مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

تاريخ الحروب الدينية المعاصرة (8)

13 دقيقة قراءة نسخة أرشيفية

الفصل الرابع

الاحتلال البرتغالي لجنوب الخليج

شريف عبد العزيز

[email protected]

مفكرة الإسلام : فتح المسلمون شبه الجزيرة الأيبيرية «أو الأندلس» سنة 92هـ، وأقاموا دولة عظيمة للإسلام هناك، وكانت منطقة غرب الأندلس ـ أو الغرب كما يسميه المسلمون ـ من أوائل ما فتحه المسلمون بالأندلس، وكانت تلك المنطقة فقيرة نوعًا ما عن باقي الأندلس، لذلك لم يهتم بها المسلمون كثيرًا، وحدثت في المنطقة مجاعة سنة 123هـ دفعت كثيرًا من القبائل البربرية المسلمة للرحيل منها، فجاءت جماعات نصرانية وحلت محل المسلمين وأسسوا إمارة صليبية في شمال غرب الأندلس، وهي الإمارة التي أصبحت بعد ذلك مملكة البرتغال صاحبة التاريخ الطويل في محاربة المسلمين.

* البرتغال وكرسي البابوية:

ترجع مملكة البرتغال من حيث رقعتها الإقليمية، أو من حيث أرومتها الملكية إلى أصول متواضعة، فولاية لوزيتانيا في الشمال الغربي لشبه الجزيرة الأيبرية تمثل نواة هذه المملكة، وكان لأهلها سمات وخصائص يتميزون بها عن الإسبان بقية سكان الجزيرة، وهذه الولاية بعد الفتح الإسلامي وما حدث بعد ذلك من هجرة المسلمين من شمال الولاية إلى جنوبها بسبب المجاعة، انقسمت لشطرين: شمالي بيد النصارى من أهل لوزيتانيا، وجنوبي بيد المسلمين الذين أطلقوا عليها اسم ولاية الغرب الأندلسية.

ولما قامت دولة ملوك الطوائف قامت بها مملكة بني الأفطس، وقد أخذ نصارى الشمال في التوسع جنوبًا على حساب مسلمي الجنوب شيئًا فشيئًا، حتى استطاع فرناندو الأول ملك إسبانيا النصرانية من فتح معظم قواعد المسلمين وآخرها مدينة قلمرية سنة 456هـ، وجعل من هذه المنطقة ولاية مستقلة باسم «البرتغال» بالاشتقاق من اسم «بورتوكالي».

كان أهل هذه الولاية يتوقون للاستقلال عن الإسبان، وحاولوا ذلك عدة مرات، ولكنهم فشلوا حتى ظهرت شخصية الأمير ألفونسو هنريكيز وهو من سلالة ملوك قشتالة ـ إسبانيا القديمة ـ وأمه كانت ملكة على البرتغال، وجده هو أشهر ملوك إسبانيا ألفونسو السادس، الذي هزمه المرابطون في معركة الزلاقة الشهيرة سنة 479هـ، أصبح ألفونسو هنريكيز أميرًا على البرتغال سنة 522هـ، وقد وضع نصب عينيه هدفًا مقدسًا، وهو قيام مملكة مستقلة للبرتغال، وخاض من أجل ذلك الهدف معارك شرسة مع خصومه الإسبان، ولما شعر ألفونسو هنريكيز أنه لن يقوى على مقاتلة الإسبان وحده قرر اللجوء إلى كرسي البابوية وطلب من البابا التدخل لدى الإسبان حتى تنال البرتغال استقلالها، وقدم من أجل ذلك كل فروض الطاعة والولاء للبابا، وتعهد أمامه بمحاربة مسلمي الأندلس ليل نهار، وفتح بلاده على مصراعيها للرهبان والقساوسة الكاثوليك لينشروا المذهب الكاثوليكي بها ويقضوا على الشعائر القوطية القديمة التي كان يتعبد بها أهل لوزيتانيا سابقًا.

