مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

البشري: لابد من مرجعية إسلامية للقوانين

5 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

مفكرة الاسلام: أكد المستشار طارق البشري أن الشريعة تسمح لغير المسلمين بالاحتكام إلى شرائعهم الخاصة، وهو ما تبلور في نظام الملة.

وقال البشري في الجزء الثاني من حديثه مع موقع أون إسلام : بالحديث عن مصر، نحن تحولنا منذ فترة عن نظام الملة إلى نظام يربط كل فرد في هذا الوطن بوطنه؛ وهو نظام المواطنة. قديما؛ كان النظام القائم هو نظام الملة، والذي كان يعني – فيما يعني - أن ينظر لكل صاحب دين باعتبار أن دينه يمثل إطارا مرجعيا كليا له، وأن يترك له أن يتحاكم إلى ملته وفق نظم هذه الملة وأحكامها. هذا النظام كان قبل التحرر وتثبيت أركان الدولة الوطنية، ويبقى لغير المسلمين مجالسهم الملية الخاصة بفض المنازعات الاجتماعية؛ والتي تكون بين أفرادها بعضهم ببعض في علاقاتهم الاجتماعية وأنشطتهم، وحياتهم.

وهذا النظام عرفته الجماعة المسلمة أو النظام الإسلامي في القديم، وكان نظاما فيه نوع من الديمقراطية؛ قوامها أن يترك لأهل الملل المختلفة أن يتحاكموا فيما بينهم وفق شريعتهم الخاصة بهم؛ إذا ارتأوا ذلك. لكن ارتبط بهذا النظام أن تلك الملل لم تشارك في بناء الدولة، وفي المجال العام. ولذلك فإن فكرة "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"؛ هذه الفكرة كانت تنتظم العلاقات الخاصة بين المسلمين وغير المسلمين في المجتمع المصري.

وفيما يتعلق بتولي الولايات العامة واشتراط ارتباطها بالدين، قال البشري: "سنجد إذا طالعنا كتب الفقه؛ ومثالها كتاب الأحكام السلطانية ستجدها تنص على أن يكون صاحب الولاية العامة مسلم، في القضاء تجد هذا الشرط، وكذا في إمارة الجند، وفي سائر الولايات. ومرد هذا الاختلاف أن نظام الملل يمثل نوعا من أنواع الحكم الذاتي، أو نظام ذاتي يدير الشئون الذاتية لأهل الملة، ونظام إدارة الملل يختلف بعض الشئ عن نظام إدارة الولايات الذي يعتمد على النظم الفيدرالية؛ من حيث أن كل ولاية لها أرض، ومن يسكنون أو يعيشون على هذه الأرض تحكمهم الأنظمة المحلية الخاصة بهذه الأرض التي تقع ضمن دائرة معينة بحدود".

وأضاف: "نظام الملة ليس فيه أرض. إنما هو جماعة ثقافية، أو فكرية، أو عقيدية، تلتقي على شرعيات معينة، وكانوا أساسًا من المسيحيين في بلادنا (كمصر)، أو المجوس (العراق)، أو اليهود. وكان الانتماء لهذه الملل يبنى على أساس ثقافي، فلم تكن ولايات محددة جغرافيا؛ وليس لها أرض محددة".

وأردف: "ما حدث أن مفهوم الجماعة الوطنية دمج الملل المختلفة في الجماعة الأصلية. وفي إطاره أقيمت الدولة الوطنية على أساس من هذا الوجود المشترك المختلط، وكان ذلك في فترة مقاومة الاستعمار الغربي الذي دخل بلادنا وحكم هذه البلاد. فمع الاستعمار ظهرت حركات وطنية من مجمل ومجموع القاطنين على أرض هذه البلاد، فتكونت جماعة وطنية من العناصر التي شاركت في تحرير الوطن".

وتابع البشري: في هذه اللحظة التاريخية؛ نظام الملة لم يعد له وجود بهذا الشكل، وأصبح المتشاركون في هذه الجماعة من عناصرها المتعددة والمتنوعة من الناحية الدينية والإقليمية والمهنية وغيرها، يتشاركون في بناء دولتهم، وهو ما سينعكس على تولى الأمور العامة في مصر. هكذا كان الوضع من الناحية التاريخية.

