مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

في ظل الرحمن

8 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

محمد السيد عبد الرازق

نعيش بإذن الله خلال هذه الكلمات مع شاب، لكنه ليس شابًا عاديًا بل إنه شاب من طراز خاص، إنه شاب من أهل الجنة، كان يعيش في هذه الحياة كما يعيش الشباب غير أنه صنع من الواقع الذي يحيط به معينًا له على بلوغ مرامه وتحقيق أمنيته، لقد أحسن اختيار رفقته الإيمانية التي كانت عونًا له على السير في طريق ربه، لازم كتاب مولاه فكان له نعم الرفيق، جعل من تفوقه ونجاحه الباهر نموذجًا للشاب المسلم الناجح المبدع الذي يعي أن الدنيا والآخرة طريق واحد أوله في هذه الحياة وآخره يوم يلقى خالقه جل في علاه.

حكايتنا عن ذلك الشاب الذي ترفع عن الدنايا والمعائب، فقد رأى في المعصية ذلًا وانكسارًا لا ينبغي لشباب الإسلام التي تعقد عليهم أمتنا الآمال، ومع ذلك كان أحيانًا ما يتدلى ثوبه من بؤرة المعصية فكان سرعان ما يجذبه ويطهره بدموع التوبة والأوبة للرحيم الرحمن سبحانه وتعالى.

حقًا لقد كان فواحة إيمانية تنثر عبق إيمانها أينما حلت، تتطلع لها الأنظار فتلهج بالثناء والدعاء، كان مؤمنًا صادقًا حافظًا لكتاب ربه متفوقًا، إنه شاب نشأ في طاعة الله فيا بشراه بحديث نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) [متفق عليه].

يوم المكافأة

هذا الشاب الذي نشأ في طاعة الله عاش مؤمنًا محبًا لربه ساعيًا في مرضاته، لربما كان يرى بعض الشباب ممن ظاهرهم الاستمتاع بمعاصيهم وذنوبهم، فتراوده نفسه لكنه سرعان ما يأخذ بخطامها يذكرها بأن طريق ربه الذي سلكه هو طريق السعادة والأمان في الدنيا والنجاة والفوز يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ويوم بعد يوم تقوى عزيمته ويشتد سيره في طريق ربه، وفي كل ليلة يحصل من الخير ما يرفعه عند ربه، فكان ذلك الشاب الذي تعود الخير وله عزيمة قوية في البعد عن الشر، استقام على طاعة الله سبحانه، لا صبوة له، همه نيل رضا مولاه، وفي سبيل ذلك سلك طريق الخير، ونأى بنفسه عن مجاورة الشرور وأصحابها، وولى ظهره للفتن، ولم يلتفت لنداء الشهوات المحرمة، فحق فيه قول ربه: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13]، (لما أتتهم دواعي الوصلة قاموا لله، وما استقروا حتى وصلوا إلى الله، واستضاءت شموسهم بزيادة اليقين، وتمت سكينة قلوبهم، قعدت عنهم الشهوات فصح قيامهم بالله) [ترطيب الأفواه بذكر من يظلهم الله، سيد العفاني، (265)].

رحم الله فتى هـذب الدين شبابه ومضى يزجي إلى العلياء في عزم ركابه

مخبتــًا لله صــير الزاد كتابه واردًا من منهل الهادي ومن نبع الصحابة

إن طلبت الجود منه فهو دومًا كالسحابة أو نشدت العزم فيه فهو ضرغام بغابة

جاذبته النفس للشر فلم يبد استجابة متــقٍ لله تعلــو من يلاقيه المهابة

رقّ منه القلب لكن زاد في الدين صلابة بلسم للأرض يمحو عن محياها الكآبة

الخير فيكم أيها الشباب:

إن الشباب حيوية وطاقة وقوة وطموح وآمال، ودواعي الانحراف بالنسبة إليهم أقوى منها لدى غيرهم، فإذا ما تحدى الشاب كل هذه النداءات والدواعي واستقام على طاعة ربه سبحانه وتعالى حق له بفضل الله أن يكون من أولئك الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة.

