تاريخ الحروب الدينية المعاصرة (4)
الفصل الثاني
الاحتلال الفرنسي والإسباني للمغرب
شريف عبد العزيز
مفكرة الإسلام : لبلاد المغرب الأقصى وضعية خاصة على مر التاريخ؛ فلقد كانت تمثل منتهى حدود الدولة الإسلامية غربًا؛ مما جعلها في موقف الرباط الدائم مع العدو الأوروبي المتربص والمتحفز للوثوب على العالم الإسلامي، ولقد تعاقبت الدول والممالك الإسلامية المختلفة على حكم هذه البلاد الإستراتيجية، والتي كانت أولاً إحدى أقاليم الخلافة الأموية ثم العباسية.. وابتداءً من سنة 172هـ خرجت من عباءة الخلافة العباسية، وقامت بها دولة الأدارسة التي ظلت قائمة حتى سنة 375هـ، ثم خضعت بعدها لدولة المرابطين، ثم دولة الموحدين، ولما سقطت دولة الإسلام في الأندلس كانت بلاد المغرب تحت حكم بني وطاس، الذين لم يكونوا على مستوى الأحداث الجسيمة التي كانت تتمخض بها المنطقة بأسرها، فبدأت بلاد المغرب تتعرض لسلسلة متواصلة من الحملات الصليبية المتتابعة من إسبانيا تارة ومن البرتغال تارة، ومن إنجلترا وفرنسا وحتى ألمانيا، وأصبحت البلاد مثل الفريسة السهلة التي يتصارع عليها وحوش الغابة.
* بلاد المغرب والدولة العثمانية:
كانت بلاد المغرب تحت حكم بني وطاس منذ سنة 823هـ، ولما سقطت الأندلس وثب نصارى الأندلس ـ الإسبان والبرتغاليون ـ على سواحل المغرب، واحتلوا العديد من مدنها وموانيها، ولم يجرؤ بنو طاس على منازلة البرتغاليين، وعظم ذلك على مسلمي المغرب، وأظهر البرتغاليون صليبيتهم المشهورة، وأحرقوا القرى وقتلوا السكان، وتشفوا غاية التشفي بالمسلمين؛ فلقد كانت قلوبهم مشحونة بأحقاد قرون ثمانية حكم فيها المسلمون بلادهم، وجاءتهم الفرصة للانتقام؛ فأطلقوا العنان لرغباتهم وأحقادهم ونزواتهم الحيوانية.
ثار المسلمون على حكم بني وطاس الضعيف الخانع؛ فسقطت دولتهم وجاء من بعدهم السعديون، وذلك سنة 955هـ، وحققوا انتصارات متتالية على البرتغاليين؛ وذلك بفضل الله عز وجل أولاً، ثم بفضل مساعدة الدولة العثمانية وسلطانها آنذاك «سليمان القانوني»، الذي كان يرى في بلاد المغرب جبهة متقدمة في القتال مع الدول الأوروبية الصليبية.
استغل الصليبيون المخاوف الموجودة لدى سلاطين السعديين من التوسع العثماني في الشمال الإفريقي، وعملوا على تذكية هذه المخاوف وتضخيمها بالشائعات والأكاذيب عن نية العثمانيين في احتلال المغرب؛ حيث لم يبقَ من الشمال الإفريقي كله سوى بلادهم، وعملت المخابرات البرتغالية والإسبانية على تزوير المكاتبات والرسائل المفتعلة بين العثمانيين وزعماء الأندلسيين المقيمين بالمغرب منذ سقوط دولتهم، والذين كانوا يحلمون بانضمام المغرب للدولة العثمانية حتى يعودوا إلى الأندلس مرة أخرى، ومع استيلاء حسن بن خير الدين والي الجزائر على تلمسان تأكدت المخاوف لدى سلاطين المغرب، ووقعت العداوة واستحكمت الخصومة وشُحن المغاربة كراهية ضد العثمانيين، وفرح الصليبيون بذلك، وأخذ سلاطين المغرب في الاستعانة بالصليبيين ضد إخوانهم العثمانيين، وقابل العثمانيون ذلك بالتحضير لعمل كبير ضد هذا التحالف المشبوه.