أما من الناحية الشرعية؛ فموضوع الولايات العامة الحقيقة تباين في الرؤى التجديدية عن الرؤى الكلاسيكية. فإذا كان الفقهاء القدامى قد اشترطوا الإسلام لتولي الولايات العامة، فالنظم الحديثة اليوم جعلت تنظيم وإسناد الولايات العامة ليس للأفراد، ولكن للهيئات، بحيث إن الفرد لا يملك شيئا بذاته، فالقرار هو للهيئة مجتمعة، مثل المجالس النيابية، مجلس النواب مثلاً، أو مثل مجلس رئاسي مثلاً، أو مثل المحكمة التي تتكون من خمسة أعضاء أو ثلاثة أعضاء، فهنا الولاية أصبحت للهيئة وليست للفرد. وطالما أن الولاية للهيئة وليست للفرد؛ يمكن للمسلمين وغير المسلمين يمكن أن يتشاركوا معًا في هذا الإطار. وتبقى المرجعية هنا هي المرجعية القانونية العامة التي تحكم النظام القانوني في هذا البلد,على حد قوله.

وزاد المستشار البشري: فعندما يقول أحدهم أن على المسيحيين في بلدٍ معين أن يتحاكموا إلى مجالسهم الخاصة، وعليهم أن يرجعوا إلى قانونهم الذي يعدونه في هذا الشأن، وأن يحكمهم نصه؛ أنت في هذه الحال تستدعي نظام الملة، وهذا حاصل نسبيا، ويمكن رؤيته من خلال بعض التصريحات الكنسية الأخيرة التي سمعناها. وقد بدأت هذه التصريحات بشكل واضح منذ عام 2008.

واشار المستشار البشري إلى ملاحظة أننا نريد أن تكون القوانين التي تصدرها الدولة الحديثة ذات مرجعية إسلامية، حينذاك تكون الهيئة هيئة إسلامية؛ لأن الهيئة تعني مرجعيتها. فعندما يحكم القاضي المدني بقوانين الوصية، والميراث الموجودة في مصر مثلاً، هو يحكم حكمًا وفقًا للشريعة الإسلامية حتى ولو كانت الدائرة القضائية التي تنظر القضية يترأسها قاض مسيحي، فهو يحكم بقوانين الشريعة الإسلامية، وتبقى المحكمة نفسها محكمة مشكلة، ذات ولاية تقبلها الشريعة الإسلامية، والتحاكم هنا يكون للمرجعية الأساسية.

فالمطالبة بعودة الشريعة لا تعني أن تطبق هذه الشريعة في بعدها القانوني مباشرة من الأفراد على شئونهم، إنما أن تصدر بها نصوص قانونية، وتكون الشريعة مرجعية لهذه القوانين، وتصدر القوانين وفقًا لرأي ما من الآراء الموجودة في الفقه الإسلامي، أو مما تسعه الشريعة أو الفقه الإسلامي من آراء. ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن "ولي الأمر" في الفقه الإسلامي التقليدي يستطيع أن يرجح من بين الآراء المتنوعة التي يسعها نص من النصوص؛ فبإمكانه أن يرجح معنى من المعاني ويلزم به القضاء في هذا الأمر.

وعن معنى التجديد الفقهي وكيف يتم؟ قال: التجديد في الفقه هو تحريك النص الثابت على واقع متغير. المعضلة كلها كيف يكون النص ثابتا والواقع متغيرا، ونحن نقوم بتحريك النص الثابت مع الواقع المتغير. وهذه الحركة تأخذ شكلين:

الأول: يتمثل في استخلاص معنى من النص، مما يسعه النص من معانٍ ينطبق على الحالة الموجودة.

والثاني: يتمثل في تكييف الواقعة نفسها، وتشكيلها بالشكل الذي يجعلها تندرج تحت حكم النص، وكثيرا ما نقوم بهاتين العمليتين مع بعضهما البعض.

