وفاة أمير إشبيلية المعتمد بن عباد

11 شوال 488هـ
مفكرة الاسلام: يعتبر عصر ملوك الطوائف بالأندلس (422هـ ـ 483هـ) من أزخر عصور الأندلس بالأحداث والوقائع والأمور المهمة الجسيمة على الرغم من قصر مدتها، ويعتبر هذا العهد من أسوأ عهود الأندلس، وفاتحة السقوط الحقيقي لدولة الإسلام في الأندلس، وكان ملوك وأمراء الطوائف هم أس البلاء وأصل الداء وسبب كل بلية ونكبة تعرضت لها الأندلس، وكانت التبعية الكبرى والمسئولية الحقيقية تقع على رأس كبير ملوك الطوائف ونجمهم المقدم المعتمد بن عباد ملك إشبيلية.
وُلد المعتمد محمد بن المعتضد بن عباد سنة 431هـ، وكان بنو عباد هم الذين تغلبوا على إشبيلية وما حولها وكونوا مملكة قوية تعتبر من أقوى ممالك الطوائف، وقد نشأ في نعيم وترف ودعة وسكون وتربى تربية ملوكية، فعينه أبوه «المعتضد» واليًا على مدينة «شلب» وهي تقع الآن في البرتغال، فلم ينشغل بأمور الولاية بل قضى أيامه في لهو ولعب وعربدة وإدمان خمر ونظم شعر، مما أورثه البطالة والانغماس في الشهوات، فكان ذلك أصل عطبه وسبب هلاكه.
تولى المعتمد حكم إشبيلية سنة 461هـ، بعد وفاة أبيه، فاتبع سياسة في منتهى السوء والفساد؛ حيث تفرغ لقتال جيرانه المسلمين من أصحاب الممالك المجاورة، والاستيلاء على أملاكه في حرب توسعية مدمرة ضد إخوانه في الدين والعروبة، فاستولى على مملكة قرطبة، وحارب الممالك البربرية الواقعة شرق وجنوب إشبيلية، وعلى الطرف الآخر اتبع المعتمد مع نصارى إسبانيا سياسة الخضوع والذلة والمهادنة حتى أنه كان يدفع الجزية لألفونسو السادس ملك قشتالة، وذلك على الرغم من أن المعتمد كان أقوى ملوك الطوائف وأكثرهم جندًا ومالاً، إلا إنه فضَّل مهادنة الإسبان، ومقاتلة المسلمين، حتى أنه وقف ساكنًا أمام استيلاء ألفونسو السادس على طليطلة في صفر سنة 478هـ، فباء بوزر هذه الكارثة العظمى.
ظل المعتمد سادرًا في غيه يحارب المسلمين ويسالم الصليبيين، حتى أفاق على كابوس سقوط طليطلة وأصبح ألفونسو السادس على حدوده، يرهقه بالمغارم والجزية المجحفة، حتى بدأ ألفونسو يفكر في غزو مملكة إشبيلية، وعندها أحس المعتمد بفداحة خطئه وجرائمه بحق إخوانه المسلمين، فأرسل للمرابطين يطلب منهم النصر، وقال كلمته الشهيرة التي قد تكون طوق نجاة له من حيث لا يدري: «والله لا يسمع عني أبدًا أني أعدت الأندلس دار كفر ولا تركتها للنصارى فتقوم اللعنة عليّ في الإسلام، حرز الجمال عندي والله خير من حرز الخنازير»، وبالفعل يشترك «المعتمد بن عباد» في معركة «الزلاقة» مع المرابطين، ويومها قاتل المعتمد قتال الأبطال، وأثخن بالجراح وهو يقاتل مثل الأسود، وكان يوم الزلاقة هو أعظم يوم في حياة المعتمد بن عباد.
كان أمراء الطوائف والمعتمد كبيرهم متصفين بالضعف والميوعة ورقة الدين وضعف الالتزام بالشرع والحرص على الملك بأي صورة من الصور، وهذه الخصال النكدة، دفعت المعتمد لأن يتخوف من دخول المرابطين إلى الأندلس مرتين متتاليتين لنجدة أهلها، وهذا الوسواس الشرير جعل المعتمد يضع يده مرة أخرى بيد عدوه اللدود ألفونسو السادس، ويتفق معه على محاربة المرابطين، والفتك بحاميتهم التي تركوها بالأندلس بعد معركة الزلاقة، وعدَّ ذلك خيانة عظمى لا تعدلها خيانة من المعتمد أنست بطولاته يوم الزلاقة.
تأثر يوسف بن تاشفين أمير المرابطين من خيانة المعتمد بن عباد، واستفتى العلماء والفقهاء في أمره فأفتوا بوجوب قتاله وخلعه، فأرسل يوسف بن تاشفين جيوشًا جرارة يقودها أبرع قواده، وحاصرت هذه الجيوش مملكة إشبيلية، وحاول المعتمد بن عباد الاستغاثة بحليفه ألفونسو السادس، ولكن لم يفد ذلك في شيء، وانتصرت الجيوش المرابطية على جيش المعتمد، ووقع هو بالأسر، وحمل مكبولاً مخذولاً إلى بلاد المغرب، حيث وضع في غياهب السجون ووضعت الأغلال في يديه ورجليه وظل مسجونًا في الذل والمهانة حتى مات في 11 شوال سنة 488هـ، وقد أذكت محنته وما لاقاه في آخر أيامه وتبدل أيامه من العز والثراء والملك إلى الذل والفقر والأسر قريحة الشعراء الذين كانوا يجلون المعتمد لمكانته الشعرية، فأنشدوا في محنته أشعارًا رائعة أنست الناس الجناية الكبرى والخيانة العظمى التي قام بها المعتمد.