رحلة إلى قيرغيزستان (2)

في السطور التالية سنلقي الضوء على الكيفية التي وصل بها الإسلام إلى قيرغيزيا, ثم على قيرغيزيا الدولة الإسلامية التي عانت طويلًا تحت وطأة الحكم الروسي القيصري وصولًا لما آل إليه حال الإسلام والمسلمين الآن.
عرفت منطقة قيرعيزستان عند المسلمين بوادي فرغانة، ويشغل هذا الوادي وسط قيرغيزيا حاليًا، ويمثل دعامة التجمع السكاني والقلب الاقتصادي بقيرغيزيا، ووصول الإسلام إليها مرتبط بوصوله إلى وسط قارة آسيا حيث إقليم التركستان,وذلك في عهد الخلفاء الراشدين حيث كانت الحملات الإسلامية تهامش منطقة قيرغزيا.ووصل الإسلام هذا الإقليم بعد أن فتح المسلمون خراسان وقد انتشرت اللغة العربية مع انتشار الإسلام، وأصبحت اللغة الرسمية في دولة الخواقين .
بدأ الفتح الحقيقي لبلاد فرغانة (قيرغيزيا) في نهاية القرن الهجرى الأول، في أثناء الفتوح التي قام بها قتيبة بن مسلم، في الفترة بين سنتي 94، 96 هجرية، فلقد عبر خلالها نهر سيحون، ووصل إلى فرغانة، بل تجاوزها إلى كاشغر على حدود الصين.
وفي العصر الأموى، أيضًا اعتنق العديد من أهل المنطقة- الإسلام طواعيةً، في خلافة عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- وازداد انتشار الإسلام في عهد العباسيين لا سيما في العصر العباسي الثاني حينما أسلم "الخاقان ستوق بوغراط"، مؤسس دولة الخواقين الإسلامية بمنطقة التركستان، فأخذت هذه الدولة على عاتقها نشر الدعوة الإسلامية عبر المنطقة، وانتشرت اللغة العربية مع انتشار الإسلام، وأصبحت اللغة الرسمية في دولة الخواقين.
وإلى جانب هذا قام العديد من التجار بنشر الإسلام في منطقة فرغانة، فلقد كثرت تجارتهم بالإقليم؛ وذلك بسبب مرور طريق القوافل والذي عُرِفَ بطريق الحرير بوادي فرغانة، ومكث أحد الدعاة من هؤلاء التجار وهو (إسحاق ولى) اثنى عشر عامًا يدعو للإسلام بقيرغيزيا، وازداد الإسلام تمكينًا في عهد السلاجقة، وتعرَّض لفترةٍ من الجمود في بداية غزو المغول ثم تحولت الدعوة إلى مرحلة من الازدهار بعد إسلام ملوك المغول والتتار، فأخذ العديد من الخواقين المغول الدعوة على عاتقهم بعد إسلامهم، وهكذا ازدهرت الدعوة الإسلامية بقيرغيزيا قبل استيلاء روسيا القيصرية عليها وبدأت حقبة جديدة للقيرغيز تحت الحكم الروسي عام1866م.
وقد أدَّى الاحتلال الروسي لقيرغيزيا إلى تناقص عدد القيرغيز بسبب الثورات والهروب من البلاد والموت جوعًا وحرب الأبادة التي مارسها الروس ضد القيرغيز كما سبق وذكرنا ذلك من قبل.
ورغب الروس في توطين البدو حتى لا تستمر الحركات الثورية وحتى يسهل مراقبة السكان، وكان يطرد من الحزب الشيوعي الأعضاء من القيرغيز، ولو كانوا في أعلى المراتب، ومن أكثر الأنصار، والمتظاهرين بالتأييد للشيوعية بحجة أنهم لا يتوافقون مع النظم الجديدة، فقد طرد رئيس الوزراء "يوسوب عبد الرحمانوف" لأنه طالب بعدم تصدير الخبز قبل اكتفاء القيرغيز فاتهم بالخيانة، وكذلك اختفى عام 1937م في حركة التطهير "رزفيلوف"الذي نال شهرة واسعة في كل الاتحاد السوفيتي مدة ثلاثين عامًا، وكان عام 1922م مندوب نائب ستالين في منصب زعيم القوميات، ثمَّ شغل بعد ذلك منصب نائب رئيس وزراء جمهورية روسيا الاتحادية، ومن قبل قضى على "عبد الكريم صديقوف" حيث اتهم بإفساد المزارع الجماعية والكفاح المسلح ضد النظام السوفيتي.