وأمر هنريكيز بتشكيل فرق جماعات الفرسان الدينية على غرار جماعة فرسان المعبد والداوية المشهورة في الحملات الصليبية بالمشرق، وأبدى في ذلك حمية وغيرة صليبية كبيرة فاق بها كل معاصريه، وكرس كل حياته لمحاربة المسلمين من أجل ذلك ساعد كرسي البابوية البرتغاليين على الاستقلال عن الإسبان، وفي المقابل فتحت البرتغال سواحلها للحملات الصليبية القادمة من أوروبا الغربية إلى العالم الإسلامي بل استعان البرتغاليون بالصليبيين القادمين في معاركهم ضد مسلمي الأندلس مثلما حدث عندما استولى البرتغاليون على مدينة «شلَب» أهم القواعد الإسلامية الباقية في الغرب، وذلك بمعاونة القوات الصليبية المتجهة إلى المشرق سنة 585هـ.

ولذلك كله كانت علاقة البرتغال بكرسي البابوية شديدة التميز والمتانة ونفوذ البابا على البرتغاليين سيظل قائمًا وممتدًا عبر العصور، وسيظهر أثره جليًا بعد ذلك في الحملات الصليبية المشهورة التي شنها البرتغاليون على العالم الإسلامي.

* البرتغال وحركة الكشوف الجغرافية:

كان لسقوط دولة الإسلام في الأندلس سنة 897هـ أكبر الأثر في نقل ميادين القتال بين العالم الإسلامي والصليبي إلى قلب العالم الإسلامي وسواحله الواسعة والممتدة عبر قارات العالم القديم، ونظرًا لكون البرتغال دولة بحرية في المقام الأول، كانت أسبق من غيرها من دول أوروبا في ركوب البحر والإغارة على العالم الإسلامي وذلك حتى قبل سقوط الأندلس، وبوحي ومباركة من كرسي البابوية أطلقت البرتغال حملاتها الصليبية الشهيرة على العالم الإسلامي، والمعروفة تاريخيًا بحركة الكشوف الجغرافية، وذلك أيام ملك البرتغال هنري الثالث الملقب بهنري الملاح.

وكان الهدف الحقيقي من هذه الحركة هو نشر النصرانية في أرجاء المعمورة، والسيطرة على التجارة العالمية بهدف إضعاف المسلمين، وذلك الرأي ليس من عند أنفسنا أو قلناه بهوى وتعصب بل هو مأخوذ من كتبهم وتاريخهم ورسائلهم المتبادلة، وهذه طائفة من أمثال هذه المكاتبات:

كتب البابا نيقولا الخامس إلى أمير البرتغال مهنئًا ومباركًا حركة الكشوف الجغرافية فقال: «إن سرورنا العظيم إذ نعلم أن ولدنا هنري أمير البرتغال إذ يترسم خطى والده العظيم الملك يوحنا، وإذ تلهمه الغيرة التي تملك الأنفس باعتباره جنديًا باسلاً من جنود المسيح، قد دفع باسم الله إلى أقاصي البلاد وأبعادها عن مجال علمنا كما أدخل بين أحضان الكاثوليكية الغادرين من أعداء الله وأعداء المسيح مثل العرب الكفرة...». ثم كتب له حقًا بتملك كل ما يكتشفه جغرافيًا حتى بلاد الهند.

قال البوكيرك ـ أكبر قادة البرتغال ـ في خطاب النصر عند جزيرة ملقا لجنوده: «إن إبعاد العرب عن تجارة الأفاوية هي الوسيلة التي يرجو بها البرتغاليون إضعاف قوة الإسلام، والخدمة الجليلة التي سنقدمها لله بطردنا العرب من هذه البلاد وبإطفائنا شعلة شيعة محمد بحيث لا يندفع لها هنا بعد ذلك لهيب وذلك لأني على يقين أننا لو انتزعنا تجارة (ملقا) هذه من أيديهم (يقصد المسلمين) لأصبحت كل من القاهرة ومكة أثرًا بعد عين».

قال ملك البرتغال عمانويل الأول معلنًا أهداف الكشوف البرتغالية: «إن الغرض من اكتشاف الطريق البحري من اكتشاف الطريق البحري إلى الهند هو نشر النصرانية والحصول على ثروات الشرق».

قال البوكيرك في يومياته كاشفًا عن مدى المخطط الصليبي والأهداف الدينية لحركة الكشوف الجغرافية: «كان هدفنا الوصول إلى الأماكن المقدسة للمسلمين ـ مكة والمدينة ـ واقتحام المسجد النبوي، وأخذ رفات النبي محمد ﷺ رهينة لنساوم عليها العرب من أجل استرداد القدس».

