تاريخ الحروب الدينية المعاصرة (6)
الفصل الثالث
الاحتلال الإيطالي لليبيا
شريف عبد العزيز
مفكرة الإسلام : يعتبر الشمال الإفريقي من مصر شرقًا إلى المغرب الأقصى غربًا من البقاع الإستراتيجية في العالم قديمًا وحديثًا؛ وذلك لموقعه الجغرافي الفريد، والذي جعله في حالة مرابطة دائمة في قبالة العدو الأوروبي المتربص بالأمة في الضفة الأخرى للبحر المتوسط، وأصبحت هذه البلاد ـ مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب ـ والتي تشكل دول الشمال الإفريقي، ميادين قتال مفتوحة بين العالمين الإسلامي والصليبي، وجبهة متقدمة في الصراع الخالد بين الإسلام وأعدائه.
لذلك لا نجد استغرابًا أو عجبًا من تعاقب الحملات الصليبية على هذه البلاد، ووقوعها جميعًا وبلا استثناء فريسة للاحتلال الأوروبي الصليبي؛ وذلك لفترة طويلة من الحقبة المعاصرة للتاريخ البشري، وكان لسقوط دولة الإسلام في الأندلس ثم الضعف الشديد الذي ضرب جنبات الدولة العثمانية العريقة أثر كبير في تأجيج حدة الصراع بالمنطقة وتسريع عملية الوثوب الصليبي على العالم الإسلامي عمومًا والشمال الإفريقي خصوصًا، فبعد السقوط والضعف جاء دور الحروب الصليبية المرعبة، والتي دارت واحدة من أبشع فصولها على أرض ليبيا الطاهرة.
* ليبيا والدولة العثمانية:
كانت بلاد ليبيا بعيدة نسبيًا عن المخاطر، آمنة مستقرة، يغلب على أهلها السذاجة والمسالمة، لا يعرفون مكرًا ولا ختلاً، ولا يحسنون كيدًا ولا حربًا، وكان القائد الإسباني الشهير «فيليب دوريا» أول الصليبين اكتشافًا لهذه الطبيعة المسالمة للشعب الليبي، وأثناء زيارته التجارية لمدينة طرابلس الليبية انقض على المدينة واحتلها غدرًا، ولم يخرج منها حتى دفع له أمير مدينة قابس مبلغًا كبيرًا من المال، وكانت منطقة برقة وما حولها تابعة لدولة المماليك، في حين كانت طرابلس وفزان تابعة للدولة الحفصية في تونس.
احتل فرسان مالطة ـ وهم بقايا الصليبيين الذين خرجوا من الشام بعد تطهيره من الوجود الصليبي ـ منطقة برقة سنة 916هـ، ولكن المماليك استعادوها بسرعة، وفي نفس السنة 916هـ احتل الإسبان بقيادة «بترونافار» مدينة طرابلس وذبحوا السكان، وفي سنة 936هـ قرر «شارلكان» إمبراطور إسبانيا التنازل عن طرابلس لجماعة فرسان مالطة مقابل مساعدتهم للصليبيين في الأعمال البحرية ضد العثمانيين، وقد ظل صليبو فرسان مالطة في طرابلس حتى سنة 958هـ.
بعد سقوط دولة المماليك سنة 923هـ أصبحت ليبيا تابعة للدولة العثمانية؛ فأخذ العثمانيون على عاتقهم قضية طرد الصليبيين من طرابلس وسائر سواحل ليبيا والمغرب العربي كله، وبالفعل بعد معارك بحرية وبرية شرسة مع الإسبان استطاع القائد العثماني القدير «سنان باشا»، والقائد البحري الفذ «طرغول» تحرير طرابلس سنة 958هـ، وبعدها أصبح كامل التراب الليبي محررًا من الوجود الصليبي البغيض.
