عذرًا مسلمي سيريلانكا... فأمتنا مشغولة (2)
إخوتي أخواتي كنا قد ذكرنا في الحلقة السابقة نبذة تاريخية مختصرة عن سيريلانكا, وتحدثنا عن المراحل الاستعمارية التي مرت بها تلك البلاد, واليوم نستطرد الحديث ونرى كيف وصل الإسلام إلى سيريلانكا.
رحلة الإسلام على أرض سيلان:
يرجع تاريخ وجود المسلمين في سيلان والتي كانت تسمّى " سرنديب " -التي تغير اسمها عام 1972م إلى سريلانكا نسبة إلى الحزب الحاكم. والكلمة تعني: البلد الجميل-، واستمدّ من روعة الكساء الأخضر لأرضها ، إلى القرن السابع الميلادي (الثاني الهجري) حين دخلها التجار المسلمون.
وتقول المصادر التاريخية إنّ وصول الإسلام إلى سريلانكا كان خلال فترة الخلافة الراشدة، فقد ذكر ابن شهريار في عجائب الهند أنه : "عندما سمع أهل سيلان والمناطق المجاورة لها بنبأ الإسلام هذا الدين الجديد ، أرسلوا رسولًا منهم إلى المدينة المنورة مركز الدولة الإسلامية ليتعرف على الإسلام وينقل إليهم معلومات موثقة عن هذا الدين الجديد، وعندما وصل الرسول إلى المدينة كان الخليفة يومئذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقابله الرسول وأخذ منه تعاليم الإسلام. ولكن أدركت الوفاة ذلك الرسول في طريق عودته إلى سيلان، فقام خادمه بتبليغ الرسالة إلى قومه أهل سيلان- الذين أقبلوا بدورهم على الدين الجديد-.
وهكذا استمرت الصلة بين مسلمي سيلان.. والمسلمين في المناطق الأخرى,وعندما تعرض قومٌ من الديبال (بالقرب من كراتشي اليوم) إلى سفينة تحمل مسلمين من سيلان واستولوا عليها, بعث الحجاج بن يوسف حملة عسكرية بقيادة محمد بن القاسم للدفاع عن مسلمي سيلان وكان من نتائج الحملة أن فتح الله على المسلمين بلاد السند.
ولقد زار الرحالة المسلم ابن بطوطة سيلان في عام 1344م وسجل في كتابه المشهور خواطره حول هذا البلد فذكر أن كولومبو عاصمة سيلان كانت مدينة إسلامية وأن سكان البلاد كانوا يحبون الإسلام ويقبلون عليه.
ومما ساعد أيضا على انتشار الإسلام المسلمون العرب الذين استوطنوا الساحل الجنوبي الشرقي للهند، حيث كانت لهم هجرات منظمة إلى سيلان، يبشرون بهذا الدين ويتفقدون فيها أحوال المسلمين في سيلان، ومما يدل على قوة الأواصر بين المجموعتين الهندية والسيلانية أنهم كانوا يتكلمون لغة واحدة. ولو قدر للأمور أن تسير سيرًا طبيعيًا لكانت سيلان بكاملها دولة إسلامية.
وبعد ظهور الإسلام والأخبار التي يرددها التجار العرب عن الدين الجديد وعن القيم التي ينادي بها مثل المساواة بين الناس والعدل الذي لا يفرق بين أسود وأبيض أو بين غني وفقير أو صغير وكبير أو بين مسلم وغير مسلم ازداد شوق سكان سيلان للتعرف على الإسلام.
ولكن الغزو البرتغالي للجزيرة قلب الأوضاع كانت البرتغال تسعى جاهدة إلى غزو البلاد الإسلامية,وكان البحار الإيطالي فاسكو دي جاما الذي قاد الحملة البحرية البرتغالية يتصور نفسه القائد الرسولي الذي بعثته العناية الإلهية ليركز راية المسيح فوق كل أرض تصلها سفنه.. وكان حاقدًا على المسلمين بصورة خاصة ومع بداية القرن السادس عشر الميلادي بدأ نفوذ المسلمين في سيلان يتضاءل تدريجيًا.
