حظر "العدالة" و"التنمية"

عصام زيدان
الخبر:
قررت المحكمة الدستورية العليا في تركيا إبطال التعديل الدستوري الذي أقره البرلمان في وقت سابق من هذا العام ويسمح لطالبات الجامعة بارتداء الحجاب.
التعليق:
استنفرت القوى العلمانية في تركيا جحافلها لمواجهة ما رأته خطرا داهما يقوض أركان الجمهورية العجوز ويزلزل أركانها ويهز عروشها جراء اجتراء البرلمان الذي يمثل الشعب التركي على تعديل دستوري يسمح للطالبات في الجامعة بارتداء الحجاب.
وقرار المحكمة هذا يفتح الباب على مصراعيه لنرى حقائق العلمانية في معقلها وقلعتها التي يستمد منه الأعوان المدد والدعم مجردة من كل شئ، وبلا رتوش تجميلية تخدع بها أصحاب العقول الفارغة والقلوب الضعيفة.
| إن العلمانية لا تؤمن مطلقا بالحرية التي هي كما تدعي ركيزتها الأولى ودستورها المقدس الذي تنتفض إذا انتهك أو لمحت النية في عيون أحد من البشر يريد أن ينتهكها، خاصة إذا ما بدا أنه ينتمي لمعسكر ديني |
الحقيقة الأولى البارزة من وسط هذا الركام الذي صدعت به العلمانية رأس العالم منذ سنين خلت، أنها لا تؤمن مطلقا بالحرية التي هي كما تدعي ركيزتها الأولى ودستورها المقدس الذي تنتفض إذا انتهك أو لمحت النية في عيون أحد من البشر يريد أن ينتهكها، خاصة إذا ما بدا أنه ينتمي لمعسكر ديني..
أليس من قبيل الحرية الشخصية التي هي قوام العلمانية وعمود فسطاطها المتهاوي أن ترتدي المرآة ما تشاء دون تدخل سافر من أحد من البشر، أم أن هذه الحرية صك من صكوك الغفران تمنح لمن رضي عنهم دعاة العلمانية وتحظر على غيرهم.
ومن وسط هذا الركام أيضا نطرح الحقيقة الثانية ونتساءل، أين المساواة التي هل علكة في أبواق أرباب العلمانية، يقيمون عليها كل يوم مأتما وعويلا، ثم يكونون هم أول من يغتالها بدم بارد، ودون أي إحساس بالذنب أو التناقض، أو الخجل من هذا الصنيع..
أليست تلك الفتاة الجامعية التي أردت أن تضع على رأسها الحجاب تقف على قدم المساواة مع من أردت أن تبدو حاسرة الرأس، فهل يقبل دعاة العلمانية ويباركوا دولة تمنع حاسرات الرأس من دخول المدارس والجامعات، وتسن قانونا ودستورا بذلك، أم أنهم سيقيمون الدنيا ولا يقعدونها على المساواة التي ذهب دمها هدرا باسم الدين؟!
| أول من ينتهك إرادة الشعب التي هي الركن الرئيس للديموقراطيات قديما وحديثا، هم حماة العلمانية أنفسهم، الذين يرفعون بأيديهم راية الإرادة الشعبية ويركلون بأرجلهم الشعب ونوابه |
الحقيقة الثالثة التي تبدو بارزة الأنياب من هذا الحكم الذي أصدرته المحكمة الدستورية، أن أول من ينتهك إرادة الشعب التي هي الركن الرئيس للديموقراطيات قديما وحديثا، هم حماة العلمانية أنفسهم، الذين يرفعون بأيديهم راية الإرادة الشعبية ويركلون بأرجلهم الشعب ونوابه..
أليست هي إرادة الشعب، وبغالبية تعدت الثلثين، وبمشاركة الإسلاميين والقوميين وغيرهم هي التي فرضت نفسها على مجلس النواب وأخرجت إلى النور هذا التعديل الدستوري..
أليس هذا حكم الأغلبية المعبر عن إرادة الشعب والذي يجب أن يجل ويحترم كما تقول أدبيات الديموقراطية والعلمانية؟!
الحقيقة الرابعة التي تبدو جلية في قرار المحكمة أنها تجاوزت ما تدعو إليه من مبدأ الفصل بين السلطات، وعدم تعدي أي سلطة من السلطات الثلاث (القضائية، والتشريعية، والتنفيذية) على الأخرى، لان ذلك يعنى ببساطة شديدة تقويض أركان الدولة الحديثة القائمة على التوازن بين السلطات، ووقوعها تحت غائلة وديكتاتورية السلطة الواحدة.
| ما فائدة المجلس النيابي والهيئة التشريعية التي تعبر عن رغبات الشعب إذا كان من حق السلطة القضائية أن تلغي قراراتها بكلمة |
فما فائدة المجلس النيابي والهيئة التشريعية التي تعبر عن رغبات الشعب إذا كان من حق السلطة القضائية أن تلغي قراراتها بكلمة، نعم من حق المحكمة أن تتدخل إذا ما كانت هناك مخالفات إجرائية وشكلية، أما أن تتدخل في القرار الذي يتخذه نواب الشعب وتقصيه، فتلك بدعة جديدة من بدع العلمانية التركية الحديثة.
العلمانيون في تركيا، إذن، برهبتهم هذه من حجاب المرآة في الجامعة، واجترائهم على اقتحام منطقة المحرمات، من أجل عرقلة هذا القانون يؤكدون أن عروشها لا تعدو أن تكون زخرفا من القول، وأن قوتها البادية إنما هي نمر من ورق، وأنهم ما عادوا يملكون إلا ورقة المحكمة الدستورية ليواجهوا بها عزلتهم المتزايدة عن مجتمعاتهم التي أقبلت بوجهها على هويتها الدينية والإسلامية التي غيبت قهرا في سجون القهر الفكري العلماني منذ أطل على الساحة صنم العلمانية كمال أتاتورك.
| العلمانيون في تركيا، بهذه الخطوة المستفزة للمشاعر الدينية، أيضا إنما يجرون تركيا إلى عهود ظلامية وإرهاب فكري منظم طالما رشقوا به مخالفيهم |
والعلمانيون في تركيا، بهذه الخطوة المستفزة للمشاعر الدينية، أيضا إنما يجرون تركيا إلى عهود ظلامية وإرهاب فكري منظم طالما رشقوا به مخالفيهم، واتهموهم به ظلما وزورا، وكانوا هم أول المتلبسين به على مشهد من العالم.
وأخيرا فان هذه الخطوة من جانب عباد العلمانية التركية لتؤكد مجددا أنهم يسعون لحظر "العدالة" عن البلاد، وقتل "التنمية" في مهدها، وأنهم آخر من يفكر في مستقبل البلاد سياسيا واقتصاديا، وأنهم فقط مدفعون بمصالح شخصية، يقاتلون من أجلها ليلا ونهارا، وما عاد يجدي مهم التذكير بمصلحة البلاد إلا نفورا واستكبارا.