مستقبل التغيير على الأرضية غير الإسلامية
السيد أبو داود
أدت تصريحات فاروق حسني وزير الثقافة المصري ضد الحجاب والمشايخ ، والمعركة التي دارت في أعقابها، حيث حدثت حالة من الاستقطاب في مصر والعالم العربي بين مشروعين، المشروع الإسلامي والهوية الإسلامية، ثم المشروع العلماني أو التحديث أو التغريب، أدت هذه التصريحات إلى إعادة فرز داخل مجتمعاتنا لنعرف إلى أي حد وصل زرع الفكر العلماني الغربي في مجمعاتنا العربية والإسلامية.
والحمد لله أن النتيجة كانت أكثر من إيجابية، حيث تأكد للجميع أن الشارع الإسلامي لا يزال بخير، وان العلمانية ما زالت غريبة في بلادنا.
الذي نريد أن نبرزه هنا هو أن حركة "كفاية" التي نمت على المستوي السياسي في العاميين الأخيرين قد انحازت إلى جانب وزير الثقافة ضد عموم الشارع المصري، وأصدرت بياناً شديد السذاجة، دافع عن الوزير وهاجم الأفكار الإسلامية وارتدى ثوب التنوير على الأرضية اليسارية الساقطة، وقد أدى هذا البيان الذي أصدرته "كفاية" إلى استقالة سبعة من أكبر رموزها احتجاجاً على صدم الحركة لمشاعر عامة الشعب المصري وانحيازها إلى الوزير الذي انصرف عنه الجميع، حتى أقطاب الحكومة والحزب الوطني نفسه.
وقد كان هذا التصرف غريباً وشاذاً، فكيف لحركة تسعى لاكتساب الشعبية وغرس بذورها داخل المجتمع المصري، كيف لها وهي تريد ذلك أن ترتكب هذه الخطيئة وتهاجم الرمز الإسلامي، وتنحاز إلى الحملة العلمانية الشاذة التي مثلتها تصريحات الوزير؟.
لقد أكد موقف "كفاية" أن هذه الحركة تحمل في طياتها عوامل انهيارها، لأنه تأكد أنها تخاصم الثقافة الإسلامية، وتنحاز للمقولات التقليدية لتيارات اليسار، وفلول الشيوعية، هذه الثقافة يعتنقها القادة المؤثرون داخل الحركة.
حركة "كفاية" إذاً أرادت أن تقود حركة التغيير في مصر من أرضية غير إسلامية رافضة الثقافة الإسلامية والرمز الإسلامي، فأخطأت بذلك الخطأ الذي لا يغتفر والذي سيجعلها حركة هامشية لا وجود لها بالشارع ولا جماهيرية لها، وغاية ما يمكنها تحقيقه هو أن تكون حركة للنخبة والصالونات والمظاهرات التي يشارك فيها قلة من مثقفي اليسار ومن غير الإسلاميين.
الانشقاق الذي حدث في "كفاية" نتيجة البيان الكارثة، والتأييد للوزير في موقفه المسيء، وعدم قناعة قطاعات عريضة من الشارع المصري بالحركة، وعدم تعويلهم عليها لقيادة حركة التغيير في مصر، كل ذلك يطرح قضية شديدة الأهمية وهي: ما هو مستقبل التغيير على الأرضية غير الإسلامية؟.
ولعل هذه مناسبة لطرح قضية على جانب كبير من الأهمية، وهي إلى أي حد كان إسهام الحركات الإسلامية في قضايا التحرر والنضال الوطني؟، والى أي حد أيضاً كان إسهام هذه الحركات في بلورة فكر وثقافة الشعوب العربية؟، ثم لماذا فشلت هذه الحركات في قيادة العالم العربي الحديث؟.
الحركات الإسلامية والتحرر الوطني
ظهر التيار الإسلامي، إذا صح هذا التعبير، في الجزيرة العربية على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي صاغ مشروعاً إحيائيا على القواعد الإسلامية، مما جعل أهل الجزيرة يتقبلونه قبولاً حسناً.
ومن يومها وأفكار هذا الشيخ تمثل الأساس الثقافي لأهل الجزيرة العربية.
ولأن الله تعالى حفظ بيته الحرام من أن يقع في قبضة أي سلطة احتلال، فلم تظهر حركات مقاومة وتحرر وطني في الجزيرة العربية، ولو حدث وتعرضت الأماكن المقدسة للاحتلال لكانت أفكار محمد بن عبد الوهاب هي الأساس الأمثل لتكوين حركة مقاومة وتحرر وطني من المعين الإسلامي.