وكفى للشاب شرفًا أن الله سبحانه وتعالى يعجب من أجله تعجبًا يليق بكماله فهو المنزه عن المثيل والشبيه، فعن عقبة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ربك ليعجب للشاب لا صبوة له) [رواه الروياني في مسنده، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، (2843)].

والصبوة هي الميل إلى الهوى [النهاية في غريب الأثر، ابن الأثير، (3/11)]، (قال قال حجة الإسلام: وهذا عزيز نادر، فلذلك قرن بالتعجب).

وقال الغزالي مبينًا منزلة وقيمة الشباب: (ما آتى الله عز وجل عبدًا علمًا إلا شابًا، والخير كله في الشباب ثم تلا قوله عز وجل: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 60]، وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13]، وقوله تعالى: {وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12]) [إحياء علوم الدين، الغزالي، (1/153)].

ولقد كان الشباب هم عماد دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما زال الشباب من بعده يصنعون مجد هذه الأمة، قاد أسامة بن زيد جيشًا به كبار الصحابة وهو دون العشرين، وفتح محمد بن القاسم الثقفي السند والهند وعمره سبعة عشر عامًا، وجلس الإمام مالك للإفادة وله إحدى وعشرون سنة، وابن تيمية أسلم على يديه وهو صبي رجل من اليهود، ومحمد الفاتح يفتح القسطنطينية وهو ابن الثانية والعشرين.

نحو طريق الظل:

فإذا ما كان السبيل لفوز الشباب بظل الرحمن هو النشأة في طاعة الله، فإن مفهوم الطاعة هذا يتسع ليشمل ثلاثة أمور لا بد وأن يحفد الشاب إلى ترجمتها على أرض الواقع، حتى يصير بحق ممن نشأوا في طاعة الله واستقاموا عليها:

أولًا: قوة الإيمان:

فهذا الشاب ذو عقيدة سليمة، على منهج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم بإحسان، يعلم أن توحيد الله سبحانه وتعالى هو الحق الأوجب على العباد، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (كنت ردْف النبى صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير، فقال: (يا معاذ، هل تدرى حق الله على عباده وما حق العباد على الله)، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا)[متفق عليه].

فهو يؤمن بأن الله هو خالق العباد ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومدبر شئونهم، وأن أفعال الله لا يشاركه فيها أحد، فلا رازق إلا هو، ولا شافي إلا هو، ولا خالق إلا هو، ولا معطي أو مانع إلا هو...

ويؤمن كذلك بكل ما ورد في القرآن والسنة الصحيحة من أسماء لله تعالى، وكل أسماء الله حسنى، ولا يشبه الله بأحد من خلقه، ولا يبحث في تصور هذه الصفات، ويثبتها كما جاءت بالمعنى الذي فهمه صحابة رسول الله، ومن خلال لغة العرب التي نزل بها القرآن.

وبناء على ذلك فهو لا يتوجه بالعبادة إلا إلى الله، فإن دعا لم يدع غير الله، وإن استغاث لم يستغث إلا بالله، وإن نذر فلا ينذر إلا لله وإن ذبح فلا يذبح إلا لله، ولا يلجأ إلى غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.

وهذا الإيمان ولا شك أنه يحمل الشاب على التزام عبادة ربه سبحانه، والاستقامة على ما أراده الله من عباده من خلال الوحيين: الكتاب والسنة.

على خلق عظيم:

فهو في خلقه يتمثل تعاليم القرآن، قدوته في ذلك محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي زكاه الله في خلقه بقوله سبحانه: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4]، وكان كما قالت السيدة عائشة في وصف أخلاقه: (كان خلقه القرآن) [صححه الألباني في صحيح الجامع، (8942)].

وهذا الشاب النقي له قطف من كل بستان من بساتين الأخلاق، حيي متواضع شجاع كريم حليم صبور ورع صدوق أمين رحيم .....، ويتمسك بقيم الإسلام الأصيلة مهما بدل الناس في مبادئهم وقيمهم، لأنه يعلم أنه لا قيمة للمرء بغير الإسلام، فيتمثله عقيدة وشريعة ومنهاجًا، وشعاره:

والله لو يمحو الزمان فضائل ويبيد من طيب الخصال شمائل

وتغيرت قيم الأنام إلى الردى وتبدلت شيم الكرام رذائل

ورأيت من باع الأصالة يرتدي ثوبًا غريبًا مشمئزًا مائلًا

سأظل وحدي طول عمري ثابتًا لا أرتضي للمكرمات بدائل

الإيجابية والفاعلية:

وهو كذلك فعال ليس صفرًا في أمته لأنه يعلم أن المؤمن الحق لا ينعزل عن واجبه ولا ينحصر في ذاته، ويترك العمل لدينه، ويتخلى عن أسباب القوة المنشودة لأمة الإسلام، فهو يعلم أن الله سبحانه وتعالى عندما يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]، يعلم أن من الاهتداء دعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة إلى الخير ونهيهم عن الشر، كما قال ابن تيمية: (والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضال) [الاستقامة، ابن تيمية، (2/212)].

ويعلم كذلك أن إعمار الأرض هو طاعة لله، فهو مقتضى الاستخلاف في الأرض، وتسخير قوى الأرض من أجل تحقيق العبودية لله تعالى هو مقصود الشرع، وإن أمة هي خير أمة أخرجت للناس عندما تحصل أسباب القوة والحضارة، وتخضعها لإقرار الحق والخير ونشرهما، هي أحق بذلك من أن يمتلكها من لا يؤمن بالله ولا يرقب في نسمة إلا وإلا ذمة ويعيث في الأرض فسادًا إذا امتلك أسباب القوة كما هو مشاهد في دول الغرب.

وإنه ليعلم أن الدنيا والآخرة هما طريق واحد، أوله في الدنيا وآخره في الجنة، فكل أعماله هي طاعة لله، مأكله ومشربه وملبسه وعمله في أي مجال مشروع، لأنه يبتغي الأجر والثواب من الله تعالى حتى فيما أباحه الله، فتتحول عاداته إلى عبادات وقربات، فشعاره قول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].

ونبراسه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها) [رواه البخاري].

(لقد كان من المتوقع والقيامة أوشكت أن تقوم أن يأمرنا صلى الله عليه وسلم بالتوبة والاستغفار ونسيان الدنيا والإقبال على الآخرة، ولكنه صلى الله عليه وسلم أمرنا بتعمير الأرض، بغرس الفسيلة، وأي فسيلة تلك التي يأمرنا بغرسها صلى الله عليه وسلم؟

إنها فسيلة النخل التي لا تثمر إلا بعد سنين طويلة، وما ذاك إلا ليعلمنا صلى الله عليه وسلم هذا الدرس العظيم، أن: (أن طريق الآخرة هو طريق الدنيا بلا اختلاف ولا افتراق! إنهما ليسا طريقين منفصلين: أحدهما للدنيا والآخر للآخرة! وإنما هو طريق واحد يشمل هذه وتلك، ويربط ما بين هذه وتلك، ليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة. وطريق للدنيا اسمه العمل!

وإنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة، وهو طريق لا يفترق فيه العمل عن العبادة ولا العبادة عن العمل. كلاهما شيء واحد في نظر الإسلام. وكلاهما يسير جنبا إلى جنب في هذا الطريق الواحد الذي لا طريق سواه!

العمل إلى آخر لحظة من لحظات العمر، إلى آخر خطوة من خطوات الحياة! يغرسها والقيامة تقوم تقوم هذه اللحظة. عن يقين!