ومع بداية القرن السادس عشر الميلادي بدأ نفوذ المسلمين في سيلان يتضاءل تدريجيًا بظهور نفوذ البرتغال أو منافستهم للمسلمين على التجارة في المحيط، والسيطرة على البحر.
وكانت جزيرة سيلان بحكم موقعها هدفًا من أهداف البرتغاليين، فاحتلوها عام 1505م، وعملوا على إضعاف نفوذ المسلمين في الجزيرة، وانتزاع زمام التجارة من أيدي المسلمين عن طريق سلسلة من المؤامرات والاعتداءات العسكرية، فقد أباد البرتغاليون قرى مسلمة بأكملها وحاولوا إزالة أي أثر للوجود الإسلامي في الجزيرة، مما دفع أعدادًا كبيرة من المسلمين النزوح من المدن الغربية والجنوبية المطلة على المحيط، وانتشروا في وسط البلاد وفي المناطق المرتفعة منها، والتي كانت آنذاك تحت سيطرة ملوك كانديان. وتقع هذه المناطق حاليًا شمال العاصمة " كولومبو ".
وقد اتبع الهولنديون الذين جاءوا إلى سيلان عام 1658م نفس السياسة نحو المسلمين والإسلام، فأسسوا مدارس تنصيرية لنشر النصرانية، ووقف النفوذ الإسلامي في المنطقة وإخفاء نور الإسلام.
وبالرغم من أن الاحتلال البريطاني للجزيرة عام 1716م قد خفف قليلًا من سياسة البطش والتعذيب التي مارسها البرتغاليون، ومن بعدهم الهولنديون، فإن البريطانيين اتبعوا نفس السياسة التنصيرية لأسلافهم، فأنشأوا عددًا كبيرًا من المدارس بين عامي 1732 -1746م وفتحوا باب التعليم التنصيري لكل الطوائف والطبقات في سيلان, وقد كان التعليم حينها في خدمة التنصير.
ولكن المسلمين لم يستطيعوا أن ينسوا بسهولة الأيام التي عاشوها تحت وطأة الاحتلال الهولندي، وارتبط في أذهانهم التعليم الغربي بالأهداف التنصيرية الكنسية، ولذا قابلوا السياسة التعليمية البريطانية بحذر شديد، ورفضوا هذا النوع من التعليم، واكتفوا بمدارسهم الخاصة التي كانت ملحقة بالمساجد وتقتصر على تعليم القرآن ومبادئ الإسلام الأولية.
وبالرغم من أن عزوف المسلمين في الجزيرة عن التعليم الغربي كانت له مبرراته القوية، فإنه جعل المسلمين متخلفين من الناحية المادية، إذا ما قيسوا بالفئات الأخرى التي استفادت من هذا النوع من التعليم. ولكن شيئا واحدًا يجب أن نذكره، وهو أنه عن طريق هذه المؤسسات التعليمية البريطانية هجر كثير من أتباع الطوائف الأخرى ديانتهم واعتنقوا النصرانية.
وفي الوقت الذي استفاد معظم سكان الجزيرة من الطوائف الأخرى من هذا التعليم التنصيري.. واحتلوا أهم المواقع والوظائف في البلاد مقابل ترك الكثير منهم لدينه واعتناقه النصرانية، الدين الذي يفرضه المحتل، وتبشر به المدارس التنصيرية كما ذكرنا من قبل, لم يترك مسلم واحد دينه لأنهم لم يكونوا مستعدين لأن يقايضوا قيمهم الدينية ومعتقداتهم مقابل مكاسب مادية مهما كانت.
