هل تنهار إيران داخليًا؟

راي تاكيه*/ واشنطن بوست
ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام : في طقوس صارت أكثر من معتادة، تواصل كلاً من الولايات المتحدة وإيران من جديد النظر في رقصتهما الدبلوماسية المشتركة. والسؤال الذي طالما استهوى واشنطن وحلفائها هو كيف يمكن إجبار النظام الثيوقراطي (الديني) في طهران على تغيير ممارساته البغيضة؟!
وكدولة ديموقراطية عقلانية، ترى الولايات المتحدة أن ممارسة الضغط الاقتصادي سوف يجبر زعماء إيران على تقديم بعض التنازلات عن أولويات إستراتيجية من أجل تخفيف وطأة الضائقة المالية. وعلى الرغم من أن للجمهورية الإسلامية الإيرانية نقاط ضعفها، فإن الاهتمام الضيق المكثف على الوضع الاقتصادي قد شوش على مواطن ضعفها السياسية شديدة الوضوح.
إلا أن التركيز على قضايا حقوق الإنسان ودعم "الحركة الخضراء" في إمكانه أن يمهد الطريق لتحويل إيران إلى مجتمع أكثر تسامحًا ويقدم للغرب عاملاً فعالاً في ترويض الطموحات النووية للملالي.
وإحدى المفارقات الكبيرة في إيران، أن تلد أمة ترزخ تحت براثن استبداد الملالي أكثر حركة ديموقراطية ذات حيوية فكرية في الشرق الأوسط المعاصر. فلقد أعادت"الحركة الخضراء"، والتي تمر بجميع الطبقات الاجتماعية في إيران، صياغة العلاقة بين الشعب والدولة، وبين الدين والديموقراطية. وفي جوهرها، فإن حركة تؤكد على الحاجة إلى موافقة الشعب واحترامه للرأي العام الدولي وتخفيف القيود الثقافية الشاقة المفروضة هي بمثابة رفض لسياسات التعصب التي يمارسها المرشد الإيراني الأعلى "علي خامنئي" والرئيس "محمود أحمدي نجاد".
وعلى الرغم من القمع والاعتقالات والمحاكمات الصورية، لا تزال تزدهر"الحركة الخضراء" وتدفع بالمجتمع بصورة تدريجية بعيدًا عن سيطرة الدولة. وهي حركة أكثر تنظيمًا وتهيمن على الدعم الشعبي بدرجة أكبر مقارنة بحركات سياسية مماثلة سابقة في أوروبا الشرقية تمكنت في نهاية المطاف- بدعم من الغرب- من إزاحة أنظمة شيوعية استبدادية متعنتة من السلطة. إن حجم الارتداد بعيدًا عن الدولة والشعور بخيبة الأمل في العديد من رموز الثورة يوضح مدى النجاح الذي حققه الخضر في إضعاف ثقة النظام الإيراني في نفسه وفي شرعيته.
هل تدعم أمريكا "الحركة الخضراء"؟
ومن خلال أية مفاوضات مع الغرب، سيكون من الأساسي مطالبة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بتدارك ليس فقط خروقاتها المتعلقة بالبرنامج النووي بل أيضًا انتهاكاتها لحقوق الإنسان. ويتضمن هذا إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ورفع القيود المفروضة على منظمات المجتمع المدني والسماح بنشر الصحف المحظورة. ومالم تذعن طهران لمثل هذه التدابير، سيتعين عليها أن تستمر في مواجهة الضغوط الاقتصادية والعزلة السياسية. 
وإذا ما اتخذت الولايات المتحدة مثل هذا الموقف القاطع كجزء من تواصلها الدبلوماسي؛ فإنها يمكن أن تحفز مزيدًا من المعارضة الداخلية في إيران. وهو ما يعني، في الوقت نفسه، أن نظامًا معزولاً وضعيفًا يواجه انهيارًا اقتصاديًا، وفورانًا سياسيًا، وعزلة دولية قد يميل إلى تقديم تنازلات هامة للخروج من مأزقه. إن الطريق إلى نزع السلاح وتحقيق الديموقراطية يكمن في خلق قضية مشتركة مع "الحركة الخضراء" وجعل سلوك إيران إزاء مواطنيها شرطًا مسبقًا لاندماجها من جديد في المجتمع الدولي.
وفي الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بتقييم كيفية التعاطي مع التحدي النووي الذي تمثله إيران، يتعين عليها توسيع تدقيقها والنظر في نهجها حيال التغيير السياسي البطيء والمعتمل الذي يتكشف هناك. ونظرًا للعزلة التي يعيشها الشعب وتمزق الصفوة، فإن النظام لن يكون قادرًا على إدارة أزمة خلافة.
غير أنه وعلى الرغم من جميع سقطاته فإن خامنئي لا يزال هو الغراء الذي يحافظ على إيران مترابطة مع بعضها البعض. وإذا ابتعد المرشد الأعلى الطاعن في العمر بعيدًا عن الساحة، فإن النظام سيعاني انقسامًا كبيرًا كما أنه يفتقر إلى قاعدة شعبية كافية للسماح باختيار من يخلفه بسهولة. وقد تأكد خامنئي تقريًبا، أثناء قيامه بتعزيز سلطاته وضمان زور انتخابات تلميذه المصون، أن جمهوريته لن تنجو به.
وجميع ما سبق يشير إلى أن العلاقة التبادلية مع إيران من خلال تداول الجزر والعصا من أجل الحصول على تنازلات نووية متواضعة ليست بالأمر حكيم.
وقد أثبت التاريخ أن قضايا حقوق الإنسان تساهم بدور في حدوث التحولات السياسية الدراماتيكية. فقد بث اتفاق هلسينكي عام 1975 الحياة في أوصال جماعات المعارضة التي كانت تحتضر خلف الستار الحديدي (العزلة الذاتية السوفيتية) وتمكنت من تأمين انتقال سلس إلى واقع ما بعد الشيوعية. وأكثر مما فعلته معاهدات سباق التسلح والحد من التسلح، فإن تلك الاتفاقات قد تحدت المشككين والساخرين وأسهمت في انهيار الإمبراطورية السوفيتية شديدة البأس.
والتأكيد على قضايا حقوق الإنسان في الوقت الراهن من شانه ألا يدعم فقط استمرارية "الحركة الخضراء" فحسب بل أيضًا تكييف قطاع هام من الأجهزة الأمنية، والأشخاص ذوي المراكز الدينية، والمثقفين على الأعراف التي يتعين على الدول الالتزام بها كي تصبح عضوًا في المجتمع الدولي. أما الجيل الذي سيعقبهم من الزعماء الإيرانيين فمن شأنهم أن يكونوا أكثر حساسية لالتزاماتهم حيال المواطنين والمجتمع الدولي. وإذا ما ربطت الولايات المتحدة دبلوماسيتها بالسلوك الإيراني إزاء حقوق الإنسان، فإنها يمكن أن تخفف من طموحات إيران النووية وتمهد الطريق لانتقال سلمي من حكومة أوتوقراطية دينية إلى حكومة أكثر مسئولية وإنسانية.
--------------------------------------
* راي تاكيه: خبير في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، متخصص ومستشار في الشئون الإيرانية والخليج العربي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية.