وفاة الخليفة العباسي المأمون
18 رجب 218هـ
مفكرة الاسلام: الخليفة العباسي السابع في ترتيب البيت العباسي، المأمون عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور العباسي القرشي الهاشمي، ولد في ليلة الخلفاء سنة 170هـ وهي الليلة التي مات فيها عمه الخليفة الهادي وتولى فيها أبوه الرشيد الخلافة، فسميت هذه الليلة بليلة الخلفاء، وكانت أمه أم ولد تركية اسمها «مراجل» ماتت في نفاسها، فنشأ في كنف أبيه وقد أولاه عناية خاصة ليتمه وعهد به إلى القائد «جعفر البرمكي» لتربيته فبانت نجابته وذكاؤه وقوة عزيمته من صغره، ورشحته صفاته لأن يكون الخليفة بعد أبيه ولكن الرشيد فضَّل عليه أخاه الأمين لأن أمه هاشمية «زبيدة حفيدة المنصور»([1]).
وليتلافى الرشيد هذا الخطأ عالجه بخطأ أشد, حيث جعل المأمون وليًا للعهد بعد أخيه الأمين وأعطاه سلطات واسعة كاملة تجعله مستقلاً تمامًا عن سلطان أخيه الخليفة، وهذا الأمر جر على الأمة الإسلامية وبالاً وشرًا عظيمًا، إذ زين خواص المأمون الخروج على أخيه لأنه الأحق بالخلافة حتى وافقهم وخرج عليه, ووقعت حروب طويلة وفتن كثيرة انتهت بمقتل الأمين, وخراب بغداد سنة 198هـ، والحق أن الأمين هو الذي قد بدأ بالغدر عندما خلع أخاه المأمون من ولاية العهد فجرى ما جرى من فتن وحروب طيلة أربع سنوات، وقد كان المأمون محظوظًا بوجود العديد من الشخصيات القوية بجواره مثل القائدين «طاهر بن الحسين»، و«هرتمة بن أعين»، وداهية خطير هو «الفضل بن سهل» وكان شيعيًا استطاع أن يميل بالمأمون للتشيع ويحجبه عن الناس ويستفرد بالأمر, بل بالغ في خداع المأمون حتى جعل «علي الرضا» أحد أئمة آل البيت وليًا للعهد وخلع أخاه المؤتمن من العهد وذلك سنة 201هـ، وخلع السوار شعار الدولة العباسية ولبس مكانه الخضرة، فهاج الناس في بغداد وبنو هاشم حتى خلعوه وبايعوا مكانه عمه «إبراهيم بن المهدي» وجرت فتن أخرى وحروب انتهت لصالح المأمون وظلت الأمور مضطربة ولم تستقر حتى سنة 202هـ.
لم تستقم الخلافة إلا بعد مقتل «الفضل بن سهل» ثم وفاة «علي الرضا» ولي عهده فجأة, وقد اتهموا المأمون بأنه وراء قتلهما حتى تستقر له الأمور، كان المأمون ذا خبرة عظيمة في سياسة الناس عالمًا بأحوال رعيته، محبًا للعدل رغم ما وقع منه من قتال وحروب, وكأنه قد أراد أن يكفّر عن خطاياه السابقة، وكان يجلس بنفسه للفصل بين الناس ويأخذ الحق من أي شخص كائنًا ما كان، وكان محبًا للعفو عن المخطئين، كريمًا لحد السرف, حتى إنه قد أنفق في عرسه على «بوران بنت الحسن» قرابة الخمسين مليون درهم.
كما كان في المأمون شهامة عظيمة وقوة جسيمة في قتال الكافرين خاصة الروم، فقد حاصرهم عدة مرات وصابرهم مرات أكثر وباشر القتال بنفسه، وكان يستمع إلى النصيحة ويرجع إلى الحق, كما كان من حفظة القرآن كثير التلاوة وربما في بعض الرمضانات يختم كل يوم ختمة.
كان المأمون يحب العلم والعلماء ويكثر من مجالستهم وله رواية في الحديث, ولكنه كان مولعًا بالعلوم العقلية والفلسفة, وقد أمر بنقل كتب الفلاسفة الإغريق من جزيرة قبرص وترجمتها للعربية في بيت قد أنشأه لذلك الغرض خصيصًا وسماه دار الحكمة، ولكنه لم يكن ذا بصيرة نافذة في العلم جاهلاً بمعاني القرآن والسنة مما جعل رؤوس الاعتزال في وقته كبشر المريسي والعلاّف والنظّام يلعبون بعقله حتى وافقهم على بدعتهم الكفرية «القول بخلق القرآن», وظل يعمل على نشر هذه البدعة بين الناس بصورة هادئة عدة سنوات, ولما رأى إعراض الناس عنه وكراهيتهم لهذه البدعة الشنيعة بدأ يستخدم حد السيف وقوة السلطان في فرض هذا الباطل على الناس وذلك سنة 218هـ أي في نفس السنة التي مات فيها.
قرر المأمون إجبار العلماء والفقهاء على القول بخلق القرآن، ووقعت المحنة الشهيرة التي ثبت فيها الإمام أحمد بن حنبل ثباتًا عظيمًا ورفض كل محاولات الإغراء والتهديد للقول بخلق القرآن, خاصة بعد أن وافق معظم أهل العلم مكرهين تحت حد السيف بالقول بهذه البدعة, ولم يبق سواه ومحمد بن نوح النيسابوري، وقد عزم المأمون على قتل الإمام أحمد بن حنبل بيديه إذا لم يجب بهذه البدعة, فدعا عليه أحمد بن حنبل فهلك المأمون في 18 رجب سنة 218هـ وذلك بمدينة طرسوس على الثغور.
الجدير بالذكر أن المأمون كان ذا فضائل كثيرة ولكنها انغمرت في عظيم بدعته التي سنها بين المسلمين, وضاعت أعماله وأخباره الصالحة في بحر خطيئته بهذه الضلالات, ولعله يكون معذورًا لجهله وقلة علمه, لذلك كان الإمام أحمد يحله من ذنبه ويعفو عن إساءاته في حقه.
كما كان المأمون هو الخليفة العباسي الوحيد الذي على مذهب الشيعة الزيدية حيث كان يذهب إلى تفضيل علي ابن أبي طالب على باقي الصحابة ويكره معاوية وآله، لذلك راج عليه الاعتزال الذي هو عقيدة الزيدية.
([1]) راجع: تاريخ الطبري، الكامل في التاريخ، البداية والنهاية، المنتظم في التاريخ، محاضرات الخضري، تاريخ الخلفاء، سير أعلام النبلاء، وفيات الأعيان، شذرات الذهب.