وللتصديق على صحة هذا الهدف الخبيث والفكرة الشيطانية للبرتغاليين الصليبيين ذكر ابن إياس الحنفي في كتابه «بدائع الزهور» أنه في زمن الشريف بركات أمير مكة عندما كانت مكة تابعة للدولة المملوكية وفي سنة 915هـ تم القبض على ثلاثة جواسيس متنكرين في زي العثمانيين ويتحدثون بالتركية والعربية ثم اتضح أنهم نصارى جاءوا للتجسس على مكة ومعرفة أحوالها لصالح البرتغاليين، وقد أرسلوا إلى السلطان قنصوة الغوري الذي أمر بإعدامهم في الحال على باب زويلة.

* البرتغال وجنوب الخليج:

مما سبق عرضه يتضح جليًا أن الدافع الحقيقي لحركة الكشوف الجغرافية للبرتغاليين كان صليبيًا محضًا وهو نشر النصرانية ومحاربة المسلمين، وأن الدافع الاقتصادي يأتي في الدرجة الثانية وكعنصر مساعد في محاربة المسلمين بالقضاء على مواردهم المالية ولتحقيق الأهداف البرتغالية الشريرة رأى كبار القادة الصليبيين أمثال «البوكيرك» و«فاسكو دي جاما» و«روي جوميز» ومن قبلهم مليكهم «هنري الملاح» ضرورة التحكم في مضيقي «هرمز» و«باب المندب» لإحكام السيطرة على العالم الإسلامي من ناحية الخلف وضرب اقتصادياته في مقتل وتنفيذ مخططهم الشرير والذي لم يسبقهم فيه أحد من الناس، بأخذ الجثمان الشريف الطاهر ليسد الخلق أجمعين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والمساواة عليه ببيت المقدس.

من أجل ذلك خرج البحار البرتغالي «فاسكو دي جاما» في رحلته الشهيرة للدوران حول القارة الإفريقية، واكتشاف طريق جديد للتجارة، والوصول لجنوب الخليج، ومضيقي هرمز وباب المندب، وذلك من دون المرور بالبحر المتوسط ثم الأحمر حتى يتفادى المماليك وبالفعل وبعد عدة أشهر وصل فاسكو دي جاما إلى سواحل الهند سنة 904هـ، وأطلق على الطريق الجديد اسمًا صليبيًا محضًا وهو رأس الرجاء الصالح، وكان لاكتشاف هذا الطريق أثر بالغ على اقتصاديات الدولة المملوكية في مصر والشام واليمن، وكان ذلك من أسباب سقوط الدولة المملوكية بعد ذلك بقليل، وأيضًا أثر في قدرة المماليك على التصدي لهذا العدوان الصليبي الغاشم على العالم الإسلامي.

ارتبطت الحملات الصليبية البرتغالية على جنوب الخليج والهند باسم القائد البحري الشهير «البوكيرك»، وهو واحد من أشد وأعتى الصليبيين الذين حاربوا الإسلام والمسلمين، وكان هذا الداهية يفيض حقدًا وكراهية للمسلمين، يضطرم بنفسية صليبية عميقة وعلى يديه وتحت قيادته وقعت المجازر الصليبية الرهيبة لأهل جنوب الخليج والهند، وهو الذي وضع الخطة الخبيثة للاستيلاء على منافذ البحر الأحمر والخليج العربي واقتحام الأماكن المقدسة للمسلمين، ولم تهدأ حدة الحملات الصليبية البرتغالية إلا بعد هلاك هذا الطاغية الصليبي «البوكيرك».