وقع الخلاف بين أفراد الأسرة السعدية الحاكمة بالمغرب أيام السلطان محمد المتوكل على الله سنة 985هـ؛ مما جعل أبناء أخيه يطلبون العون من العثمانيين فأمدوه بجيش كبير، وطلب محمد المتوكل المساعدة من الصليبيين فجاءه تحالف صليبي كبير من عدة دول أوروبية، من إسبانيا والبرتغال والألمان والطليان والهولنديين، ووقعت معركة وادي المخازن الشهيرة سنة 986هـ، ولكن ما لبثت أن ساءت العلاقة بين العثمانيين والمغاربة مرة أخرى، وانصرف العثمانيون عن اهتمامهم بالمغرب، وركزوا على تأمين الحدود الجزائرية المغربية لمنع النفوذ الأوروبي من التوغل في الشمال الإفريقي.
* التدخل الصليبي في المغرب:
كان لانصراف العثمانيين عن المغرب أثر كبير في زيادة النفوذ الأوروبي الصليبي بالمغرب، وأسهم الصراع على السلطة بين أفراد الأسرة السعدية في زيادة هذا النفوذ، وأسرف بعض سلاطين المغرب في الاستعانة بالصليبيين ضد خصومه، حتى إن السلطان المأمون بن المنصور قد أعطى الإسبان الصليبيين ميناء (العرائش)، وفضح لهم أمر الأندلسيين الذين اتفقوا مع الجزائريين للقيام بحركة ضد الإسبان وإعادة المسلمين إلى الأندلس؛ مما جعل الإسبان يقضون على من بقي من المسلمين في الأندلس، وقد أدت هذه الخيانة الشنيعة إلى أن يثور المغاربة على سلطانهم ويقتلونه سنة 1022هـ.
أخذ شأن السعديين يضمحل بسبب خيانتهم للمسلمين وعمالتهم للصليبيين، حتى زالت دولتهم سنة 1050هـ، وحلت مكانهم أسرة الأشراف العلويين الذين ينسبون أنفسهم لآل البيت، ولكنهم وجدوا منافسة شديدة من القبائل المغربية؛ مما جعل سلاطين هذه الدولة يقضون الشطر الأول من دولتهم في صراع مستمر وحروب شديدة في الداخل والخارج، ودخلوا حروبًا طاحنة مع الجزائريين والعثمانيين، خاصة أيام السلطان إسماعيل بن محمد الشريف [1082هـ ـ 1139هـ] الذي تعرض لعدة محاولات لاغتياله، وعمت الفوضى المدن المغربية بعد وفاة إسماعيل لاختلاف أبنائه فيما بينهم، وفي أتون هذه الفوضى الشاملة استولى الصليبيون على الكثير من سواحل المغرب، ولم يكن من سلاطين هذه الدولة من يصلح لهذا المنصب الهام لهذه الدولة صاحبة الموقع الاستراتيجي الخطير سوى عدد قليل لا يتجاوز عد أصابع اليد الواحدة، وكثير منهم فتح البلاد على مصراعيها للنفوذ الأجنبي في شكل امتيازات ومعاهدات وموانئ مفتوحة ومناطق حرة؛ وهكذا أصبح الوضع داخل المغرب مثل الفسيفساء المتشابكة بالصراعات الأوروبية على كعكة المغرب الشهية والسهلة، ومع ذلك كله ظلت البلاد ظاهريًا تحت حكم سلاطين الأشراف العلويين الذين انصرف بعضهم لإعمار البلاد والبعض الآخر في اللهو واللعب، وظلت البلاد ظاهرها الاستقلال وباطنها الاحتلال متعدد الجنسيات.