هذا ويشكل المسلمون 8% من تعداد سكان الجزيرة المتاخمة لشواطئ الهند. معظمهم يقطنون الأجزاء الشرقية من سريلانكا وأغلبهم قبائل عربية وفدت إلى الجزيرة. وهناك تواجد واضح لتجار مسلمين في العاصمة كولومبو.و لقد التاميل في القرن التاسع عشر أن المسلمين الذين يعيشون بالأجزاء الشرقية من سريلانكا هم بالأصل من التاميل وذلك في محاولة منهم لزيادة تعدادهم بالمجالس التشريعية والتمثيل بشتى أنواعه. المسلمون لم يرضوا بهذا الزعم وزعموا بدورهم بأنهم من سلالة التجار العرب الذين كانت سفنهم تحط رحالها في ربوع الجزيرة الخضراء واستقروا فيها في المدة ما بين 900 و1000 للميلاد وتزاوجوا مع التاميليين والسنهاليين الذين تحولوا للإسلام.و لقد أيد حينها الحكام البريطانيون قول المسلمين.
ويصل عدد المسلمين إلى 1.6 مليون مسلم يسكنون المناطق الشمالية والشرقية من الجزيرة، ، وعلى الرغم من أن نسبة كبيرة من المسلمين تعيش في مناطق التاميل، إلا أنهم يتحدثون بلهجات المناطق التي وفدوا منها، ولم يتأثروا بالثقافة التاميلية.
والجدير بالذكر: أن الإسلام يعتبر ثالث دين وأتباعه هم ثاني أكبر مجموعة دينية في البلاد بعد البوذيين في سريلانكاحيث وصلها الإسلام مبكّرًا في نهاية القرن الهجري الأوّل وبداية القرن الهجري الثاني، وقد عرفها المسلمون باسم "سرنديب" ثم تغير اسمها إلى "سيلان".
ينقسم المسلمون في سيريلانكا إلى مجموعتين كبيرتين هما : المورو، والملايو، ويشكل المورو أكثر من 96% من إجمالي نسبة السكان المسلمين.
ولفظة "مورو" كانت في الأصل خاصة ببعض الأفراد إلا أنها في الآونة الأخيرة اكتسبت مفهومًا عامًا، فتمَّ استعمالها للدلالة على ذوي الأصول العربية والهندية من المسلمين. أما شعب الملايو فهم من الأصول المالاوية الذين استقدمهم الهولنديون إلى البلاد إبان احتلالهم لماليزيا.
يتكلم معظم المسلمين في سيريلانكا " اللغة التاميلية " والتي هي أيضا لغة مسلمي جنوب الهند، وتوجد العديد من المؤلفات الإسلامية لعلماء سريلانكا وجنوب الهند بهذه اللغة. ولكن أصبحت " اللغة السنهالية " الآن وهى لغة الغالبية في سريلانكا، هي اللغة الرسمية للدولة.
يعيش المسلمون في عدّة محافظات في البلاد منها ( جزيرة جفنا، مانار، ترينكومالي في الشمال). وفي الوسط (بوتالام، ماتالا، كاندي), وفي الجنوب( العاصمة كولومبو، جالي). ولكن أغلبيتهم في المنطقة الشرقية.
إنّ المسلمين في سريلانكا وخلال أكثر من ألف سنة من وجودهم في تلك البلاد، ظلّوا حتى بداية القرن العشرين على محيط دائرة العمل السياسي وليس في داخلها، إلى أن جاء عام 1948م ونالت الجزيرة استقلالها فبرز صوت المسلمين ودورهم.
ومع أن المسلمين يتمتعون بحرية دينية ولو جزئية في البلاد. وهم أحسن حالًا من المسلمين في الهند، حيث يتمتعون بحرية تامة في بناء المساجد والمدارس الإسلامية الخاصة، وهناك ستة وزراء مسلمين وأعضاء في البرلمان. وهناك وزارة للشؤون الإسلامية لرعاية المساجد إلا أن هناك مأساة كبرى يعيشها إخواننا المسلمين في سيريلانكا سنعرض لتفاصيلها في الحلقة القادمة إن شاء الله.
فإلى الملتقى إن قدر لنا اللقاء.