في ظل الحكم الروسي الملحد قامت السياسة الروسية السوفيتية السابقة على مبدأ تحريم استخدام الحروف العربية في كتابة اللغة التركية، وهي الحروف التي استخدمها الأتراك منذ أن عرفوا الإسلام، وكانت لغتهم بحروفها العربية جامعة موحدة لهم.
وقد وجد الروس أن قيرغيزستان، وكل دول تركستان الغربية (تضم قيرغيزستان وأوزبكسان وفازاخسان وتركماتستان وطاجبكستان) منطقة واسعة ذات ثقافة إسلامية واحدة تتحدث لغة واحدة لها حروف ثابتة، وللقضاء على هذه الوحدة كوَّن الروس لجنة علمية مهمتها محددة في قطع العلاقات الثقافية بين المسلمين في هذه المنطقة وبين الإسلام نفسه، واتخذت هذه الجنة توصيات قالت فيها إنَّ السبيل الأساسي هو تقسيم منطقة تركستان الغربية إلى شعوب، وجعل كل لهجة من لهجات اللغة التركية "لغة مستقلة" لها حروفها المستقلة ونحوها وصرفها، ولم تجد احتجاجات المسلمين ومؤتمراتهم العلمية التي دافعوا فيها عن الحرف العربي ووحدة لغتهم، وتمَّ للروس ما أرادوا.
وبدأت الإدارة الروسية منذ عام 1928م بتطبيق عملية اغتيال الحرف العربي بين دول تركستان الغربية، وهذا الحرف هو مفتاح ثقافتهم الإسلامية وعلوم الإسلام وأحلوا محله أبجدية لاتينية بها بعض الحروف الروسية ، وراعت الإدارة الروسية عند الأخذ بالحروف اللاتينية ضرورة اختلاف بعض أشكال الحروف مع كل لهجة محلية إمعانًا في توسيع الفجوة بين دول آسيا الوسطى الإسلامية، وأراد السوفييت من وراء ذلك تحقيق عدة أهداف، منها:
• قطع كل صلة بين تركستان ومنهم القيرغيز وبين الإسلام.
• قطع الصلات بين القيرغيز وبين الثقافة الإسلامية.
• قطع الارتباط بين القيرغيز وبين الشعوب الإسلامية المجاورة داخل الاتحاد السوفيتي السابق أو خارجه. وقد أدى طمس اللغة العربية إلى قطع صلة جيل العشرينيات من المسلمين بالإسلام.
واعتبرأحد العلماء السوفيت إن من أهم الإنجازات التى وصلت إليها شعوب الاتحاد السوفيتي ثقافيًّا هو اتخاذ الشعوب السوفيتية غير الروسية لنظام الخط الروسي في الكتابة.وقال:" وأنَّ الحروف الروسية ستعمل على تطوير اللغات المحلية (بقصد لهجات دول آسيا الوسطى الإسلامية)، وفي الوقت نفسه تساعد هذه الشعوب على سرعة تعلم اللغة الروسية، وبالتالي يعمل الحرف الروسي عمله في سرعة تذويب هذه الشعوب غير الروسية، وخضوعها للثقافة الروسية وتأثيراتها بشكل واضح".
ليس هذا فقط بل تمَّ حذف كل المصطلحات العربية من اللغة التركية، وهي كثيرة بحكم ارتباط الأتراك وغيرهم بالإسلام واستبدال ذلك بكلمات روسية، وملء هذا الفراغ باصطلاحات روسية خاصة التكنيكية منها والسياسية والأدبية وغيرها.