وأوجه الشبه كثيرة بين بلادنا العربية في هذا الشأن، فالحركة السنوسية في ليبيا (رغم ما عليها من ملاحظات ومآخذ) ثم ما قام به عمر المختار، كانت تأييداً لهذا الكلام. فلب الدعوة السنوسية ثم مقاومة عمر المختار للاستعمار الإيطالي من الأرضية الإسلامية، تأكيد على أن الشعب الليبي لم يتشرب ثقافة التحرر الوطني والجهاد إلا من الأساس الإسلامي.
وتاريخ الحركة المهدية في السودان هو الآخر تأكيد على أن شعوبنا لا تتحرك إلا بالإسلام، ومع تحفظنا على الجوانب السلبية للحركة المهدية خاصة في الجانب العقائدي، إلا أنه في الجانب السياسي وفي جانب النضال الوطني قدمت الحركة تراثاً محترماً وممتازاً، وأذاقت جيش الاحتلال البريطاني الأمرين، وألحقت به هزائم قاسية في مرات متعددة.
فالحركة انطلقت من الأساس الإسلامي، ثم بنت عليه ثقافة مقاومة وتحرر مازالت موجودة حتى الآن.
إلا أن الجزائر هنا هي المثال الأوضح في أن الشعب لم يتحرك لمقاومة الاستعمار الفرنسي إلا على الأرضية الإسلامية.
والتف الجميع حول عبد الحميد بن باديس وجمعية العلماء، فبثت فيهم أفكار الجهاد والانتماء الإسلامي والتحرر الوطني، وجعلتهم يقدمون أرواحهم في سبيل دينهم.
وما فعله الشوكاني في اليمن والألوسي في العراق كان تأكيداً لهذا الدور، وهو صياغة الشخصية والهوية القومية على أساس الإسلام، وجعل الثقافة الإسلامية هي الأساس في إقامة مشروع النهضة والتحرر.
والواقع أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، باعتبارها أم الحركة الإسلامية المعاصرة في الجزائر، تمثل قبل الاستقلال، الركيزة الأساسية في مشروع الإحياء والنهوض الحضاري الذي أدى إلى التحرير، وقد استطاعت أن تجعل من التاريخ ميدان معركة حضارية بينها وبين المشروع الاستعماري الاستيطاني الفرنسي، ونجحت في خوض هذه المعركة بكل جدارة وإلى أبعد الحدود.
وحينما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر لم يكن هناك من يقاومها إلا تلك المؤسسة الإسلامية الكبيرة والعريقة، وهي الأزهر، الذي قاد النضال الوطني ضد الاحتلال الأجنبي.
ورأينا مشايخ أفاضل مثل الشيخ محمد كريم، ومثل الشيخ عمر مكرم. واستمر النضال الإسلامي طيلة عامين حتى تم إرغام الفرنسيين على مغادرة مصر.
ومعلوم أن علماء الأزهر هم الذين اختاروا محمد على ليكون والياً على مصر، قبل أن ينقلب عليهم ويبدأ في تهميش دور الأزهر وإقامة التعليم المدني العلماني موازياً للتعليم الديني الأزهري، بهدف تهميشه وإزاحته.
وفي مصر أيضاً كان للثورة العرابية جذور إسلامية، وتوجهات أحمد عرابي زعيم الثورة هي توجهات إسلامية.
والزعامة الوطنية التي مثلها مصطفى كامل كانت زعامة إسلامية وعلى الأرضية الإسلامية أيضاً. حتى سعد زغلول الذي أسس حزب الوفد الليبرالي العلماني، لا يمكن أن ننسى موقفه من قاسم أمين حينما اصدر كتابيه اللذين أثارا ضجة كبيرة، فقد انتقده سعد زغلول انتقاداً عنيفاً، ورأى فيما قاله عدم فهم للإسلام.
المورد الإسلامي هو الأساس
وإذا كان البعض لا يرى في العصر الحديث حركة إسلامية سوى الإخوان المسلمين، فإن أغلب حركاتنا السياسية قبل الإخوان المسلمين كانت إسلامية، وكانت تصدر عن المورد الإسلامي العريض، وبهذا نفهم حركات السنوسي، والمهدي، ومحمد بن عبد الوهاب، والجزائري، والخطابي.. وغيرهم الكثير كما أسلفنا، فكل الحركات السياسية العربية ظهرت من المورد الإسلامي في القرن التاسع عشر، ولم يكن هناك ثمة فارق بين الحركة الإسلامية والحركة الوطنية.
إنما الذي ميز حركة الإخوان المسلمين عام 1928 أنها ظهرت بعد أن قامت لدينا حركة وطنية علمانية تستهدف استقلال البلاد في إطار من التجزئة الإقليمية، في إطار من المرجعية الوضعية بعيدًا عن المرجعية الإسلامية، وفي إطار من رسم صورة المستقبل وفقًا للمجتمعات الغربية.