* الحملات البرتغالية على جنوب الخليج:

وصل البرتغاليون إلى سواحل الهند سنة 904هـ بعد أن اكتشفوا طريق رأس الرجاء الصالح، ولما رأوا الخيرات الوفيرة هناك قرروا الاستيلاء عليها، فأرسلوا أسطولاً بحريًا كبيرًا في السنة التالية، ولكنه اصطدم مع الممالك الإسلامية الكبيرة هناك ولم يستطع السيطرة إلا على عدة نقاط ساحلية في جنوب الهند مثل دامان شمال بومباي وتموا وجزيرة ديو، ثم زار الطاغية «البوكيرك» الهند أول مرة سنة 909هـ وتشاور مع باقي القادة البرتغاليين في كيفية ضرب اقتصاديات العالم الإسلامي وعرض عليهم خطته الآثمة في الاستيلاء والسيطرة على منافذ البحر الأحمر والخليج العربي فوافق عليها الجميع، وعاد «البوكيرك» إلى البرتغال لأخذ العدة اللازمة لوضع الخطة في حيز التنفيذ الفعلي، ثم عاد إلى الهند سنة 912هـ مرة أخرى استعدادًا للهجوم الشرس على الخليج العربي.

هاجم البرتغاليون بقيادة «البوكيرك» سواحل عمان أولاً سنة 913هـ، وبدءوا الحرب الصليبية باستيلائهم على «سوقطرى»، وحاولوا بعدها الاستيلاء على «عدن» للسيطرة على باب المندب، ولكنهم فشلوا لحصانة المدينة واستبسال أهلها في الدفاع عنها، فعادوا إلى سواحل عمان ودمروا جزيرة «المصيرة» و«رأس الحد» و«صور» وذبحوا أهلها وذلك لإدخال الرعب على باقي سكان الخليج، وبالفعل أثمرت هذه الوحشية المرعبة في سهولة السيطرة على العديد من المدن بساحل عمان، إذ قام حاكم «قلهات» بتسليم المدينة للبرتغاليين خوفًا من مجازرهم المشهورة، ثم انتقلوا إلى مدينة «قرياط» فحاول أهلها الدفاع عنها فقصفهم بالمدافع حتى أذعنوا بالتسليم فقبض البوكيرك على المجاهدين ومثل بهم، فجدع الأنوف وقطع الآذان واغتصب النساء، ثم توجهوا بعد ذلك إلى مسقط، وكانت مدينة حصينة، فتفاوض البرتغاليون مع حاكمها على التسليم، فوافق رغم حصانة المدينة وقدرتها على الصمود ولكنه أبى إعلان الخضوع لملك البرتغال، فاعتبر البوكيرك ذلك سببًا للهجوم على المدينة، وشدد من قصفه للمدينة حتى استولوا عليها وفعلوا بأهلها ما تعجز الأقلام وتقصر العبارات عن وصفه، ثم توجهوا إلى مدينة صحار التي أعلن أهلها مباشرة خضوعهم للصليبيين وملكهم، ثم اتجهوا بعدها إلى «خورفكان» فقاوم أهلها البرتغاليين مقاومة مجيدة، ولم يستطع البرتغاليون فتحها رغم تفوقهم الكبير، فانتقلوا إلى مدينة «هرمز» الإستراتيجية وحاصروها واستمات أهلها في الدفاع عنها وجاءتهم مساعدات من أهل «قلهات»، فصب البوكيرك جم غضبه على المدينة وشعر أن سمعته كصليبي مشهور ستهدد إذا فشل في فتح هرمز حيث سيكون قد فشل في الاستيلاء على مدينتين متتاليتين خورفكان ثم هرمز، فشدد القصف والهجوم حتى استولى عليها، ولكن قواده وجنوده ثاروا عليه بسبب مواصلة القتال والإرهاق الذي نالهم من متابعة الحرب طوال السنة، فرفع البوكيرك الحرب ليستريح جنوده قليلاً في جزيرة سوقطرى.

رجع البوكيرك سنة 914 من سوقطرى لمواصلة حربه وخططه في السيطرة على جنوب الخليج، وبدأ بقلهات للانتقام من أهلها الذين ساعدوا أهل هرمز أثناء حصارها، فنهب المدينة وأمعن في مصادرة الناس، ثم سار إلى هرمز وضرب عليها حصارًا شديدًا وقبل أن يشفي غليله وحقده الصليبي من أهلها جاءته الأوامر الملكية من البرتغال بالتوجه إلى الهند لمواجهة الأساطيل التي أرسلتها الدولة المملوكية سنة 914هـ، والتي انتصرت على الأسطول البرتغالي، فأسرع البوكيرك إلى الهند، وقاد الأسطول البرتغالي للانتصار على الأسطول المصري بقيادة «حسين الكردي» في معركة «ديو» الشهيرة في التاريخ وذلك سنة 915هـ والتي قضت على القوة البحرية للمماليك وخلا الجو تمامًا للبرتغاليين.