بل أن نظام التعليم السوفيتي قام باقتلاع مسلمي قيرغيزيا من الإسلام، وبالفعل منع التعليم الديني بكافة صورة وأشكاله، بل حرَّم الإسلام وجرَّم المؤمنين به، وقد نسى مسلمو قيرغيزيا العبادة وجهلوا دينهم الذي حرَّم السوفييتى عليهم أن يتعلموه وأن يُعلموه، ومع أن الطفل القيرغيزي- منذ قيام الثورة الشيوعية- كان يتلقي في المدارس والجامعات والنوادي والاجتماعات الإيمان بالماركسية وأدعيائها من الملاحدة ة إلا أن هذا النظام التعليم الروسي الحاقد لم يستطع أن يقتلع من النفوس، ومن القلوب الإيمان بالله و برسوله صلى الله عليه وسلم- فكان الآباء والأمهات يغرسون ويرسخون الإيمان في الأولاد,ويعلمونهم أنَّ إسلامهم أعظم من كل دعاوى الماركسية.
وقد كان القيرغيز يمارسون حياتهم الإيمانية في إطار العهد السوفيتي .في بعض الأماكن خفية،فقد كان المسلمون يقومون في بعض البيوت بحفظ وتحفيظ القرآن سرًا بحيث لا يعلم عن ذلك الشيوعيون شيئالأن الشيوعيين كانوا يمنعون الصلاة والصوم وحفظ القران وكانوا يتركون فقط العجائز والشيوخ والمرضى للصلاة،وقد حولوا جميع المساجد إلى أماكن لتخزين الحبوب والحيوانات حيث كانوا يربون جميع أنواع الحيوانات في المساجد، ولم يتركوا أي كتاب يمت للإسلام بصلة.وما بقي من الإسلام هو فقط ما كان يتمثل في مظاهر لا تمثل كل أو بعض الإسلام،وباختصار شديد كان الإسلام يعني فقط صلاة الجنازة وطقوس المولود الجديد فقط، أي إن المرء يبدأ رحلة إسلامه بعد موته.
وبعد الاستقلال عام 1991م بأربعة عشر عامًا انتفض المسلمون في قيرغيزستان باتجاه الديمقراطية ليطيحوا بعسكر عكاييف الرئيس الذي اعتلى السلطة منذ الاستقلال حتى فبراير2005م اُعيد انتخابه في انتخاباتٍ شهد الجميع بتزويرها إلا أنَّ هذا لم يدم طويلًا حتى فرَّ هاربًا إلى موسكو ليقضي بقية عمره لاجئًا هناك.
ثم انضمت قيرغيزستان إلى دول الكومنولث الاتحادي مع بقية دول آسيا الإسلامية، وكذلك انضمت إلى الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومارست دورها بحرية واستقلال، وتعاونت مع جيرانها من الدول الإسلامية في آسيا الوسطى (تركستان الغربية).
وبدأت قيرغيزستان تتجه نحو الشعوب الإسلامية لا سيما وأنَّ هناك روحًا إسلاميةً بدأت تسري بين السكان الذين أحسُّوا باستقلالهم وكرامتهم، فبدأ الإسلام يلبس ثوبه من جديد، وبدأت روح القرآن تعود وتظهر بافتتاح المساجد -بعد أن كان نقص عدد هاحتى وصل إلى (23) مسجدًا في ظل الحكم الروسي- وإقامة الصلاة وقراءة القرآن، وانتشار المدارس والمعاهد الإسلامية وفتح الطرق الواسعة لأداء فريضة الحج والزيارات المتبادلة مع جيرانها من دول العالم الإسلامي، وإرسال الطلاب للدراسة الجامعية العربية والإسلامية، والاهتمام بالدين الإسلامي وتدريسه.
أما عن القوى الإسلامية فقد كان دورها في قيرغيزستان محدودًا للغاية؛ حيث يسود الإسلام الصوفي، ويرجع ذلك إلى وجود الطريقة الصوفية المرادية في قيرغيزيا في القرن السادس عشر الميلادى، وهذه الطريقة موجودة حتى الآن، أما القوى الإسلامية التي يمثلها حزب النهضة فإنَّ وجودها ظل محدودًا، وهو ما أكده تقرير أمني روسي، ويضم حزب النهضة تركيبة من الأوزبك والطاجيك وغيره.
اتنهى لقاؤنا اليوم ونعدكم باستكمال الحديث حول مسيرة الإسلام والمسلمين في حلقتنا القادمة إن أحيانا الله