* ليبيا والأطماع الإيطالية:
أخذ الضعف يدب في أوصال الدولة العثمانية، وشعر الصليبيون بذلك؛ فأخذوا في الانقضاض على أطرافها شيئًا فشيئًا، ومع زيادة الضعف والوهن زادت حركة الهجوم والاحتلال الصليبي لأقاليم الدولة العثمانية في الشمال الإفريقي، وجاء احتلال فرنسا للجزائر سنة 1246هـ لتطلق كل المخاوف والمحاذير من حملات صليبية جديدة على العالم الإسلامي؛ فأخذت الدولة العثمانية في إثارة الحمية الإسلامية لدى سكان أقاليمها وإعلان الرابطة والجامعة الإسلامية بينهم، وتحذير الناس من خطر الصليبيين ومكائدهم، كما عملت على تحسين الظروف المعيشية للسكان بخفض الضرائب وإدخال المشروعات.
لم تمنع هذه الإجراءات العثمانية من وقوع مصر والسودان وتونس والجزائر في قبضة الاحتلال الصليبي الأوروبي، وبقيت ليبيا في الوسط محط أنظار وأطماع الدول الأوروبية، وشعرت الدولة العثمانية بذلك، كما شعرت أنها لن تستطيع الدفاع عنها فعملت على تقوية الداخل الليبي؛ فنقلت بعض العائلات الكردية وأسكنتها في منطقة (سرتة)، كما أسكنت مسلمي جزيرة كريت بعد أن تعرضوا لتطهير عرقي بشع من الصليبيين بعد سقوطها سنة 1316هـ في منطقة برقة، كما فكرت أيضًا في إسكان اليهود في ليبيا في منطقة الجبل الأخضر، وكان اليهود وبالاً على ليبيا وأهلها فلقد ساعدوا الطليان على احتلال البلاد وارتكاب أبشع الجرائم والأعمال الوحشية بحق المسلمين هناك.
* مقدمات الاحتلال الإيطالي:
احتلت فرنسا تونس فشعر الطليان بخيبة أمل كبيرة من فوات اقتناصها، فتوجهوا إلى سواحل إفريقيا الشرقية لتعويض خسائرهم في تونس، ولكنهم هزموا أمام الأحباش في معركة «عدوة» سنة 1313هـ؛ وبالتالي لم يبقَ لهم سوى ليبيا، فجعلوا جل تركيزهم في كيفية الاستيلاء عليها واحتلالها.
اتبعت إيطاليا سياسة خبيثة في احتلالها لليبيا تقوم على التغلغل البطيء داخل البلد، وإحكام السيطرة الاقتصادية والمخابراتية عليها قبل العدوان العسكري والحربي، وجعلت لاحتلالها مقدمات مهدت بها لوطء التراب الليبي والاستيلاء عليه.
افتتحت إيطاليا فرعًا لبنك دي روما في طرابلس وبرقة، وأخذ هذا البنك في تسهيل إقراض المزارعين وبأية مبالغ يحتاجونها؛ وذلك نظير رهن أراضيهم، وقامت في نفس الوقت بتوزيع بذور وأسمدة فاسدة على المزارعين؛ مما أدى لتعذر المزارعين في السداد لبوار محاصيلهم؛ وبالتالي أخذ البنك يستولي على الأراضي شيئًا فشيئًا، ثم يقوم البنك بعد ذلك ببيعها بأبخس الأثمان للمستوطنين الطليان في ليبيا؛ فحدث خلل كبير في توزيع الثروات بين الليبيين والإيطاليين.
أنشأت إيطاليا مكتبًا للبريد والبرق في بنغازي كان وكرًا للتجسس، ونقل الأخبار والتقارير أولاً بأول دون رقابة، وأرسلوا العديد من البعثات الاستكشافية تحت غطاء البحث العلمي والكشوف الجغرافية والتنجيم عن المعادن، والهدف الحقيقي لذلك كله هو مسح البلاد ووضع الخرائط العسكرية، التي ستسير عليها الحملات العسكرية عند غزو البلاد.
