار منتجي النفط في العالم و فضلا عن ذلك قربها من المنتجين الرئيسيين في الخليج كما تطل بشواطئ طويلة على الخليج تمتد من الممتدة من عبدان وحتى المحيط الهندي و مع وجود قوات بحرية قوية فإنها تستطيع تهديد مرور نقلات النفط في الخليج و سبق أن هددت بذلك فبعض التقارير العسكرية التي أقرت بها إيران، تفيد بأن إيران تمتلك غواصة لا يستطيع الرادار كشفها كما أنها دأبت على تصنيع توربيدات محلية الصنع قد تسبب أرقاً للبحرية الأمريكية في مياه الخليج الضحلة أساساً، هذا بالإضافة إلى ترسانة صواريخ الأرض أرض التي تمتلكها والممثلة بتوليفة صاروخية ذات تقنية روسية- صينية- وشمال كورية ومحلية الصنع يقف على رأسها شهاب .
و إسرائيل حاضرة بالنسبة للمنظور الأمريكي لإيران فالإستراتيجية الأمريكية من ضمن خطوطها العريضة الحفاظ على أمن إسرائيل و إيران تمتلك كثير من المؤهلات العسكرية و البشرية و التقنية ما يجعلها ندا إقليميا لإسرائيل مكافئا لها.
أما مكافحة الإرهاب فوجود إيران كمعبر من أفغانستان إلى العراق يشكل هاجسا مهما بالنسبة لأمريكا التي تخوض حربا ضروسا مع الجماعات الجهادية والتي تنشط بشكل مكثف في كل من البلدين و تغرق الجيوش الأمريكية في تلك المناطق حتى أذنيها فضلا عن التواجد الشيعي في كل من هذين البلدين .
و لذلك فإن إيران عندما تريد معاكسة الإستراتيجية الأمريكية تلك فإنها تلعب على وتر هذه الثلاثية فهذا أحمدي نجاد يهدد بإزالة إسرائيل ففي كلمة ألقاها في مؤتمر عقد في طهران بعنوان العالم بلا صهيونية إلى شطب إسرائيل وإزالته من خريطة العالم وقال إن كلمته تعبر عن رأي الشعب الإيراني.
و بالنسبة للنفط فالتهديد يشمل ثلاثة أمور : الأول حرق آبار النفط في دول الخليج مثل تهديد نائب قائد الحرس الثوري الإيراني سردار ذو القادر في عام 2002 بحرق كل آبار النفط في الخليج إذا تعرضت بلاده لعدوان أميركي أما التهديد الثاني المتعلق بالنفط فهو غلق مضيق هرمز أمام الملاحة الذي وصل بتهديدات مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي بتعطيل تصدير النفط الخليجي إلى واشنطن إذا ما أقدمت على خطوة خطأ .
و التهديد الثالث فهو بمنع النفط عن الدول فقد أكد كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين علي لاريجاني إن طهران ستربط تجارتها النفطية وغيرها من نواحي التجارة مع الدول الأخرى بمدى تأييد تلك الدول لإيران في ما يتعلق ببرنامجها النووي.وقال إن الدول التي لها علاقات تجارية مع إيران، خاصة في مجال النفط، لم تدافع عن حقوق إيران حتى الآن موضحاً أن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني مصمم جدا على خلق التوازن بين هاتين المسألتين وأضاف : ولذلك فان مدى دفاع تلك الدول عن حقوق إيران الوطنية، سيسهل مشاركتها في القطاعات الاقتصادية الإيرانية.
و بالنسبة لمكافحة الإرهاب فإن إيران تلعب منذ فترة بورقة القاعدة و يقول أبو جندل الحارس الشخصي لزعيم القاعدة أسامة بن لادن، إن تنظيم القاعدة يقيم علاقة وصلات مع الحكومة الإيرانية لأن عدوهما واحد وهو الولايات المتحدة الأمريكية. وزاد هناك شخصيات في القاعدة تتابع ملف التعاون مع إيران مثل سيف العدل وأبو حفص الموريتاني ووجود شخصيات من القاعدة في إيران هو للتنسيق .