ظل البوكيرك في الهند فترة من الوقت لترسيخ وضع البرتغاليين هناك، وخلال هذه الفترة حاول البرتغاليون في الخليج فتح مدينة «عدن» الإستراتيجية عدة مرات ولكنهم فشلوا في كل مرة، مما جعلهم يتجهون نحو مدينتي زيلع وبربرة لسهولة الاستيلاء عليهما، وقد ارتكبوا فيهما أبشع الجرائم ونفثوا في صدورهم من غل وحقد لعدم قدرتهم على الاستيلاء على مدينة عدن.

رجع البوكيرك الطاغية مرة أخرى إلى جنوب الخليج وفي عقله هدف واحد الاستيلاء على مدينة هرمز والتي استعصت عليه مرتين، وجعلها قاعدة الوجود البرتغالي بالمنطقة وبالفعل وبعد حصار شديد سقطت المدينة سنة 921هـ، فجعل ابن أخيه وكان لا يقل عنه حقدًا وصليبية حاكمًا على هرمز ونائبًا عنه في المنطقة ثم عاد إلى الهند وفي الطريق أصيب الطاغية بمرض عضال تساقط منه فيه لحمه وهلك سنة 922هـ، وبمهلكه فقد البرتغاليون القائد الفذ والزعيم المخلص لصليبيته والذي كان يؤجج مشاعر جنوده بخطبه وحماسته الشهيرة، وأصبح ابن أخيه القائد الجديد للبرتغاليين في المنطقة.

استولى البرتغاليون على البحرين بعد وفاة الطاغية البوكيرك سنة 922هـ، فأحكموا بذلك سيطرتهم على جنوب الخليج، وحاولوا الاستيلاء على عدن مرة أخرى ولكنهم فشلوا، ونتيجة للسياسات الصليبية البشعة التي اتبعها البرتغاليون من إرهاب وتقتيل وتحريق ونهب وسلب ثار الناس جميعًا من قلهات حتى البحرين ضد الوجود البرتغالي وانقضوا على الحاميات الموجودة في بلادهم وفتكوا بها جميعًا مما حدا بالبرتغاليين إلى طلب النجدة مرة بعد مرة من إخوانهم في الهند، فجاءت تعزيزات قوية سنة 929هـ، وتفنن البرتغاليون في تدمير وسحق المدن الثائرة فكانوا يمثلون بجثث الأسرى، ولم تفت هذه الوحشية البربرية في عضد الناس هناك حيث لم يعد هناك صبر يتذرع به ولا شيء يخسرونه، فعادوا إلى الثورة مرة أخرى سنة 932هـ بقلهات، وأخرى في البحرين سنة 935هـ، وفي كل مرة يرد البرتغاليون بمنتهى القسوة والهمجية.

* البرتغاليون والصفويون:

من الأمور الثابتة تاريخيًا والتي تضاف إلى السجل المخزي والحافل بالمواقف المشابهة للشيعة الروافض أن البرتغاليين الصليبيين قد تحالفوا مع الدولة الصفوية الشيعية، وذلك منذ سنة 920هـ وبعد الهزيمة المريرة التي نالها الصفويون على يد العثمانيين في معركة جالديران، حيث دفع الحقد والعمى المذهبي عند الصفويين الروافض للتعاون مع البرتغاليين ألد أعداء الإسلام، على الرغم من علم الصفويين اليقيني بطبيعة وحقيقة المخططات الصليبية عند البرتغاليين وما يسعون إليه من اقتحام مكة والمدينة، فلقد أرسل البوكيرك برسالة ود وصداقة للشاه إسماعيل الصفوي سنة 915هـ يعرض فيها عقد المحالفة والاتفاق على العالم الإسلامي، وقد جاء في هذه الرسالة ما يلي:

«إني أقدر لك احترامك للمسيحيين في بلادك، وأعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك في الهند، وإذا أردت أن تنقض على بلاد العرب أو أن تهاجم مكة فستجدني بجانبك في البحر الأحمر أمام جدة أو في عدن أو في البحرين أو في القطيف أو في البصرة، وسيجدني الشاه بجانبه على امتداد الساحل الفارسي وسأنفذ له كل ما يريد».