توسعت إيطاليا في بناء المدارس والمشافي والمعاهد التعليمية من أجل أغراض نشر الثقافة الإيطالية والتنصير بين أبناء البلد، وتساهلت في دخول الليبيين هذه المؤسسات لكسب الشعبية بين الناس، وأخذت البعثات التنصيرية الكاثوليكية تنهال على ليبيا خاصة في طرابلس والسواحل.
بجانب هذه المقدمات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، سلكت إيطاليا مسلكًا سياسيًا دوليًا لضمان سكوت قوى الاستعمار العالمية عن احتلال إيطاليا، فاتفقت مع فرنسا وإنجلترا على ذلك، وتم تنسيق المواقف في مؤتمر الجزيرة سنة 1324هـ، واستعدت إيطاليا للهجوم على ليبيا في المناسبة الملائمة، وكادت أن تفعل ذلك سنة 1326هـ، لولا مسارعة الدولة العثمانية بإرسال جيش قوي أجبر الطليان على تأجيل الحرب.
* الحملة الصليبية الإيطالية على ليبيا:
أصبح الطريق ممهدًا أمام الطليان لاحتلال ليبيا بعد الإطاحة بالسلطان عبد الحميد الثاني؛ فأرسلت إنذارًا للدولة العثمانية في 4 شوال سنة 1329هـ ـ 27 سبتمبر 1911م تدعي فيه سوء معاملة النظام في ليبيا للجالية الإيطالية واضطهادهم، وكانت مدة الإنذار 24 ساعة فقط، ولو فرضنا أن الدعوى صحيحة، فكيف تستطيع الدولة رفع المظالم في يوم واحد؛ مما يوضح تبييت نية الطليان لغزو إيطاليا لليبيا.
حاولت الدولة العثمانية عبثًا وقف هذا الاحتلال الظالم، واتصلت بالدول الأوروبية لوقف إيطاليا عن حربها؛ فلم تجد آذانًا مصغية، فلم تكن تعرف أنه أمر قد بُيّت بليل، وتشاور فيه من قبل في أروقة مؤتمرات التآمر والكيد للعالم الإسلامي.
في 7 شوال سنة 1329هـ ـ 30 سبتمبر 1911م بدأ الأسطول الإيطالي في قصف المدن الليبية؛ فقُصف (درنة) ثم (طرابلس) و(بنغازي)، ونزلت الجيوش الإيطالية السواحل الليبية بثلاثمائة وأربعين ألف مقاتل وكميات ضخمة من الأسلحة والذخائر، في حين كانت الحامية العثمانية تقدر بخمسة آلاف جندي في طرابلس وألفين في برقة، ضعيفة التسليح، قليلة التجهيز.
أرسلت الدولة العثمانية جيشًا لمساعدة الليبيين ضد الصليبيين الطليان؛ فردت إيطاليا بتوسيع نطاق الحرب لتجبر العثمانيين على ترك ليبيا لشأنها وحدها وتسحب جيشها؛ فاحتلت إيطاليا جزيرة (رودوس) والجزر الأخرى القريبة من الأناضول، وقصفت مدينة بيروت، وهددت مضيقيْ البوسفور والدردنيل، ودعمت ثورة نصارى البلقان ضد الدولة العثمانية.
دفعت هذه الخطوات الإيطالية ـ نحو توسيع الحرب الصليبية على العالم الإسلامي ـ الدولةَ العثمانية لطلب الصلح مع الطليان، وعقدت معهم معاهدة (أوشي) قرب لوزان بسويسرا في شوال سنة 1330هـ ـ 1912م، خرجت الدولة العثمانية بعدها من ليبيا وتركت الليبيين وحدهم في الميدان أمام جحافل الطليان المشحونين بحقد صليبي حالك السواد؛ لتبدأ بعدها فصول رائعة من ضروب البطولة والجهاد الإسلامي الخالص ضد الاحتلال الصليبي الإيطالي.
للحديث بقية....