ثانيا/ إيران في الإستراتيجية الأمريكية العالمية :
كانت الإستراتيجية الأميركية قبل عام 1947م لا تستند إلى أسس ثابتة، وكانت مزيجاً من الخطط العسكرية التي دافعت عن فكرة إقامة دولة فيدرالية تلم الولايات المشكِّلة لها تحت جناح دستور وهيكل، ودخلت أمريكا الحرب العالمية الثانية خلواً من أية استراتيجيات سوى الانضمام إلى ركب الدول الكبيرة، فاشتركت في الأحلاف التي قامت ضد المعسكر النازي آنذاك؛ فمبادئ مثل القدر المرموق أو المصلحة الذاتية المستنيرة، ومبدأ منرو وخطاب مسيرة الراية ومبدأ الحرب العادلة فهذه المسميات أقرب إلى فكر متعمق في الوجدان الأمريكي كميراث عن الآباء المؤسسين أكثر من اعتباره فكراً استراتيجياً مؤسسياً سياسياً.ولكن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت الولايات المتحدة في وضع الانفراد بالهيمنة على العالم كهدف نهائي تسعى إليه، ومن خلاله توجه استراتيجياتها الدولية، فقدم جورج كينان عام 1947م أولى هذه الاستراتيجيات التي تركزت على نظرية الاحتواء.
وأهم أسس هذه الإستراتيجية كانت مواجهة ما وصفه صانعو السياسة الأميركية بالتهديد الذي كان الاتحاد السوفييتي العامل الأهم والعدو الأخطر بالنسبة لراسمي أسس هذه الإستراتيجية.
وقد سادت إستراتيجية الاحتواء في السنين التي تلت الحرب العالمية الثانية، وعدت الإستراتيجية الأمريكية الرئيسية في حقبة الحرب الباردة، وقد تعاملت هذه الإستراتيجية مع العالم في حقبة ثنائية الأقطاب: الولايات المتحدة وحلفائها ضد الاتحاد السوفييتي وحلفائه، وكانت تهدف لمنع الاتحاد السوفييتي من توسيع مدى تأثيره ليس فقط في نطاق الولايات المتحدة وحلفائها، وإنما أيضاً في نطاق الدول غير الحليفة معها أيضاً،
وفي زمن الحرب الباردة وضعت الولايات المتحدة إيران ضمن الحزام العازل الذي كان يهدف إلى منع السوفييت من الوصول إلى المياه الدافئة مثلما كان يعرف، ومنع التغلغل الشيوعي في منطقة الخليج ذات الأهمية الإستراتيجية للغرب عموما، وقد وفرت لها هذه التبعية أن تكون لاعبا إقليميا مهما و كانت البيئة الدولية وقتئذ تدفع بكل من الدولتين إلى مزيد من التعاون في المواقف والسياسات الذي بدا جليا في ذلك الاصطفاف الموحد إزاء العديد من القضايا الإقليمية والدولية و هذا كان التصور الأول للدور الإيراني في الإستراتيجية الأمريكية.
أما الدور الثاني الذي لعبته إيران في الإستراتيجية الأمريكية في الحرب الباردة فهو دور شرطي المنطقة بدعم من الولايات المتحدة للحفاظ على مصالحها في المنطقة أحد السمات البارزة الأساسية في العلاقات الأمريكية الإيرانية خلال الفترة من عام 1962 وحتى عام 1978.
أما الأهمية الثالثة لإيران بالنسبة لأمريكا فهي الموقع الجيوستراتيجي لإيران بصفتها جزء من الهلال الذهبي فهي أولا تطل على الخليج العربي وعلى مضيق هرمز الذي يعتبر معبر النفط العربي تجاه الغرب كما أنها معبر إلى أفغانستان و القوقاز و الجمهوريات الإسلامية السوفيتية السابقة
و الأهمية الرابعة لإيران فهي فزاعة تلعب بها أمريكا مع الدول العربية التي تريد أو تحاول الخروج من الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة لتجعل هذه الدول في حالة خوف من اجتياح إيراني لهذه الدول فترمي بنفسها في أحضان الولايات المتحدة .
و لذلك فإن أي ضربة أمريكية يمكن أن تكون مرتقبة على إيران فسوف تحاول أن تكسر الجانب الضار للإستراتيجية الأمريكية و هو الطموح الإيراني لتكون قوة عظمى مهيمنة أي طموح للعودة إلى المجد الفارسي الإمبراطوري أما الجانب الآخر الذي يتعلق بالإستراتيجية الأمريكية والإسرائبيلية في المنطقة و العالم فسوف تحاول أمريكا أن تحتفظ به مع إيران أي أن تبقى إيران شوكة وخنجرا في ظهر العرب و المسلمين .