وهذه الرسالة توضح جليًا علم الصفويين المسبق بخطط ونوايا البرتغاليين ضد العالم الإسلامي ولكن لم يمنعهم ذلك من التحالف معهم، ومن أجل هذا الحلف الصليبي ـ الرافضي، تخلى الصفويون عن مساعدة سكان جنوب الخليج وتركوهم نهبًا للعدوان البرتغالي وأقروا استيلاء البرتغاليين على هرمز نظير مساعدة البرتغاليين لهم في الاستيلاء على البحرين والقطيف والأحساء، ونظير مساعدة الأسطول البرتغالي للشاه إسماعيل الصفوي على قمع الثورة السنية في مكران، كما تضمن الحلف مسألة تقسيم البلاد العربية بين الحليفين، فيحتل الصفويون مصر ويحتل البرتغاليون فلسطين.

ولكن إرادة الله عز وجل تسري فوق الجميع، ومهما يمكرون أعداء الأمة بها فمكر الله عز وجل بالكافرين والمجرمين أعظم، فلقد هلك البوكيرك فجأة كما قلنا سنة 921هـ، وكان هذا الشيطان مهندس هذا الحلف الآثم، وبمهلكه فشلت كل الخطط والأحلاف، وما استفاد لا هذا ولا ذاك بشيء إلا الذم والويل وكشف حقيقة الروافض وخطرهم على العالم الإسلامي.

للحديث بقية....

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 19 ديسمبر 2009
  1. في ذكرى الهجرة النبوية..حاجة الأمة للنصرة والوَحدةبقلم : عاهد ناصر الدين خصَّ الله – عز وجل- المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ،خصهم بالمدح والفضل وعلو المكانة والمنزلة لنصرتهم دينه وصبرهم على حملها، وتحمُّلهم الأذى {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَن10 د قراءة
  2. باكستان والحكم المضطربعلي صلاح تشهد باكستان حالة متصاعدة من الاضطراب على الصعيد السياسي والأمني وقد ازدادت هذه الحالة حدة في الفترة الأخيرة؛ إثر تصاعد هجمات الجيش على عناصر حركة طالبان في منطقة القبائل المحاذية لأفغانستان؛ مما أدى إلى نزوح أكثر من مليون من المدنمقالات وتحليلات · 6 د قراءة
  3. جولة في صحافة السبت 19 ديسمبرنستعرض في جولة اليوم المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية في العراق, وسؤال حول تغير الموقف الأمريكي من إيران. وفي شأن عراقي متصل نقرأ في الأهرام عن أهمية زيارة المالكي للقاهرة, ومن الصحافة البريطانية عن قرار الحكومة البريطانية المشاركة في حرب الع14 د قراءة
  4. الاقتصاد العالمي يشهد انتعاشا ضعيفارأى صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد العالمي يشهد انتعاشا ضعيفا، لكن من غير المرجح أن يسقط مرة أخرى في الركود. وقالت المتحدثة باسم الصندوق كارولين اتكنسون إن التساؤلات ما زالت باقية بشأن استمرارية الانتعاش الذي تحركه حتى الآن السياسات التي تت1 د قراءة
  5. تراجع أسعار الذهب وارتفاع النفطمفكرة الاسلام:تراجع الذهب في أوروبا باتجاه مستوى 1100 دولار للأوقية (الاونصة) مع صعود الدولار الأمريكي بعد تقارير بأن جنودا إيرانيين عبروا إلي أراض عراقية. وبلغ سعر الذهب للمعاملات الفورية في أواخر التداول في أوروبا 1100.50 دولار للأوقية بعثقافة واقتصاد · 2 د قراءة
  6. التايمز: ألف جندي بريطاني أصيبوا في حرب أفغانستانكشفت صحيفة التايمز البريطانية أن عدد الجرحى من جنود جيش الاحتلال البريطاني منذ بدء الغزو الأمريكية في أفغانستان عام 2001 تجاوز الألف جندي أغلبهم أصيب منذ عام 2006 مع بداية العملية العسكرية البريطانية الجارية في إقليم هلمند جنوب أفغانستان. والعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: تاريخ الحروب الدينية المعاصرة (8)