* الاحتلال الفرنسي الإسباني المشترك للمغرب:
يعتبر الصراع الدائم والمتوارث على الحكم بين أفراد أسرة السعديين، ثم أفراد أسرة الأشراف العلويين هو السبب الرئيس في سقوط بلاد المغرب تحت الاحتلال الصليبي متعدد الجنسيات، فضلاً عن الأحقاد الصليبية التي لا تنتهي أبدًا ضد العالم الإسلامي، والتي لا تخبو نارها عبر القرون بل تزيد وتأجج، وتدفع أصحابها في كل عصر إلى الوثوب على العالم الإسلامي متى سنحت الفرصة.
كانت بدايات الاحتلال الحقيقي للبلاد في عهد السلطان محمد الرابع [1276هـ ـ 1290هـ]؛ عندما احتل الإسبان مدينة (تطوان) فأرسل السلطان جيشًا لقتالهم فهزم أمام الإسبان، واضطر السلطان لدفع مبلغ عشرين مليون ريال للإسبان للخروج من تطوان، وقد أدت هذه الحادثة لسقوط هيبة المسلمين المغاربة أمام عدوهم الصليبي، وارتماء بعض سلاطين المغرب في أحضان بعض الصليبيين ليحمونهم من صليبيين آخرين؛ فحالفوا فرنسا ضد إسبانيا، ثم إنجلترا ضد فرنسا، ثم ألمانيا ضد فرنسا وإسبانيا، وهكذا، وقد غفل هؤلاء السلاطين أن كل هؤلاء الأعداء تجمعهم المصالح المشتركة ووحدة العقيدة، ومهما اختلفوا فهم في النهاية متحدون على المسلمين.
في أيام السلطان عبد العزيز بن الحسن [1311هـ ـ 1325هـ] ازداد النفوذ الفرنسي داخل المغرب بسبب توسع السلطان في الاقتراض من البنوك الفرنسية والهولندية، وقامت حركات مقاومة ضد السلطان والتغلغل الصليبي في البلاد، فأسرعت فرنسا وإسبانيا واتفقتا على اقتسام الغنيمة المغربية الثمينة؛ فأخذت فرنسا ما أصبح بعد ذلك (موريتانيا)، وأخذت إسبانيا الصحراء المغربية، وأُجبر السلطان المنهوك بالديون الطائلة لقبول الوضع القائم وذلك سنة 1319هـ، ولقد اشتد غضب المغاربة على هذا السلطان الخانع وأطلقوا عليه «عبد الأجانب»؛ وقامت العديد من الثورات ضده؛ فحاول السلطان عبد العزيز تحجيم النفوذ الفرنسي والإسباني بالتقرب إلى ألمانيا، فأحبطت فرنسا الخطة بإعطاء أجزاء من الكاميرون لألمانيا ترضية لها، ثم حاول السلطان عرض القضية المغربية في المحافل الدولية، وعقد مؤتمر الجزيرة سنة 1323هـ ـ 1906م، وقد انتهى هذا المؤتمر بمزيد من تكريس النفوذ الفرنسي والإسباني في المغرب، وأخيرًا غضبت فرنسا على السلطان عبد العزيز بسبب محاولاته المتتالية استدراك أخطائه السابقة، وقبضت عليه ونفته خارج البلاد سنة 1325هـ، وخلفه أخوه عبد الحفيظ.
