اتفاق مكة وحسابات الربح والخسارة
مفكرة الإسلام : من حق الفصائل التي وقعت على صلح مكة أن تشرع في حسابات الربح والخسارة، ومن واجب الفصائل التي أيدت اتفاق مكة دون أن تستشار في التوقيع عليه أن تطرح شروطها للمشاركة في النتائج التي ترتبت عليه لكن المسؤولية الوطنية لدى الجميع تفترض توسيع دائرة الرؤية لكي تكون الحسابات هي حسابات القضية والوطن والمصير وليست حسابات الحزب والفصيل والجماعات والفئات والقطاعات والإقطاعيات فقط.
و يقول عبد المجيد سويلم في صحيفة الأيام إن الرابح الأكبر من اتفاق مكة هو الدبلوماسية السعودية ومن ورائها كل معسكر الاعتدال العربي الذي استطاع وضع حركة حماس على مسافة أقرب إلى هذا المعسكر مما كانت عليه وأبعد مما كانت عن المعسكر الإيراني السوري، وبالرغم من أن هذا القرب أو البعد ما زال يراوح حول منطقة منتصف الطريق إلا أن العربية السعودية استطاعت تمهيد السبيل أمام تخندق حركة حماس كحركة سنية (خارج السطوة المباشرة) للنفوذ الإيراني المباشر وحتى لو أن حركة حماس قد خطت الخطوة الأولى بهذا الاتجاه (ليس إلا) فإن العربية السعودية تكون قد حققت عشر خطوات بمقياس سباق التجاذبات المحموم على المستوى الإقليمي الشامل، وتستطيع العربية السعودية من خلال اتفاق مكة أن تدير معركة (مواجهة التحدي الإيراني) بصورة أفضل بكثير مما لو بقيت حركة حماس على مسافة أبعد مما هي عليه اليوم أو أقرب إلى إيران كما كان الوضع قبل الاتفاق. أما فتح على وجه التحديد ومنظمة التحرير الفلسطينية على وجه العموم فهي أقرب اليوم إلى مبادرة السلام العربية منها إلى خارطة الطريق وهي أكثر ميلاً إلى تفهم مبررات حركة حماس حول عقم التنازلات المجانية وأكثر استعداداً لتوظيف هذه المبررات في إدارة المعركة التفاوضية وهي أمور تسلح العربية السعودية بالمزيد من الأوراق في إدارة الصراع مع إسرائيل من جهة ومع إيران من جهة أخرى وتبقي الإدارة الأميركية في وضع لا يسمح لها بتجاوز الدور المحوري للعربية السعودية واستحالة القفز الكلي عن المواقف السعودية التي تكثفها المبادرة العربية.
إن التقاطعات المعروفة بين المواقف السعودية والمواقف الأميركية في كل من العراق ولبنان وفلسطين، لا تلغي أن ثمة خلافات وربما اختلافات بين المواقف الأميركية والسعودية في هذه الساحات الساخنة الثلاث، وبالتالي فإن التقدم الذي أحرزته العربية السعودية في الساحة الفلسطينية سيقوي حتماً من دورها في إدارة الصراع الإقليمي عموماً، وفي إدارة الأزمة العراقية واللبنانية تحديداً، وان من حسن الحظ أن تعزيز مكانة العربية السعودية ودورها الإقليمي يأتي في المحصلة على حساب الدور الإيراني من جهة، وعلى حساب الدور الأميركي الإسرائيلي من جهة أخرى، وفي كل هذا ثمة مصلحة وطنية فلسطينية خالصة حتى وإن بدت هذه المصلحة وكأنها قابلة للتوظيف السياسي المباشر في إطار الإستراتيجية الغربية، وذلك لأن أخطر ما يواجه الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية على المدى المرئي هو الانخراط في أحد هذه المحاور أو انقسام الشعب الفلسطيني بين هذه المحاور، أما أن تنقسم هذه المحاور وتتنافس على استمالتنا أو الاستفادة منا فإن هذا لا يضيرنا بشيء ولا يمسنا بسوء إذا عرفنا كيف نحافظ على قرارنا وعرفنا كيف نلعب أوراقنا بحنكة وذكاء. إن البعد النجومي لاتفاق مكة على أهميته لن يؤثر على الدعم المصري والأردني والخليجي لاتفاق مكة وهو أمر لن يؤثر على محورية الدور السعودي، واستطيع القول إن اتفاق مكة يؤسس لإعادة التفاف عربي حول القضية الفلسطينية ويؤسس لإعادة بناء حاضنة قومية وإقليمية وإسلامية ودولية حول الحقوق الفلسطينية، وبهذا فقط تتحول فلسطين من ورقة في لعبة المحاور إلى محور للجذب والاستقطاب والمنافسة. إن بناء هذه الجبهة من خلف الحقوق الوطنية الفلسطينية هو التحول الاستراتيجي الأول والأهم في محاصرة الانحياز الأميركي الأعمى لإسرائيل وفي وأد الرؤية الإسرائيلية للحل وإجبارهما (الولايات المتحدة وإسرائيل) على الانتقال من دائرة إدارة الأزمة إلى دائرة الانخراط الفعلي في مشروع حلها، ومن هذه الزاوية فإن الحل الوطني القائم على الأهداف الوطنية ليس سوى المسافة الفاصلة بين الرؤية الأميركية الإسرائيلية لهذا الحل وبين القاعدة التي أرستها وترسيها الشرعية الدولية له، وعلى حركة فتح أن تدرك أن خارطة الطريق تكرس الرؤية الأميركية الإسرائيلية بالرغم من الديباجات التي تتحدث عن الشرعية الدولية، وعلى حركة حماس أن تدرك أن المبادرة العربية هي الصيغة الوحيدة التي تحجم من الرؤية الأميركية الإسرائيلية وترسي وتؤسس لحل وطني. وكل حل وطني يعني أنه يكرس المصالح الوطنية العليا، وكل حل يكرس المصالح الوطنية العليا هو حل شرعي من الزاوية الفكرية وكل محاولة لمنع الحل الوطني أو اعتراضه أو اتخاذ موقف سلبي منه هو سفسطة أيديولوجية تغلف وتحجب الوقائع الحية والواقع المعاش وهي رؤية ضيقة تستعيض عن العمل الجاد للتأثير الفعال على الواقع بالشعارات والأفكار الكبيرة التي تناجي المستقبل دون أن تعي أن هذا المستقبل لن يأتي أبداً إلا عبر تطوير الواقع الحاضر وان أهمية الماضي تكمن في القدرة على توظيفه في هذا التطوير.
إن اتفاق مكة في أحد أهم قراءاته هو أنه ما زال يخضع لحسابات الربح والخسارة الخاصة وهو لم يتحول بعد، وأظن أن تحوله ما زال بعيداً، من اتفاق لدرء الفتنة إلى قاعدة جديدة لبناء إستراتيجية مواجهة موحدة تتحول إلى قناعات راسخة وبرامج عملية، ودون ذلك سنبقى نخاف على كل اتفاق من قِصر النظر ومن أصحاب المشاريع الخاصة وسنبقى في وضع قلق إلا أن يفهم قادة هذا الشعب أن وحدتنا هي الضمانة الوحيدة لانتصارنا، وان تحقيق مكسب هنا ومكسب هنا وخسارة هنا وخسارة هناك لهذا الفصيل أو ذاك لا يغير في معادلة الربح والخسارة الحقيقية في شيء، معادلة المصلحة الوطنية والأهداف الوطنية والقضية الوطنية، فقد ربحت فتح بأنها رفعت من سقفها السياسي وربحت حماس عندما أدركت أهمية التوجه الواقعي وربحت القوى الديمقراطية لأن الذي تحقق يكرس أهميتها ودورها وسيعزز من مكانتها إذا عرفت كيف تعيد تنظيم صفوفها وإذا ما وجدت طريقاً لوحدة أداءها.
روابط الملف الصحفي