انتخابات مبكرة .. أم وصفة حرب داخلية ؟

عصام زيدان
الخبر:
مفكرة الإسلام : توصلت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة فتح إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بعد اشتباكات عنيفة بالشوارع أعقبت دعوة الرئيس محمود عباس إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة.
التعليق:
الدعوة التي وجهها الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة, لا يمكن وضعها إلا في خانة التحريض على اقتتال داخلي لا يعلم أحد له مستقرًا ولا مآلاً, وفتحت الباب مجددًا للحديث عن الطرف الذي ينحاز إليه الرئيس عباس, ويعمل على تنفيذ أجندته وأهدافه في الداخل الفلسطيني.
لقد اجتهد الرئيس عباس طيلة الفترة التي أعقبت انتخاب حركة حماس وتشكيلها للحكومة في محاولة جر الحركة إلى خيارات الرباعية باعتبارها ضروريات حتمية للعيش والبقاء كالماء والهواء بالنسبة للفلسطينيين, ودونها لن تكون حياة سياسية أو معيشية على حد سواء.
واصطدم الرجل مبكرًا ومرارًا بثوابت الحركة التي ترفض الاعتراف بـ"إسرائيل", أو التفريط في القضايا الأساسية للفلسطينيين, وعلى رأسها عودة اللاجئين التي ميّعها الرئيس في خطابه الأخير, أو المضي قدمًا في معركة تحرير الأرض التي اعتبرها عباس عبئًا وحملاً ثقيلاً على كاهل الشعب الذي زعم أنه اختار برنامجه الرافض للعسكرة!!
بعد هذا الفشل الذي مني به الرئيس في ثني الحركة عن مبادئها التي من أجلها ولها منحها الشعب صوته, كان الإصرار العباسي على سحب البساط من تحت أقدام الوزارة, وبدأ خطته المعدة في بيوت الخبرة الأمريكية - الصهيونية بسحب السلطات الأمنية من يد الداخلية ووضعها في يد زمرة من العابثين, الذين يذكر لهم التاريخ جيدًا كيف سلّموا الشرفاء من المجاهدين الأبطال إلى قوات الاحتلال, والابتسامة التي لا تفارقهم تعلو وجههم فخرًا وتيهًا, بينما قلوبهم تحترق شوقًا للكرسي.
وبدم بارد راحت تلك القوات تعيث عبثًا وفسادًا في أرض الشهداء, متلاعبة في استهتار بالغ بمستقبل فلسطين, واضعة الجميع على شفا الاقتتال الداخلي, وتمكنت بفتنتها تلك من تغيير أولويات الشارع وفصائل المقاومة من مواجهة الاحتلال إلى مواجهة احتمالية الحرب الأهلية, ومن تربص بالعدو الغادر إلى تخوف من عميل باع وطنه وقضيته, وتحقق للاحتلال ما كان يصبو إليه دائمًا وفشل فيه مرات عديدة, حتى تمكّن سدنة الرئاسة من تحقيقه.
ووقف الرئيس عباس بصلابة غير معهودة, بعد ذلك, مع الحصار الذي فرض إقليميًا ودوليًا على حكومة حماس, وقلب الحقائق رأسًا على عقب, وبدلاً من السعي للوقوف بجانب الحكومة التي أتى بها الشعب راح يوصف الواقع بصورة مغايرة, محملاً حماس المسئولية عن معاناة الفلسطينيين, ومطالبًا بتنازلات من أجل العيش.
هذه الحالة الفلسطينية - بشقيها الأمني والمعيشي - استغلها عباس في محاولة حصار الحركة وإجبارها على الاستسلام والخضوع لمطالب الرباعية وترك موقعها معلنة فشلها, لينتهي بذلك أي دور سياسي للحركة الإسلامية على الأقل في المستقبل المنظور.
ورأينا في عباس الذي لم نعهده إلا مفاوضًا مسالمًا مستسلمًا على طول الخط مناورًا ضاغطًا مستثمرًا مهارات التفاوض للحصول على أعلى سقف ممكن من مطالب الرباعية التي رأى فيها خروجًا من نفق الأزمة الذي تمر به القضية الفلسطينية.
وأخيرًا, وبعد فشل كل المحاولات لإيجاد حكومة على "الموضة" الأمريكية وأنموذج يجسد المطالب الصهيونية, وبعد خروج رئيس الوزراء الحماسي إسماعيل هنية كاسرًا الحصار الإقليمي, ومبشرًا بكسر الحصار المالي, وهو ما كان سيضع عباس وأجندته الصهيو أمريكية في حرج بالغ, لجأ الرئيس إلى انقلابه على الشرعية, محاولاً وضع حماس في صورة المتعطشين للسلطة ولو على جثث الشعب, راسمًا لنفسه إطارًا مزخرفًا من التضحية من أجل القضية الفلسطينية بعدما عرض إجراء انتخابات رئاسية متزامنة مع التشريعية.
إن محاولات عباس إسقاط حركة حماس وإقصائها من الساحة السياسية متخذًا من وضعيته في حركة فتح ستارًا لإنفاذ هذه الطموحات الأمريكية المتدثرة بثوب الرباعية لم تعد تنطلي على أحد, لاسيما بعد أن أصرت كتائب الشرف في فتح على أن تضع خيارها في كفة المصلحة الفلسطينية, وأعلنت رفضها لدعوة عباس وتمسكها بخيار الشعب الذي اختار حماس المقاومة.
وانكشف الأمر جليًا سافرًا بعد الترحاب السريع والمباركة الثلاثية من قبل تل أبيب ولندن وواشنطن التي تعهدت بزيادة "المعلوم" لقوات حرس الرئاسة التي تحرس قبل أي شيء "المندوب السامي الأمريكي" على فلسطين, الذي لن يقف عن هدنة هشة معلنة, وسيسعى مجددًا لإشعال النار.