التجديد يتعلق بالمواءمة ما بين نص ثابت له معان متنوعة كما يقول الفقهاء الإسلاميين؛ فهو ليس مضيقا ولا معيارًا، ولكنه موسع وظرف؛ لأنه لا يسع غيره من جنسه. وأغلب النصوص بهذا الشكل. ومثال ذلك الصيام في رمضان. فالوقت في رمضان محدد بمعيار، أنه من الفجر لغاية المغرب. على عكس الوقت في الصلاة؛ فالصلاة في الإسلام موسعة وظرف لأنها تسع غيرها من جنسها؛ فوقت الصلاة يتسع لساعتين أو أكثر تستطيع أن تصلي فيه. وتختلف النصوص فيما بينها وتتنوع في مدى الضيق والسعة التي يحتملها النص في تطبيقه. فالنص هنا مثل الطريق في اتساعه، له يمين وله يسار وله وسط. وقد يتسع أو يضيق، ولكن له حدان في النهاية؛ لا تستطيع أن تخرج عنها، وداخل هذين الحدين تستطيع أن تتحرك وفقًا للواقع الذي أمامك، والأحوال التي أمامك.

لذلك تحدث الفقهاء في كتبهم عن إجمال ما يتغير، وتفصيل ما لا يتغير. ما لا يتغير هذا يبقى مضيق ومعيار، وإجمال ما يتغير ضروري لإعطائك السعة المطلوبة، ولاستيعاب تغير الأوضاع. فنحن عندما نعمل في هذا الموضوع، نفكر بطريق ما لا يسعه النص من أوضاع، وفي هذه الحالة نلجأ إلى تشكيل الوضع نفسه بالشكل الذي يقبل إسقاط النص عليه. وكلا الشكلين يحققان مقتضى مرجعية الشريعة.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 25 نوفمبر 2010
  1. هل تنهار إيران داخليًا؟راي تاكيه*/ واشنطن بوست ترجمة/ شيماء نعمان مفكرة الإسلام : في طقوس صارت أكثر من معتادة، تواصل كلاً من الولايات المتحدة وإيران من جديد النظر في رقصتهما الدبلوماسية المشتركة. والسؤال الذي طالما استهوى واشنطن وحلفائها هو كيف يمكن إجبار النظام مقالات مترجمة · 4 د قراءة
  2. انتخابات مصر .. بين وعود النزاهة وشكوك المعارضةبقلم: فتحي مجدي سيتوجه الناخبون المصريون إلى مراكز الاقتراع يوم الأحد 28 نوفمبر 2010، للتصويت لاختيار أعضاء مجلس الشعب (الغرفة الأولى من البرلمان المصري)، في انتخابات يتنافس فيها أكثر من خمسة آلاف مرشح من مختلف القوى الحزبية والتيارات السياحدث وتعليق · 9 د قراءة
  3. العراق يطالب إيران بوقف تدفق مياه مالحة لأراضيهطالبت وزارة الموارد المائية العراقية إيران بعدم السماح بتكرار تدفق مياه البزل التي تتضمن نسبة مرتفعة من الملوحة إلى الأراضي العراقية. وقالت الوزراة العراقية "التدفق توقف حاليًا بعد عشرة أيام من بدئه". وأضافت الوزارة في بيان: "نأمل من الجارةنحن والغرب · 1 د قراءة
  4. سلسلة المراحل الخمسة لنمو الشركات الصغيرة (4) مرحلة البقاءمحمد العطار تحدثنا في المرة السابقة عن مرحلة التواجد, وكانت المشكلة الرئيسية لهذه المرحلة في الحصول على عدد كاف من العملاء وتقديم الخدمات أو المنتجات المتفق عليها, والإيرادات لا تكفي لتغطية النفقات, وكان الحل لهذه المشكلة هو تطوير المنتجات فكر إداري · 5 د قراءة
  5. وفاة الشيخ حافظ حكمي18 من ذي الحجة 1377هـ ـ 5 يوليو 1958م مفكرة الإسلام : الشيخ العلامة، صاحب كتاب المعارج الشهير، الإمام حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، والحكمي نسبة إلى إحدى بطون قبيلة «مذحج» وهو الحكم بن سعد العشيرة. ولد في رمضان سنة 1342هـ ـ 1924م بقرية السلامحدث في مثل هذا اليوم · 1 د قراءة
  6. المؤتمر الإسلامي تتوعد دولاً رفضت قرار منع ازدراء الأديانأبدت منظمة المؤتمر الإسلامي قلقها العميق إزاء امتناع خمس من دولها الأعضاء عن التصويت لصالح قرار مكافحة ازدراء الأديان في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وهدد مصدر مسؤول بمنظمة المؤتمر الإسلامي بأن المنظمة قد تتخذ إجراءات رادعة ضد هالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: البشري: لابد من مرجعية إسلامية للقوانين