بايع المغاربة السلطان عبد الحفيظ بشروط منها تحرير المناطق المحتلة من المغرب، وإلغاء الامتيازات الأجنبية، وألا يستشير الأجانب أو يعقد معهم معاهدات إلا بعد استشارة أهل البلاد، ولكنه ما لبث أن أخذ في مصانعة فرنسا حتى لا يلقى مصير أخيه عبد العزيز؛ فثارت عليه القبائل وبايعوا أخاه «زين» وكان واليًا على مكناس؛ فاستنجد عبد الحفيظ بفرنسا التي أسرعت بجيش كبير وقضت على ثورة أخيه زين، وكلما تكررت الثورة كلما جاءت فرنسا بقوات كبيرة لمساعدة عميلها ورجلها المخلص، وفي كل مرة تظل القوات الفرنسية بالمغرب ولا تغادرها، حتى أصبح لدى الفرنسيين قوات ضخمة بالمغرب مكنتها من احتلال فاس سنة 1329هـ، ثم احتلال مكناس والرباط، ثم فرضت فرنسا على السلطان عبد الحفيظ معاهدة الحماية في سنة 1330هـ ـ 1912م، وكان ذلك بمثابة الإعلان الرسمي عن احتلال فرنسا للمغرب، واضطر عبد الحفيظ لأن ينزل عن الحكم لأخيه يوسف في رمضان سنة 1330هـ؛ لتبدأ بعدها فصول الجهاد الشامل والمقاومة الإسلامية الباسلة ضد الاحتلال الإسباني الفرنسي المشترك للمغرب.
* السياسة الصليبية للاحتلال في المغرب:
قامت الحرب العالمية الأولى والمجاهدون المغاربة يقاومون الاحتلال الفرنسي والإسباني في جبل الأطلس والريف ومنطقة (تافيللت)، ومع انتهاء الحرب وسقوط الخلافة العثمانية أصبحت بلاد المغرب كلها تحت الاحتلال الصليبي المشترك بالتقسيم الآتي:
1ـ مراكش: تحت الاحتلال الفرنسي.
2ـ موريتانيا: تحت الاحتلال الفرنسي.
3ـ بلاد الريف: تحت الاحتلال الإسباني.
4ـ الصحراء المغربية: تحت الاحتلال الإسباني.
5ـ طنجة: لها وضع دولي.
6ـ إيفني: تحت الاحتلال الإسباني.
وهذا التقاسم الصليبي للتركة المغربية صعَّب من مهمة المجاهدين؛ إذ كان عليهم أن يواجهوا دولتين كبيرتين شديدة العداوة والكراهية للإسلام والمسلمين.
ومنذ أن دخلت فرنسا الصليبية البلاد وضعت نصب أعينها أن تحكم سيطرتها على البلاد بأقل تكلفة، وتتلافى الأخطاء التي وقعت فيها بالجزائر، والتي كلفتها ثمنًا باهظًا، واتبعت في ذلك السياسة الاستعمارية للإنجليز، وهي سياسة [فرق تسد]، فعملت فرنسا على التفرقة بين العرب والبربر، وهما عنصرا الشعب المغربي، وكانت نسبة البربر 45% من مجموع السكان، ويتركزون في منطقة الريف والجبال، وكانوا وقود المقاومة في بادئ الأمر، فعمل الفرنسيون على التركيز على مناطقهم فأصدروا مرسوم الظهير البربري الشهير سنة 1333هـ ـ 1914م، وفيه أعفت البربر من تطبيق الشريعة الإسلامية ومن دراسة اللغة العربية، وأعطتهم حق التقاضي فيما بينهم حسب العادات والأعراف الجاهلية القديمة للبربر، ثم أصدرت مرسومًا آخر سنة 1340هـ، ألغت فيه نظام المواريث في الإسلام على البربر، ثم أصدرت مرسومًا ثالثًا سنة 1348هـ، والمراسيم الثلاث كلها كانت تهدف لتفتيت الوحدة الإسلامية للمغاربة بإثارة النعرات القبلية والعرقية، ولقد تنبه المغاربة لهذه السياسة الصليبية الخبيثة؛ فانطلقت المظاهرات المنددة بهذه المراسيم، وكانت أعنفها ما خرج من جامع القرويين بمدينة (فاس)، وتعدى التنديد إلى العالم الإسلامي بأسره، وشجب المؤتمر الإسلامي الذي عقد في القدس عام 1350هـ هذه السياسة الصليبية للاحتلال الفرنسي.
للحديث بقية....