فقامت الحركة الإسلامية في أواخر العشرينات تطالب بالعودة إلى المرجعية الإسلامية، وإلى شمول الإسلام للجانب العقيدي والعبادي والنظم السياسية والاجتماعية، والعلاقات بين البشر والسلوك الفردي، وتعيد الرابطة بين هذه الأمور كلها كرد على قيام العلمانية.
وهذا هو ما سارت فيه كل الحركات الإسلامية التي تفتق عنها الإدراك الشعبي في بلادنا بعد الحرب العالمية الأولى.
وقد ظهرت بعد ذلك العديد من الحركات الإسلامية تؤكد كل منها على جانب آخر مما تحتاجه الشعوب الإسلامية حسب الخصائص التاريخية أو الظروف الاجتماعية والسياسية التي يمر بها كل شعب من شعوبنا.
فهناك من الحركات ما حمل السلاح في سبيل استقلال بلاده مثل أفغانستان، وهناك ما اقتصر على الدفاع عن الأصول حتى لا تجتث مثل ماحدث في تركيا إبان نظام أتاتورك، وهناك من الحركات ما أكد على الجوانب العقائدية مع تقديم مساعدات اجتماعية دون الوصول إلى العمل السياسي المباشر مثل الجمعية الشرعية في مصر، وهناك من الحركات ما أكد على الأسلوب الانقلابي في العمل السياسي لأن إمكانيات العمل الديمقراطي كانت قد أوصدت وأغلقت تمامًا، ومنها ما يرى في النشاط الديمقراطي أساس التحرك.
النقطة الأساسية هي أن الخلية الواحدة قد انقسمت إلى خلايا متعددة يعمل كل منها في الإطار الذي يسر له في أوضاعه السياسية والاجتماعية.
إن دور الحركة الإسلامية واضح في المجال السياسي والوطني، والكفاح ضد المستعمر، سواء في فلسطين، أو مصر، أو ليبيا، أو الجزائر، أو السودان، أو غيرهم من البلاد العربية.
لماذا يتم سرقة الحركات الإسلامية؟
الملاحظ أن الحركة الإسلامية تفعل كل شيء، فهي تقدم الثقافة، وتصيغ الهوية والوجدان، وتعبئ الشارع، ولكنها تعجز في النهاية عن قطف الثمرة.
فعل مشايخ الأزهر كل شيء قبل أن يسرق منهم محمد علي جهادهم.
وفي معظم بلادنا العربية تكرر هذا الأمر كثيراً في الجزائر وليبيا والسودان... الخ. فيا ترى ما هي أسباب ذلك؟.
ربما لأن الحركات الإسلامية مقصرة في التعمق في الفهم السياسي والاستراتيجي الذي به تستطيع إدارة أمورها مع العالم الخارجي، وإقناعه والتفاهم معه على نمط معين من العلاقات. وربما يكون الأمر في عدم التخطيط الجيد والتحسب لكل كبيرة وصغيرة. وربما كان الأمر عدم فهم تفصيلي ودقيق للتيارات التحتية في مجتمعاتنا العربية، وعدم التعبير بشكل كاف عن مطالب وتطلعات واحتياجات رجل الشارع البسيط.
صحيح أن تأثير المؤامرة واضح في هذا الاتجاه، والمؤامرة هنا هي الفعل والتحرك الغربي، الذي ناهض وقاوم وحارب الفكرة الإسلامية والمشروع الإسلامي، وأيد ودعم وعاون الفكرة القومية القطرية والقائمين عليها، لكن أي حركة ناهضة ورشيدة يجب ألا تستسلم لمنطق المؤامرة، وإنما يجب أن تكون استجابتها للمثير وللتحدي على مستواها ومستوى مشروعها الكبير وفكرتها الإسلامية السامية.
لا يمكننا أن ننكر أن الحركات القومية التي نمت في الدول العربية في أواخر الدولة العثمانية، والتي اختارت القطرية الضيقة في مقابل الوحدة الإسلامية المتمثلة في دولة الخلافة، هذه الحركات قد استطاعت سرقة الحركات الإسلامية، رغم أنها لا تملك عشر معشار ما تملكه الحركة الإسلامية.
فهل تتعلم الحركات الإسلامية من أخطاء الماضي؟ وهل تطور خطابها الاستراتيجي والسياسي والاجتماعي والثقافي والفكري؟ وهل تنفتح بحساب ووعي على العالم ولا تنغلق على نفسها؟ هل تفعل ذلك حتى لا يسرقها اللصوص مرة أخرى؟.