وتوكيد قيمة العمل، وإبرازه والحض عليه، فكرة واضحة شديدة الوضوح في مفهوم الإسلام، ولكن الذي يلفت النظر هنا ليس تقدير قيمة العمل فحسب، وإنما هو إبرازه على أنه الطريق إلى الآخرة الذي لا طريق سواه) [قبسات من الرسول، محمد قطب، ص(19)]) [حياة النور، فريد مناع، ص(181)].

وبهذه الثلاثية تتحقق نشأة الشاب المسلم في عبادة الله بمفهومها الرحب الواسع الشامل، وبذا يستحق أن يكون من الذين يظلهم الله في ظله، وأن يعجب الله لصنيعه، وينظر إليه بعين الرحمة والرضا.

المصادر:

الاستقامة ابن تيمية.

حياة النور فريد مناع.

إحياء علوم الدين الغزالي.

ترطيب الأفواه بذكر من يظلهم الله سيد العفاني.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 16 يناير 2010
  1. انطلاق "المنظمة الوطنية لتحرير الأحواز" من القاهرةأعلن ناشطون أحوازيون، عن ميلاد منظمة تحرير، تحمل اسم "المنظمة الوطنية لتحرير الأحواز" - حَزم - ، موضحين أن المنظمة تهدف إلى الكفاح ضد احتلال إيران للأحواز. وقال ممثل المنظمة في القاهرة عادل السويدي: "نحن لا نؤسس منظمة التحرير هذه في القاهرةالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  2. تاريخ الحروب الدينية المعاصرة (12)الفصل السادس الاحتلال الهولندي لأندونيسيا شريف عبد العزيز [email protected] مفكرة الإسلام : إندونيسيا والإسلام: لا يعرف على وجه التعيين تاريخ دخول الإسلام إلى جزر أندونيسيا الواسعة، ولكن من المؤكد أن نوره قد شع مبكرًا على سواحل هذه الجزر ال7 د قراءة
  3. اختيار "محمد بديع" مرشدًا عامًا لإخوان مصر. مفكرة الإسلام : أعلن المرشد العام المنتهية ولايته لجماعة الاخوان المسلمين بمصر "محمد مهدي عاكف"، اليوم السبت، أن الاختيار وقع على العضو القيادي في الجماعة محمد بديع مرشدا عاما جديدا. وبديع عضو في مكتب الإرشاد منذ عام 1993 وينتمي للجناح الالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  4. "ميليباند" في كابول بالتزامن مع مقتل جنديين بريطانيينوصل وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند إلى العاصمة الأفغانية كابول اليوم لإجراء مباحثات مع المسئولين الأفغان قبل بدء المؤتمر الخاص بأفغانستان والمقرر عقده فى وقت لاحق من الشهر الحالي بلندن. ويجري الوزير البريطاني ميليباند مباحثات مع الرالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  5. جولة في صحافة السبت 16 ينايرنقرأ في جولة اليوم في الشأن الفلسطيني عن الموقفين الأمريكي والتركي, كما نقرأ عن موقف السلطة من القرضاوي, وتغيير بريطانيا لقوانينها بما يسمح باستقبال مجرمي الحرب الإسرائيليين. كما نطالع عدة تقارير عن العراق بين مطرقة إيران وسندان الاحتلال, و13 د قراءة
  6. عدد قتلى زلزال هايتي قد يصل إلى 200 ألفمفكرة الاسلام: أعلن وزير الداخلية في هايتي انطوني باين ايمي أن عدد قتلى الزلزال قد يصل إلى 200 ألف موضحا أنه تم بالفعل جمع نحو 50 ألف جثة معربا عن توقعه أن يكون هناك في المجمل ما بين 100 ألف و200 ألف قتيل. وفي وقت سابق أعلن رئيس وزراء هايتيحدث الساعة · 3 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: في ظل الرحمن